البرفسور خالد فتحي: لهذه الأسباب… لا ينبغي تحرير الإجهاض


أخر تحديث : الأحد 10 مايو 2015 - 1:00 مساءً
البرفسور خالد فتحي: لهذه الأسباب… لا ينبغي تحرير الإجهاض

الدكتور خالد فتحي

أستاذ بكلية الطب بالرباط و أخصائي في أمراض النساء والولادة

بسم الله الرحمن الرحيم

لهذه الأسباب… لا ينبغي تحرير الإجهاض

وجهة النظر الطبية

 

أود في البداية أن أتقدم بشكر مزدوج للجهة المنظمة للقاء لأنها مكنتني من خلال هذه الدعوة، من نقاش مؤطر حول قضية حساسة كالإجهاض، ولأنها أيضا تتيح لي بذلك فرصة ثمينة لإثراء معارفي حول هذا الموضوع، من خلال مداخلات أطر معروفة بموقفها المبدئي من هذه المسألة الشائكة، وهم الدكتورة حنان الإدريسي رئيسة الائتلاف الوطني من أجل الحق في الحياة، والأستاذ محمد الزردة والدكتور كريم أولظيم وخصوصا الفقيه المقاصدي الدكتور أحمد الريسوني الذي أتمتع بمقالاته وآرائه الفقهية التي أجد دائما شمس الحقيقة العلمية وشمس الحقيقة الطبية تسطعان من بين ثناياها.

الموقف من الإجهاض من محددات الهوية:

الإجهاض هو موضوع تراجيدي بامتياز يمكن مقاربته من عدة زوايا، تاريخية، دينية، فكرية، أخلاقية، قانونية، طبية، نفسية، اقتصادية، حقوقية إلى ما شئت من المقاربات. ولا غرابة في ذلك فهو يتعلق بنشأة الإنسان وخلقه، والإنسان خليفة وحامل أمانة الله على الأرض، فهو موضوع له علاقة وطيدة بالهوية وبالخيارات الحضارية، فإذا قلت لي مثلا ما هو موقفك من الإجهاض قلت لك من أنت ولأي مدرسة فكرية تنتمي ومن أي حضارة إنسانية تنهل. لا أريد أن أسطو على مجالات اهتمام زملائي فلكل زاويته التي يبرع فيها، ولذلك لن أبارح باحة المقاربة الطبية للموضوع رغم ذلك صعب جدا فأنا لا أضمن أن لا أتجاوز هذه الباحة رغم شساعتها، فالموضوع شائك و متداخل ويغري بالاسترسال.

قد تبدو أجزاء مداخلتي متناثرة، ولكن مع ذلك، ستلاحظون أن لها خيطا ناظما هو الخيط الطبي، سأرد على المزاعم الطبية لدعاة الإجهاض، و أفند أرقامهم و أبين لكم كيف أنهم يختلقونها اختلاقا ثم سأتطرق لأطروحة حرية المرأة في التصرف في جسدها بدعوى أن الجنين هو جزء منها، سأوضح تهافت شعار محاربة الإجهاض السري و المنزلقات الخطيرة لإجهاض الأجنة بشبهة التشوه، و سأخوض في أضحوكة إجهاض المرأة بعد سن 45 سنة، و في الطريقة المريبة التي يوظف بها الإجهاضيون مفهوم منظمة الصحة العالمية لتحرير الإجهاض بكل بساطة، و في مضاعفات الإجهاض العمدي، الجسدية والنفسية، ثم في النهاية، لموقف أطباء النساء والتوليد من هذه القضية.

أيها الإخوة، الحمل لم يعد لغزا محيرا، لقد تم اكتشاف الكثير من أسراره وطلاسمه، ومما لا غبار عليه علميا الآن، أنه بمجرد تخصيب الحيوان المنوي للبويضة الأنثوية تتكون البويضة الملحقة أو كما تسمى باللغة العربية اللاقحة، التي تحمل ضمنها مشروعها وبرنامجها المنفرد بذاته، أي حياة جديدة منفردة منذ اللحظة الصفر. هذه الوحدة الجديدة ليست مجرد جمع بسيط بين صبغيات خليتين جنسيتين للرجل والمرأة، بل هي اندماج والتحام وانصهار، تفقد فيه هاتان الخليتان السابقتان عليها كل وجود وكل استقلالية، لتشرع الوحدة الجديدة، المختلفة عنها اختلافا نوعيا في الوجود، وتبدأ في تطبيق وتنفيذ برنامج نموها وفقا للشفرة الجديدة الناشئة في الجينيوم الجديد، أي أننا منذ الوهلة الأولى للإخصاب نكون أمام خلق آخر، أي أمام حقوق للغير لا يجوز المساس بها بالإجهاض. هذه حقائق علمية لا ينكرها إلا جاحد للمنطق العلمي، فمنذ أن يكون الجنين خلية واحدة هو برنامج معلوماتي مستقل، وينحصر دور الأم فقط، في أن تتيح له الظروف لكي يفصح عن نفسه ، بينهما نفس العلاقة التي بين الشريحة الالكترونية وشاشة الحاسوب.

