إسحاق شارية..مسار محامي غامر بحياته في مواجهة المخابرات الموريتانية ورجالات القذافي


أخر تحديث : الخميس 14 يوليو 2016 - 12:23 مساءً
إسحاق شارية..مسار محامي غامر بحياته في مواجهة المخابرات الموريتانية ورجالات القذافي

من هو المحامي إسحاق شارية المثير للجدل ومفجر الدعوى القضائية ضد الحيطي وكبار المسؤولين في الدولة في فضيحة النفايات الإيطالية…أين ولد؟ وكيف تربي؟ ومن أين يملك كل هذه الشجاعة الأدبية والسياسية لينتفض في كل حدث يمس المغرب أو المغاربة بسوء؟ من يقف وراءه؟ ما هو تاريخه النضالي؟ هل هو ظاهرة سياسية جديدة؟ ، كلها أسئلة أصبح يطرحها الشارع المغربي أحينا باستغراب، وأحيانا أخرى بكثير من علامات الإستفهام.
في هذا التحقيق، حاولت “سياسي” خوض غمار معرفة من هو المحامي إسحاق شارية، مثير الزوابع، والعدو رقم واحد للنخبة السياسية المغربية بكافة أطيافها، ومن أجل الحقيقة انتقلت الجريدة إلى مسقط رأسه؟ وحاورت أصدقائه ومقربيه، وتابعت نشاطاته، لتعرف حقيقة الرجل.
ولد هذا الشاب سنة 1982 بمدينة تطوان، من أسرة متواضعة، تعرضت لأبشع أنواع الظلم والقهر والإستبداد حسب ما يحكي مقربون من العائلة، الأمر الذي اضطرها للهجرة إلى مدينة مارتيل الساحلية للإستقرار في حي شعبي بسيط، ليعيش فترة الطفولة والشباب بين الصيادين مع والده المولع بهذه الهواية إلى حد الجنون، وبين أصحابه أبناء الأحياء الشعبية.

Isaac-Charia1
كل من سألناهم عنه في حيه القديم يشهدون له بدماثة الخلق، والتواضع، يقول أحمد جاره في الحي: “هنا كان يعيش بيننا في هذا البيت المتواضع قبل أن ينتقل لدراسة القانون في الرباط، كنا نقضي معه أياما ممتعة في صيد السمك، ولعب كرة القدم، والتسامر، كان دائما مبادرا ونشيطا في المسرح والثقافة وتنظيم الدوريات والمسابقات لأبناء الحي، بل كان يخلق الحدث أحيانا في كل المدينة”.
سنة 2000 وبعد حصوله على الباكالوريا بامتياز، سيصر والده على تسجيله بكلية الحقوق بالرباط، وهناك سيبدأ مرحلة جديدة من النضال الطلابي، فقد كان هو محرك انتفاضة الطلبة عند تعرضهم للتسمم في مطعم الحي الجامعي، كما عمل على تأسيس الفصيل الليبرالي بالجامعة والذي خاض صراعات مع باقي الفصائل خصوصا الفصائل الإسلامية واليسارية، وقد كان مبدأه آنذاك هو رفض استغلال الطلبة في احتجاجات تلهيهم عن النجاح في مسارهم الدراسي والأكاديمي، خدمة لأجندات سياسية بعيدا عن النضال الطلابي النزيه، وهو ما كان يعرضه دائما للهجوم، ويفرض عليه المواجهة في حلقيات النقاش.

إسحاق شارية 2
في 2004 سيحصل على شهادة الحقوق بتفوق، وهو ما أهله ليتابع دراساته العليا في تخصص قانون التجارة الدولية، ليتخرج من الجامعة تاركا سمعة طيبة في جدران كلية الحقوق، خصوصا بنجاحه في المزاوجة بين النضال السياسي والتفوق الأكاديمي، وهو الأمر الذي لا يتوفر في الكثير من الأحيان لدى العديد من أبناء الحركة الطلابية، وبعدها سيتحقق حلمه في أن يلتحق بسلك المحاماة في هيئة الرباط.
وفي هذا الصدد يقول ذ.إسحاق شارية: “لقد كان حلمي دائما أن أدافع عن الفقراء والمساكين والمظلومين وكل المقهورين، لأني عايشت الظلم وخبرت آلامه، ورغم أني تخصصت في مجال قانوني يتعلق بعالم قانون التجارة الأعمال، وهو مجال تقني بعيد عن السياسة والنضال الحقوقي، إلا أن شيئا غريزيا يدفعني في كل مرة لأنتفض ضد الظلم أو أي حدث أرى فيه مسا بالمغرب وطنا أو شعبا، ولا أهتم في سبيل ذلك إلى نتائج ما قد يحدث فيما بعد، المهم أن أقوم بدوري كما يحتم علي ضميري”.
في بداية مساره المهني سيقضي ذ.إسحاق فترة تدريب مع الأستاذ الشهير محمد زيان وزير حقوق الإنسان السابق، كما سيعمل إلى جانبه على تأسيس الحزب المغربي الليبرالي، وسيتولى منصب رئيس الشبيبة الليبرالية عن عمر يناهز 26 سنة، وهي المؤسسة التي عمل على إنشائها إلى جانب مجموعة من الشباب الذين آمنوا معه بأن التغيير لن يتحقق إلا عبر العمل السياسي، وفي تلك الفترة سيفجر أولى الأحداث الوطنية التي اهتز لها الشارع المغربي، عندما قرر خوض إضراب عن الطعام في الشارع العام أمام سفارة الجزائر، لمدة ثمانية أيام تضامنا مع حرية التعبير في مخيمات تيندوف، وتضامنا مع المعتقل مصطفى سلمى ولد سيدي مولود القيادي في جبهة البوليساريو الذي صرح أنه مع الطرح المغربي للحكم الذاتي.