يتميز نمو الجنين بعدة خصائص، من بينها التناسق، ونعني بها قدرة آلاف الجينات على التنسيق بينها مما يمنحنا وحدة جديدة يمكن أن تتطور في الزمن و نعني به مدة الحمل، وأن تتطور في المجال و نعني به الرحم الذي هو فضاء الحمل، ثم خاصية الاستمرارية. ذلك أن دورة الحياة الجديدة تجري دون انقطاع، فتخلق الخلايا ثم تفرز الأنسجة ثم تكون الأعضاء، و بعد ذلك اكتساب الأعضاء لوظائفها، كلها مراحل نمو تتم دون توقف. إنها أطوار لا يعقب بعضها بعضا فقط، بل كل طور لاحق يضم ويحتوي ويمتص الطور السابق، هناك تداخل وسرعة في بناء الجنين لنفسه دون فتور أو توقف لدرجة أنه في نهاية الأسبوع الثامن يكون البناء النهائي للجنين قد تم (في إطار مصغر بالطبع)، فكل خصائص الإنسان هي هذه المرحلة، بما فيها نوع جنسه، تكون حاضرة بالشكل الذي ستتجلى به عند الولادة. يتحقق إذن ويتأكد الجنين من خلال إنتاج وتوجيه ذاتي للبرنامج الموجود في جينومه منذ الإخصاب، لكن هذه الاستقلالية لا ينبغي أن نأخذها في معناها المطلق لأنها لا توجد حتى بالنسبة لنا نحن الراشدين، نحن أيضا نحيا لأننا نتفاعل مع محيطنا الذي يمدنا بالأكسجين وبالتغذية الخ…

هذه العلاقة التي تربطنا نحن مع محيطنا هي نفسها العلاقة التي تربط بين الجنين وجسد أمه، ولذلك فإن القول بأن الجنين جزء من الأم خطأ فادح، وجهل ذريع بالعلم والطب معا، فهناك عدة أدلة على هذا منها أنه يمكن الإخصاب خارج الرحم، أي أطفال الأنابيب، ويمكن أن تتطور البويضة الملقحة إذا وضعت في وسط ملائم ومغذي بميكانيزمات ذاتية بعيدا عن الرحم، وهذا يعني أن تطور الجنين مرتبط بالأم بصفتها عاملا خارجيا فقط. ولتلخيص الخطاب حول نمو الجنين من خلال مقاربة جينية يمكنني أن استعين بالمثال التالي: لبناء منزل نحتاج للمهندس الذي يضع التصميم، والمقاول الذي ينسق ويوجه عملية البناء، للعمال الذين يشيدون البناء ولمواد البناء، البويضة الملقحة تؤمن كل هذه الوظائف لوحدها، كل هذا موجود في البويضة الملقحة، فهي مكتفية بذاتها، فكما أن ملامح المنزل تظهر منذ التأسيس، فبنية الفرد تظهر بمجرد ما أن يظهر الجنين. الفرق بين المثالين هو أن المهندس والمقاول والعمال يشيدون بناءا منفصلا عنهم، بينما الجنين على عكس ذلك و أكثر من ذلك يشيد نفسه بنفسه، الأم لا توفر سوى فضاء العمل وما يلزم لصناعة مواد البناء. هذه مسلمات علمية، وليست آراء، وكل نقاش نزيه يجب أن ينطلق منها، لذلك فإن الشعارات التي تدفع بأن الجنين جزء من الأم، وأن الإجهاض هو كغيره من العمليات، وبأن الأم لها كامل الحقوق في جسدها، هي شعارات جوفاء تتعارض مع العلم قبل أن تتعارض مع الأخلاق والدين، ولذلك فإن الجنين هو إنسان في طور النمو، هذا النمو الذي كما نعرف جميعا لا يتوقف حتى بعد الولادة، فيستمر في مرحلة الطفولة والمراهقة ولذلك ينبغي عدم المساس به، ومن هنا تبدأ حقوق الإنسان، والتربية على حقوق الإنسان.

و الآن أود أيها الإخوة أن أدلف بكم الى نقاش آخر يعقب هذا مباشرة، ألا و هو النقاش حول قضية نفخ الروح، فتمى تنفخ الروح في الجنين الذي رأينا أنه حي منذ البداية؟

نفخ الروح و الإجهاض: الموقف الأخلاقي

هذا و تسيل قضية جواز إجهاض الجنين من عدمه قبل نفخ الروح فيه مدادا غزيرا على صفحات الجرائد. ونقاشا حامي الوسيط في المواقع الإجتماعية وفي الندوات الكثيرة التي تتطارح هده الأيام قضية تقنين الإجهاض. يساهم في هذا النقاش كما تلمسون الأطباء والفقهاء ورجال الإعلام ، وعلم الإجتماع، و السياسيون والقانونيون وعامة الناس . فهذه النقطة بالذات هي مربط الفرس في هذه المسألة الشائكة المتعددة الأبعاد ، و حتى أن بعض ” النابهين” من دعاة الإجهاض المستهترين بقدسية قيمة الحياة يذهبون إلى حد اعتبارها طوق النجاة لأطروحتهم الغريبة عن قيم وقناعات الشعب المغربي ، يرونها قادرة على حسم معركتهم في الاتجاه الين يصبون إليه ليس من خلال إعمال مفاهيم الحقوق الكونية، ولكن هذه المرة من خلال إعمال الأدلة الدينية و الفقهية، لإفحام من يعتبرونهم محافظين ومنغلقين متشبثين بالشريعة، دون اجتهاد، وهم بذلك ينقلون المعركة على غير عادتهم إلى الفناء الديني ليحسموه بالدين نفسه متأسين بالآية الكريمة ” وشهد شاهد من أهلها “، حيث يدعون إلى النهل أيضا من المذاهب الأخرى التي تجيز على خلاف المذهب المالكي ” المتشدد ” الإجهاض قبل نفخ الروح، كالمذهب الحنفي على وجه الخصوص . وهم بذلك يضربون صفحا هذه المرة وعلى غير عادتهم أيضا عن الحقائق العلمية. لأن الحقائق العلمية تثبت لهم هذه المرة أن الجنين حي منذ لحظة الإخصاب. لأن العلم لا يخدم أهواءهم في هذه المسألة الآن بقدر ما يخدمها الخلاف بين المذاهب السنية الأربعة .

وبصفتي طبيبا أعاين معجزة الحمل والحياة يوميا من خلال استئناسي بالأجنة، وهي بعد في أرحام أمهاتها، أرى لزاما علي أن أعرج على قضية نفخ الروح هاته . فهي ليست ثغرة في دفاع المنافحين عن حق الأجنة في الحياة بسلام ودون أذى أو إجهاض، ودفاعي ومنطقي بسيطان جدا في كل هذا، فإذا كانت الحياة هي الروح، و كانا إذن أمران متماهيان ومتطابقان. وكانت الحياة تعني القدرة على الانقسام والتكاثر والتوالد. فالجنين حي منذ اللحظة الأولى. أي منذ التحام وانصهار الخليتين التناسليتين للرجل والمرأة عند الإخصاب.وبالتالي فإن من الواضح عدم جواز الإجهاض في هذه الحالة.

أما إذا كانت الحياة أمرا ، وكانت الروح أمرا آخر مختلفا عنها، وكانت هذه الروح لا تنفخ، أولا تزرع في الجنين إلا بعد مرور 40 يوما أو أربعة أشهر من الحمل. فيمكنني القول أولا أن الطب ليس بمقدوره أن يبرهن هذه المسألة وتوقيتها، أي مسألة نفخ الروح في الجنين الحي بعد مرور قسط من الزمن أو قسط من الحمل، أو أن يجزم فيها. مما تصدق معه علميا كذلك الآية الكريمة ” يسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي، وما أوتيت من العلم إلا قليلا”، ولهذا قد يسعفنا النقل بخصوص هذه النقطة أكثر مما قد يسعفنا العقل: هناك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ” إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له اكتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح. فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة وإلا ذراع. فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار ، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل الجنة ” يفهم من هذا الحديث أن الروح تنفخ بعد مرور الأطوار الثلاثة لنمو الجنين : النطفة والعلقة . والمضغة التي تستغرق كل منها 40 يوما . أي ما مجموعه 120 يوما.

صحيح أن الحديث النبوي هو مصدر من مصادر التشريع الإسلامي. لكنه لا ينبغي لنا أن نحمل الحديث أكثر مما يحتمل، فالحديث يصف بعض أطوار الجنين ولكنه لا يجيز ولا يتحدث عن جواز إجهاض الجنين لا قبل زرع الروح ولا بعدها.

ومن يرون جواز ذلك بعد نفخ الروح هم يؤولون الحديث فقط. ويقفون عند اجتهاد المذهب الحنفي واجتهاد بعض الفقه الشافعي والحنبلي. يقفون عند هذه المرحلة التاريخية ويغلقون باب الاجتهاد عندها. يضربون صفحا عن كل الثورات والفتوحات العلمية والطبية التي حدثت بعد ذلك. يتناسون أننا نرى الآن معجزة الخلق منذ الإخصاب، ونعاين مراحل نمو الجنين مرحلة مرحلة . نراه ينبض بالحياة كما لم يره من قبلنا لا شافعية ولا حنبلية ولا حنفية – ولا حتى مالكية- . ولست أعتقد أن أيا من هؤلاء لو أتيح له ما يتيحه لنا العلم اليوم ما كان قد بقى على رأيه القديم، ولوافقوا الآن المذهب المالكي فيما ذهب إليه لا أقول عن تشدد وإنما أقول عن إلهام وصواب.

ثم إن الروح، وهي تزرع بعض مضي زمن من الحمل تكون في عالم الغيب. في حكم من سيأتي، في حكم المستقبل المنذور له أن يتحقق، ولذلك فاستباق حلولها بوأد الجنين، لا يمكن أبدا تبريره لا دينيا ولا أخلاقيا. وفي الحالة هاته ها أنتم ترون أنه لسنا نحن من اجتهد وفق المذهب المالكي، بل العلم و الطب هما اللذان أدارا ظهريهما لمن يسمون أنفسهم بالحداثيين، واجتهدا وفقا للمذهب المالكي، لكن دعونا لا نتوقف عند هذا الحد، وتعالوا نبحث الأمر من زاوية أخرى، زاوية أخلاقية، فإذا كانت ظلال الشك تحوم حول لحظة زرع الروح، هل هي أربعون يوما أو أربعة أشهر، وشتان ما بينهما . وإذا كان الجدال محتدما أصلا حول جواز إجهاض الجنين قبل زرع الروح من عدمه. وإذا كان العلم يحاصر الجميع بتصويره لكل مراحل خلق الإنسان، ويرصده للحياة لدى الجنين منذ الإخصاب أو النطفة الأمشاج، كما سماها القرآن، فإن الشك كما عودتنا منظومة حقوق الإنسان يوظف دائما لصالح الطرف الضعيف.