اسحاق-شارية1
وحول هذا الموضوع يصرح ذ.إسحاق لإحدى الصحف آنذاك، “لم أجد من وسيلة وأنا محام متمرن و رئيس منظمة شبابية سياسية، للتعبير عن تضامني مع المحتجزين في تيندوف وعلى رأسهم مصطفى سلمى، سوى تعليق بذلة المحاماة على باب سفارة الجزائر، والإضراب عن الطعام، كما أن مسؤوليتي السياسية تحتم علي أن أكون في طليعة المناضلين وفي كل الجبهات، لأن المسؤولية هي المبادرة والتضحية وليس لبس ربطات العنق والجلوس في الفنادق الفخمة للتعبير على التضامن، فهذا ليس نضالا وإنما استرزاق بئيس على حساب قضايا الأمة”.
منذ هذه المحطة النضالية سيعاني الرجل من موجة من التهميش والإقصاء الإعلامي الممنهج، لأنه حاول تغيير مفهوم النضال السياسي، وهو الأمر الذي لم تتقبله حيتان السياسة والمدللين أبناءهم، فلم تذكر الصحف إلا محتشمة خبر مغامرته بحياته عندما تحدى أجهزة الإستخبارات الموريطانية وخرق كل أشكال الحصار، وانطلق إلى نواكشوط ليلتقي بالمناضليين الصحراويين الموالين لأطروحة الحكم الذاتي وعلى رأسم القيادي مصطفى سيدي مولود، كما لم تتحدث الصحافة الوطنية عندما ضحى بحياته ومستقبله في لقائه بالزعيم القدافي بقصر العامرية، عندما طالبه بوقف الدعم عن البوليساريو والإسراع في إيجاد حل لعودة المحتجزين لوطنهم المغرب.

ishak
لكن في 2011 وفي عز الربيع العربي، سيكون لإسحاق مسارا مختلفا عن باقي الشباب المغربي الذي نزل إلى الشارع أيام الحراك المغربي، ذلك أنه كان الوحيد مع قلائل من الشباب الذين ساروا وراءه من أجل تأسيس حركة شبابية مناهضة لحركة 20 فبراير، وهنا يقول: “لقد قررت الخروج ضد مشروع الفوضى الأمريكي، وضد مشاريع التقسيم، أنظروا ما آلت إليه ليبيا وسوريا وتونس ومصر، ولم أندم يوما على موقفي، لأن استقرار الوطن ووحدته، وحقن دماء أبنائه أسمى من أي شعار سياسي”، بعد ذلك سيختار هذا الشاب الإنعزال عن عالم السياسة لينغمس في مجاله المهني، لأنه ربما اكتشف أن بعد دستور 2011 لم يمض المغرب في الطريق الصحيح لحماية استقراره، والتي لا تتأتى إلا بمحاربة الفساد والزبونية والتحكم، وعبر فتح كافة المجالات للكفاءة وأبناء الشعب دون احتكار من طرف أبناء نخب متفرنسة أبانت عن فشلها في السير بالوطن نحو التقدم والإستقرار.
بعد كل هذه السنوات من النضال الحقوقي والسياسي، وفترة اعتزال دامت سنوات، يعود إسحاق شارية مؤخرا للممارسة السياسية والنضال الحقوقي ضد حيتان الفساد والإستبداد، إذ لم يتوقف عن إشعال حرب تلو الأخرى، فمن حربه ضد التطرف الحداثي والإسلامي، إلى حربه ضد حزب الأصالة والمعاصرة، حيث يعتبره معرقلا للمسار الديموقراطي ومفسدا للمشهد السياسي المتعفن أصلا، وذلك ضمن سلسلة مقالاته التحليلية، إلى حربه على حزب العدالة والتنمية عندما اتهمه الحزب بأنه يهودي للتهرب من مناظرته فكريا وسياسيا أمام الشعب، إلى حربه ضد حزب الإستقلال في موضوع اختفاء لوحات فنية ذات قيمة عالية، تعود ملكيتها لمسقط رأسه بتطوان، واليوم ها هو يفتح جبهة أخرى ضد كبار المسؤولين في الدولة دون خوف أو تردد عندما اختار مواجهة كل اللوبيات أمام القضاء، دفاعا عن كرامة المغرب المهدورة في فضيحة أزبال إيطاليا، لعله بذلك يعطينا دروسا تلو الأخرى في أن الوطنية والنضال من أجل الوطن، ليس استرزاقا أو مجالا لكسب المناصب والإمتيازات، إنما هو تضحية ووفاء للمبادئ والضمير الحي.

Isaac-Charia1

كلمات دليلية

اتـرك تـعـلـيـق 1 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة سياسي: كل أخبار السياسة بالمغرب والعالم الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.

  • عبد الله الغزاوي