أليس الشك يا من يتشدق بالحداثة يوظف عندكم لصالح المتهم في القانون الجنائي؟ أليس الشك في صحة الأحكام مما يوظف أيضا من طرفكم إلغاء عقوبة الإعدام؟

إن مبررات المجهض قبل نفخ الروح واهية جدا وهي تشبه مبررات لص سرق ثورا مربوطا بحبل دافعا بأنه كان يمسك الحبل فقط في يده . وأنه ليس مسؤولا عن كون أن هناك ثورا يوجد مربوطا عند نهاية الحبل.

من يمارس الإجهاض يعرف هذا جيدا، فالفعل الإجرامي والنية الإجرامية تتحدان في جريمة الإجهاض لمنع ولادة حياة بشرية في طور النمو.

إن الشك حول الشخصية القانونية للجنين، هل هو إنسان ولو كان في مرحلة النمو أم مجرد خلايا متطورة كاف جدا، لمن أراد أن يستقيم، لاختيار السلوك الأكثر صوابا بالامتناع عن أي أذى محتمل بقيمة الحياة وبالإنسان. وذلك بالامتناع عن الإجهاض. فالأخلاق والقانون يفرضان أن لا نمتنع فقط عن أي تصرف يشكل أذى أو ضررا بل أن نمتنع عن أي تصرف يحتمل أن يشكل أذى أو ضررا.

وأخيرا نحمد الله على أن المذهب المالكي لم يخذلنا في هذه القضية أيضا عندما وضع على محك العلم ، أليس هو ضمن ثوابتنا التي تقينا شر الكثير من المتاهات؟ .

الإجهاض و القانون

أيها الإخوة، لعلكم تدركون أنه من بين المغالطات الكبرى التي يروج لها دعاة الإجهاض ، أن هذا الأخيرلا يمكن محاربته إلا من خلال تقنينه و احتوائه، معتبرين أن أنجع وسيلة للوقاية من الإجهاض هي دمجه ضمن المنظومة القانونية، فالإجهاض حسبهم ليس مبحثا يثار في دائرة الدين و الأخلاق و دائرة المجرد . بل هو مبحث اجتماعي يجب النظر إليه على ضوء الواقع ، و لذلك لا ينبغي أن نتحاور حول الإجهاض في معناه العاري الذي يتفق الجميع على إدانته بوصفه وأدا للحياة و بوصفه فعلا منبوذا يمجه الذوق ، بل ينبغي أن ينصب النقاش على الضرورة القصوى و المحلة لتنظيم و تقنين الإجهاض السري كممارسة موجودة بقوة الأمر الواقع.

و لتبرير دعوتهم هاته، يبرزون كيف أن الإجهاض السري يتضمن عدة مضاعفات جسدية و نفسية ويجري في ظروف غير آمنة، وأنه يهدد صحة و حياة الحامل، كما أنه استغلال بشع لامرأة توجد في وضعية هشاشة، لاعتبارات مادية أو اجتماعية أو دينية، و يخلصون إلى أن لا وسيلة لمكافحة هذه الظاهرة، غير إخراجها من دائرة السرية والقبول بها علنا، أي شرعنتها قانونيا فيتخيلون هم لأنفسهم ويزينون لغيرهم من أصحاب القرار وللمجتمع بأسره أن تقنين الإجهاض أمر إيجابي وأخلاقي، و أن الممانعين يصدرون عن خلفية إيديولوجية محافظة، تروم الوصاية على جسد المرأة و الإبقاء على الأرباح الطائلة التي يتداولها المنتفعون من سوق الإجهاض، فيعلنون للجميع أن معركتهم من أجل الإجهاض هي معركة حرية ضمير و معركة حريات فردية و حقوق مدنية . أما الأقل تطرفا في صفوف دعاة الإجهاض فينادي بتقنينه باعتبار ذلك هو الحل الأقل ضررا بكثير من استشراء ظاهرة الإجهاض السري. ويركز الداعون للإجهاض على الأرقام، لتدعيم مطلبهم بالتقنين، بل و يصنعون الأرقام صنعا، ليبرزوا كيف أن الإجهاض هو رغبة شعبية عارمة، وأنهم لا ينادون إلا بما يرغب فيه الناس و لا يترجمون إلا أحاسيسهم الدفينة ، فلذلك عندما يدفعون بأن 1000 امرأة تجهض يوميا بالمغرب، فإنهم يستحضرون من وراء الستار الفكرة الديمقراطية، فهذه نسبة و شريحة مهمة من النساء، من المجحف جدا أن لا يعبئ بها أو لا يستجيب لها المشرع ، فهذا هو التأويل الوحيد الذي نستنتجه من رقم مخيف كهذا، و هذا هو الضغط الضمني الذي تشكله هذه الإحصائيات على المسؤولين، لكن دعاة الإجهاض يصدرون في هذه الطرح عن فهم خاطئ للقانون ولوظيفة القانون داخل المجتمع ، فالأرقام على افتراض أنها صحيحة، فإنها ليست أبدا مسوغا لتحرير الإجهاض ، لأن الأرقام ليست مبررا للتطبيع مع الآفات و الظواهر السلبية ، هي رصد و تشخيص لجسامة المشكل وإلحاحية التصدي لمعالجته، وليست مبررا للتشريع و التقنين ، فهل إذا ارتكب 1000 مغربي جنحة السرقة و الرشوة كل يوم نصدر أيضا قانونا يبرر الرشوة و السرقة؟ و هل ستصيح الرشوة و السرقة أمران مقبولان بمجرد ما أن يدمجا في المنظومة القانونية ؟، وهل نقنن كذلك الدعارة و المثلية الجنسية لان بعض المغاربة يقبلون بهذا ؟ ليس هناك منطق أغرب ولا أغبي من هذا المنطق . أن يطوع الواقع القانون . لا أن يسعى القانون إلى تغيير سلبيات الواقع .

فالقانون هو الذي يضع للمجتمع الأفق الذي يسير إليه كل يوم، ويصوغ له المثال الذي يجب أن يرنو إليه ، هو الذي يحدد سقف الأخلاق الذي تنشده كل امة في أعماقها .

إننا لسنا مجتمع ملائكة، لكننا لا نريد أن نكون مجتمع شياطين، و كلنا خطاؤون ،لكن هناك فرقا كبيرا في أن تعي خطئك وبين أن تهرب إلى الأمام، فتحاول أن تحل الخطأ محل الصواب و الانحراف محل الفضيلة.

خطا كبير، ومنحدر مخيف وسحيق أن يختلط على القانون الخير و الشر و الحق و الباطل ، فإذا أصبح سقف القانون، هو الإجهاض، فمعناه أننا نؤسس لمجتمع تتفشى فيه الأمراض الاجتماعية، ومعناه فقدان الأمل في الإصلاح، أما إذا كان السقف هو تجريم هذه الممارسة، فمعناه أننا لا نستسلم لمشاكلنا، وأننا نسعى لتغيير واقعنا بكل الوسائل و في طليعتها القانون ، إن رسالة القانون هي إضفاء الطابع الإلزامي على كل الحقوق التي تستقي مشروعيتها أصلا من ماهيتها ومن أخلاقيتها، وكذا إجبار الناس على تغيير سلوكهم نحو الأحسن، و ليس من طبع القانون الاستسلام للأهواء و النزوات والصرعات الجديدة التي تتفتق عنها مخيلات البعض من الحداثيين المتنطعين، فالإجهاض ليس حقا من حقوق الإنسان لنقننه، بل إن ما لا يعيه دعاة الإجهاض أن المشروعية لا تعني دائما الشرعية، لذلك فان إدراج الإجهاض ضمن المنظومة القانونية لا يغير شيئا من طبيعته ، لأن طبيعة الفعل منفصلة تماما عن قانونيته. و ما لوحظ مثلا هو أن القانون لم يقم بمحو الإجهاض السري في كثير من الدول التي شرعت الإجهاض، بل على العكس من ذلك رفع من نسبته . لأن السرية ليست مرتبطة بالخوف من الجزاء فقط، فالإجهاض بصفته فعلا منبوذا يظل دائما سرا تكتمه المرأة و الطبيب و كل الأطراف المعنية، القانون يفترض الشرعية و لا يؤسسها ، و لذلك لن يفلح أبدا في تطهير هذه الممارسة في عيون الناس، بل إنه عندما يعترف القانون بممارسة لا أخلاقية تتضرر صورته و تضيع هيبته بين الناس، وخصوصا عندما لا ينتصر لقيمة أساسية كالحياة، بل وينظم الوسائل والإجراءات لانتهاكها ووأدها، فتتلاشى إلى جانب وظيفته الزجرية وظيفته التربوية كذلك، و ينتفي أيضا السبب الذي وجد القانون من أجله أصلا . ليست المشكلة أن يمارس الإجهاض برضى القانون أو ضدا على القانون ، المشكلة هي أن الإجهاض في كنهه مرفوض دينا و أخلاقا و ذوقا . و هذا معطى لا يتغير سواء حرر الإجهاض أم لا .

و حتى إذا قنن الإجهاض سيثور السؤال المؤرق التالي في وجه ونفس كل المقبلات على الإجهاض: هل يجب انتهاز القانون و تسهيلاته ، أم على العكس من ذلك الوفاء للقناعات و الالتزام بالأخلاق والدين؟، و هذا يجر إلى سؤال آخر أكثر إحراجا ، هل القانون نفسه شرعي آم لا ؟ و هل الطبيب مجبر على احترامه أم لا ؟

ثم في حالة المغرب، على من ينادى بتقنين الإجهاض أن يحترم أولا القوانين السارية وخصوصا الدستور الذي حسم في فصله 20 هذه القضية، حين أكد بان الحق في الحياة مكفول.حيث أن التأويل الوحيد الممكن لقصد المشرع الدستوري هو رغبته في حماية حق الجنين في الحياة . فأيا كان النظام القانوني للجنين، هل هو إنسان أم مجرد خلايا متطورة في طور النمو، فالصيغة اللغوية للفصل تتحدث عن الحق في الحياة أي تتحدث عن الحياة و لو كانت أمرا غير حاصل، بل و حتى أمرا متوقعا حصوله في المستقبل أي عبر الحمل. فهذه هي المتاهات القانونية و الدستورية التي سيجرنا إليها تقنين الإجهاض فضلا عن متاهاته الاجتماعية و الطبية و الدينية و المجتمعية . انه قانون لو صدر بالشكل الذي يريده دعاته سيهدد ليس فقط تماسك القانون، بل تماسك المجتمع أيضا .

أرقام دعاة الإجهاض من وحي الخيال

أيها الإخوة يجرنا الحديث الآن لمناقشة حجج دعاة الإجهاض، فبالنسبة للأرقام التي يقدمونها، فلقد تحدثوا في البداية عن 200 حالة إجهاض تتم في اليوم ثم انتقلوا إلى 400 ثم انتقلوا إلى 800 ثم 1000 وهذا في إطار استراتيجية مدروسة وتكتيك محكم. هذه الأرقام أستطيع أن أقول بأنها أرقام من صنع الخيال، فنحن في مستشفى السويسي ليست لدينا هذه الأرقام، ثم هذه الأرقام لم يقم دعاة الإجهاض بنشرها في أي مجلة علمية رصينة، ولم نناقشها أبدا في مؤتمرات أطباء النساء والولادة، هي فقط حيلة دعائية لأجل التمويه والإيهام بأن تقنين الإجهاض هو مطلب شعبي، وذلك لأجل خداع الرأي العام والتأثير على أصحاب القرار.

لا يجوز إجهاض الأجنة بشبهة التشوه.

أما بالنسبة لإجهاض الأجنة بسبب التشوه، يمكن أن أقول بأن هذا الإجهاض يتم في أغلبه لأسباب مزاجية وجمالية ويتم أحيانا للشك وللشبهة وهذا سيؤدي بنا إلى إعدام آلاف من الأجنة، وكم من الأجنة توقع أطباؤهم أن يكونوا مشوهين وولدوا طبيعيين. تشوه الجنين تقريبا يحل نفسه بنفسه في 90 إلى 95% من الحالات، التشوهات القاتلة تسقط تلقائيا، ولا تطرح أية مشكلة، وما يتبقى منها ينقسم إلى قسمين: تشوهات قابلة للعلاج وأحيانا داخل الرحم، وهي أغلبية التشوهات، وتشوهات غير قابلة للحياة. فالتشوهات الأولى لا تطرح مشكلة، لابد أن نقدم العلاج للجنين ولو بعد الولادة، أما تشوهات الصنف الثاني فتختلف المواقف، فهناك من الأطباء والحوامل من لا يرى ضرورة في استمرار حمل سينتهي بوفاة المولود الجديد، وهناك من يرى أنه يجب احترام قدسية الحياة والاستمرار بالحمل إلى نهايته وإنجاز الولادة ثم بعد ذلك يفعل الله ما يشاء. وبالنسبة لي أنا في الممارسة اليومية ألتزم بالطريقة الآتية: أقدم شرحا وافيا مطعما بلمحة عن المبادئ و القيم التي تدعو لها ثقافتنا و مرجعيتنا الدينية الإسلامية في مثل هذه الظروف الحرجة للمرأة الحامل، و ما عاينته هو أن كل النساء يتقبلن هذا الوضع، ويمكننا الاستمرار بهذا الحمل، ولا نتدخل إلا إذا كان هناك ضرر على المرأة، ولكني لست ضد الاجتهاد في هذه القضية. و سننضبط لما ستسفر عنه المشاورات. أما بالنسبة لإجهاض المرأة في سن 45 سنة فهذا أمر غير مقبول بتاتا خصوصا مع ارتفاع سن الزواج لأنه سيؤدي بعد ذلك إلى خفض هذه العتبة إلى 40 سنة ثم إلى 30 سنة لنصل أخيرا إلى إجهاض التلميذة والقاصر، وهذا غير مؤسس له لا علميا ولا ذوقيا ولا أخلاقيا.

كيف توظف صحة الحامل لتحرير الإجهاض

 

أيها الإخوة،

لا يختلف اثنان على أن الإجهاض مباح دائما إذا ما كان استمرار الحمل يهدد حياة أو صحة الحامل.

يتفق في ذلك دعاة الاجهاض و الرافضون لتحريره، الأطباء و الفقهاء، رجال السياسة و رجال القانون، و المحافظون و الحداثيون، بل يمكن القول أن هذه القناعة تستولي على كل الناس مهما اختلفت مشاربهم الفكرية و تباينت توجهاتهم في الحياة.

لكن، و رغم أن هذه النقطة تبدو بمثابة الإجماع الوحيد الذي يتجلى للعيان في نقطة حساسة كتقنين الإجهاض، إلا أنه مع ذلك يظل إجماعا هشا و ظاهريا فقط، إجماعا لا يصمد كثيرا أمام تقلبات النقاش     وما أكثرها، وينهار تماما بمجرد ما نبحث و نوغل في التفاصيل، و قديما قالوا أن الشيطان يكمن في التفاصيل . ذلك أنه لكلا الجانبين مفهومه لصحة الحامل و لكلاهما مراميه، التي يوظف من أجلها هذا المفهوم. فعندما نختلف في النوايا، نختلف في المغزى من المفهوم الواحد.

و هكذا يصر المناصرون لتقنين الإجهاض على أنه ينبغي في هذه القضية اعتماد مفهوم و تعريف منظمة الصحة العالمية لمعطى الصحة، حيث تكون الصحة حسب هذا التعريف، حالة من العافية الكاملة البدنية والنفسية و العقلية و الاجتماعية، و ليست فقط حالة انتفاء للمرض أو للعجز. و هكذا يسرفون في التوسع في عدد الحالات التي تستوجب الإجهاض بسبب تهديد حياة أو صحة الحامل، حين يلحون كثيرا على مفهومي العافية النفسية و الاجتماعية. فإذا صرحت الحامل بأنها غير مستعدة نفسيا للحمل لأنها لم تقم ببرمجته مثلا، أو لأن سنها متقدم قد فاق 45 سنة و لا تستطيع أن تتحمل نفسيا نظرات أولادها أو أحفادها لبطنها المنتفخ، يصبح من الملائم و من القانوني إجهاضها ، إلى غير ذلك من الأمثلة و الأعذار الواهية، كما أن الصحة الاجتماعية تعني أن كل جنين يحل برحم أمه عندما تكون هي غير جاهزة اجتماعيا لاستقباله يصبح مهددا بالإجهاض، و بمباركة القانون، كأن تكون المرأة حديثة عهد بالشغل و لا زالت   في طور التدريب، أو تكون منكبة على إتمام دراستها العليا، و لا قدرة اجتماعية لها على تحمل أعباء الحمل و الدراسة، أو قد تكون وضعية الزوجين المادية غير مريحة جراء قرض للسكن أو السيارة، ولا اعتمادات إضافية يمكن رصدها للمولود الجديد… إلى غير ذلك من الظروف التي لا عد لها و لا حصر، والتي يختلف تقييم حدتها من حامل إلى حامل و من أسرة لأسرة.

و لعله من الواضح جدا أن تطبيق مثل هذه المفاهيم الفضفاضة سيجعلنا بكل بساطة أمام تحرير مقنع للإجهاض ولكل النساء. فمع التعريف العالمي للصحة يتوهم دعاة الإجهاض أنهم يضعون مناصري حق الجنين في الحياة في مأزق كبير، إذن كيف لهم أن ينكروا على منظمة الصحة العالمية تعريفها للصحة؟     و كيف لهم أن يقنعوا النساء بالخصوص بعدم التسرع في إجهاض هذه الحالات دون أن يتهموا بأنهم خارج منطق العصر، و أنهم يجازفون بصحة المرأة في سبيل إرضاء مرجعتيهم أيا كانت طبيعتها فلسفية أو أخلاقية أو دينية؟. وهكذا يقتنع دعاة الإجهاض بأن توظيف صحة الحامل كاف وحده لتحرير الإجهاض دون أن يخشوا ممانعة من أحد. و مع ذلك فان الأمور ليست بهذه السهولة التي قد يتخيلها دعاة الإجهاض هؤلاء، ذلك أنهم لا يفصحون عن كل الحقيقة، بل يقولون كلمة باطل يريدون بها باطلا. فالحمل لا يندرج أبذا ضمن مفهوم العافية و الصحة الكاملة. الحمل ليس صحة تامة و ليس مرضا. هو بين الصحة والمرض منزلة بين المنزلتين، فكيف نطبق عليه مفهوم منظمة الصحة العالمية، ان الحمل كما يعرف الأطباء و كما يعرف الجميع يفرض أعباء اضافية على جسد المرأة و ترافقه متغيرات هرمونية و نفسية و مزاجية معروفة منذ قديم الزمن، من منا لا يلاحظ التغيرات العاطفية و الانفعالية المفاجئة المرافقة للحمل، و من منا ينكر اختلاط المشاعر و تقلب المزاج والاضطرابات المتعلقة بالحمل لدى الحامل، و الوسواس التي تراود الأم حول سلامة الجنين، و قلقها و توترها المفرط أحيانا بدون سبب، ناهيك عن أعراض الغثيان و زيادة حساسية الثديين، و التعب و الاعياء و تورم القدمين، و تقلصات العضلات، و الامساك، وظهور الدوالي، الى غير ذلك من المشاكل الصحية التي تختفي كلها بانتهاء الحمل، و من منا لا يعرف أن الحمل يفرض أعباء اجتماعية ليس بالنسبة للحامل فقط، بل للأب و للأسرة الصغيرة تخص استقبال المولود الجديد و العناية به.

و لذلك و انصافا للحقيقة و للحامل و الجنين، يجب أن نستثني الحمل عندما نتحدث عن مفهوم الصحة التامة و المعافاة التامة، اذ لا يمكن تصور الحمل دون أعباء عضوية و نفسية و اجتماعية، هو هكذا بطبيعته ليس صحة تامة و هذا ما أشار اليه الله سبحانه و تعالى في كتابه الكريم بقوله : و وصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن و فصاله في عامين.

فهل اذا تبرمت – و ما أكثر ما تتبرم النساء من الحمل – المرأة من حملها لأنه أوهنها بعض الشيء يمكن اجهاضها ؟ انه اذا أطلقنا العنان لمثل هذه المفاهيم الفضفاضة سنكون بكل بساطة أمام التحرير الكامل للإجهاض المنفلت من أي قيد أو شرط.

ما يتجاهله دعاة الإجهاض هو أن التضحية بالجنين في سبيل حياة المرأة لا يقبل عليه الأطباء النزهاء الا على مضض، باعتباره يدخل ضمن أن اخر الدواء الكي. و باعتباره الخيار الوحيد لإنقاذ الأم، و أنه لا يتم اللجوء اليه الا بعد التروي و التشاور و الا بعد التيقن بأن الحمل يشكل خطرا داهما و حقيقيا على صحة المرأة   و ليس خطرا مفترضا، ذلك أنه في هذه الحالة يكون مبدأ العلاج مقلوبا، ذلك أن العلاج يستهدف دائما الشخص المصاب واستئصال العضو المصاب، بينما يستهدف في هذه الحالة الجنين الذي غالبا ما يكون سليما معافى لإنقاذ الأم، و لذلك فان الطبيب يوجد دائما بين المطرقة و السندان في مثل هذه الحالات، اذ عليه دائما أن يوفق بين مصلحة الأم الحامل وأن يحافظ على حياتها و بين مصلحة الجنين في أن يولد سليما معافى، و يتخذ القرار بوازع من ضميره، كذلك فان الطبيب هو الجدار الأخير الذي يحمي الجنين، فعليه دائما أن يرفض الإجهاض لأسباب و أعذار واهية اجتماعية كانت أو نفسية و حتى عضوية في بعض الحالات، و أن يميز بين الحالات، و أن يرافع لصالح الجنين دائما، و لو في وجه أمه اذا لم يقتنع بدوافعها   و أن لا يستهين أو يستهتر بالحق في الحياة، بأن يهون أمام عينيها فعل الاجهاض أو يزينه لها.

و عليه أن يتذكر دائما أن الاجهاض لا يكون الا لأسباب جدية تتعلق بصحة الأم فقط، و أن الكثير من الشعارات البراقة تخفي مخططا مبيتا لتحرير الإجهاض، و أن توظيف بعض المفاهيم و لو كانت طبية يكون بخلفية إيديولوجية غير علمية لدى دعاة الاجهاض، و توظيفهم المغرض في هذه القضية للتعريف العالمي للصحة خير دليل على تهافت أطروحتهم و عدم تماسكها.

مضاعفات الإجهاض العمدي:

أيها الإخوة، لا تعتقدوا أن الإجهاص العمدي الطبي هو أحسن، و أنه دون مضاعفات، و مصاعفاته كثيرة و خطيرة و هي: مضاعفات عضوية ونفسية. المضاعفات العضوية هو أنه قد يؤدي إلى توسع عنق الرحم، وإلى انسداد قنوات فالوب، ويؤدي إلى العقم، ويؤدي إلى الوفاة بسبب النزيف، ويسبب مشاكل التخدير، وإلى التصاقات الرحم، أما في الجانب النفسي فهو يؤدي إلى التوتر والاكتئاب والحزن. وهناك متلازمة تسمى متلازمة ما بعد الإجهاض حيث يلازم المجهضة ويتلاشى ثم يعود بسبب ولادة طفل جديد أو بسبب حادث يذكرها بمأساة الإجهاض، فتنتقل عدوى هذه المشاكل النفسية إلى الزوج وإلى الأطفال، وفي بحث أنجز بجامعة أمريكية 65% من المجهضات صرحن بأنهن فكرن في الانتحار و 31% حاولنه فعلا، و81% قلن بأنهن تسرعن في اتخاذ القرار لأنهن لم يجدن ممانعة من الوسط الطبي، و31% قلن بأن خيال الطفل المجهض لا يفارقهن، و92% يعانين من الاكتئاب، و46% عانين من الانفصال بعد إجراء الإجهاض.

موقف أطباء النساء و الولادة:

أيها الإخوة، يبقى أن أختم بموقف أطباء النساء والولادة، وما ينبغي أن يعرفه الجميع هو أن أغلبية الأطباء لا يتبنون الموقف الداعي لتحرير الإجهاض ومنهم أساتذة كلية الطب بمستشفى الولادة بالسويسي وكلية الطب بالرباط وكليات الطب الأربع بالمملكة، لا أعرف أستاذا يدعو إلى تقنين الإجهاض. ثم يجب أن نعلم أن الأطباء هناك من لا يمارس الإجهاض إطلاقا وهناك من يمارس الإجهاض وهؤلاء غالبا ما يمتنعون بمرور الوقت لأنهم يعاينون وحشيته وهمجيته ثم يلتحقون بصفوف الأطباء الذين لا يمارسون الإجهاض. فالإجهاض إذن مرفوض طبيا وسيزج بمستشفياتنا العمومية في حالة تقنينه في حالة من الفوضى وسيخلق حالة من الاحتقان والاصطفاف والانقسام بين الأطباء، وسيخلق جمعيات وجمعيات مضادة، وسيجعل المستشفى لا يتنفس بشكل طبيعي في وسطه الحضري، وهذا كله ليس في مصلحة منظومتنا الصحية لأن لها شجونا وهموما أخرى.

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة سياسي: كل أخبار السياسة بالمغرب والعالم الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.