البروفيسور خالد فتحي يكتب: نفخ الروح و الإجهاض: الموقف الأخلاقي


أخر تحديث : الثلاثاء 14 أبريل 2015 - 12:04 مساءً
البروفيسور خالد فتحي يكتب: نفخ الروح و الإجهاض: الموقف الأخلاقي

البروفيسور خالد فتحي

مستشفى الولادة السويسي- الرباط

نفخ الروح و الإجهاض: الموقف الأخلاقي

تسيل قضية جواز إجهاض الجنين من عدمه قبل نفخ الروح فيه مدادا عزيزا على صفحات الجرائد. ونقاشا حامي الوسيط في المواقع الإجتماعية وفي الندوات الكثيرة التي تتطارح هده الأيام قضية تقنين الإجهاض. يساهم في هذا النقاش الأطباء والفقهاء ورجال الإعلام ، وعلم الإجتماع، و السياسيون والقانونيون وعامة الناس . فهذه النقطة بالذات هي مربط الفرس في هذه المسألة الشائكة المتعددة الأبعاد ، بل ويذهب بعض ” النابهين” من دعاة الإجهاض المستهترين بقدسية قيمة الحياة إلى اعتبارها طوق النجاة لأطروحتهم الغريبة عن قيم وقناعات الشعب المغربي ، يرونها قادرة على حسم معركتهم في الاتجاه الين يصبون إليه ليس من خلال إعمال مفاهيم الحقوق الكونية، ولكن هذه المرة من خلال إعمال الأدلة الدينية و الفقهية، لإفحام من يعتبرونهم محافظين ومنغلقين متشبثين بالشريعة دون اجتهاد، وهم بذلك ينقلون المعركة على غير عادتهم إلى الفناء الديني ليحسموه بالدين نفسه متأسين بالآية الكريمة ” وشهد شاهد من أهلها “، حيث يدعون إلى النهل أيضا من المذاهب الأخرى التي تجيز على خلاف المذهب المالكي ” المتشدد ” الإجهاض قبل نفخ الروح، كالمذهب الحنفي على وجه الخصوص . وهم بذلك يضربون صفحا هذه المرة وعلى غير عادتهم أيضا عن الحقائق العلمية التي تثبت لهم أن الجنين حي منذ لحظة الإخصاب. لأن العلم لا يخدم أهواءهم في هذه المسألة الآن بقدر ما يخدمها الخلاف بين المذاهب السنية الأربعة .

وبصفتي طبيبا أعاين معجزة الحمل والحياة يوميا من خلال استئناسي بالأجنة، وهي بعد في أرحام أمهاتها، أرى لزاما علي أن أعرج على قضية نفخ الروح هاته . فهي ليست ثغرة في دفاع المنافحين عن حق الأجنة في الحياة بسلام ودون أذى أو إجهاض، ودفاعي ومنطقي بسيطان جدا في كل هذا، فإذا كانت الحياة هي الروح، و كانا إذن أمران متماهيان ومتطابقان. وكانت الحياة تعني القدرة على الانقسام والتكاثر والتوالد. فالجنين حي منذ اللحظة الأولى. أي منذ التحام وانصهار الخليتين التناسليتين للرجل والمرأة عند الإخصاب.وبالتالي فإن من الواضح عدم جواز الإجهاض في هذه الحالة.

أما إذا كانت الحياة أمرا ، وكانت الروح أمرا آخر مختلفا عنها، وكانت هذه الروح لا تنفخ، أولا تزرع في الجنين إلا بعد مرور 40 يوما أو أربعة أشهر من الحمل. فيمكنني القول أولا أن الطب ليس بمقدوره أن يبرهن هذه المسألة وتوقيتها، أي مسألة نفخ الروح في الجنين الحي بعد مرور قسط من الزمن أو قسط من الحمل، أو أن يجزم فيها. مما تصدق معه علميا كذلك الآية الكريمة ” يسألونك عن الروح، قل الروح من أمر ربي، وما أوتيت من العلم إلا قليلا”، ولهذا قد يسعفنا النقل بخصوص هذه النقطة أكثر مما قد يسعفنا العقل: هناك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ” إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع كلمات، ويقال له كتب عمله ورزقه وأجله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح. فإن الرجل منكم ليعمل حتى ما يكون بينه وبين الجنة وإلا ذراع. فيسبق عليه كتابه فيعمل بعمل أهل النار ، ويعمل حتى ما يكون بينه وبين النار إلا ذراع ، فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل الجنة ” يفهم من هذا الحديث أن الروح تنفخ بعد مرور الأطوار الثلاثة لنمو الجنين : النطفة والعلقة . والمضغة التي تستغرق كل منها 40 يوما . أي ما مجموعه 120 يوما.

صحيح أن الحديث النبوي هو مصدر من مصادر التشريع الإسلامي. لكنه لا ينبغي لنا أن نحمل الحديث أكثر مما يحتمل، فالحديث يصف بعض أطوار الجنين ولكنه لا يجيز ولا يتحدث عن جواز إجهاض الجنين لا قبل زرع الروح ولا بعدها.

ومن يرون جواز ذلك بعد نفخ الروح هم يؤولون الحديث فقط. ويقفون عند اجتهاد المذهب الحنفي واجتهاد بعض الفقه الشافعي والحنبلي. يقفون عند هذه المرحلة التاريخية ويغلقون باب الاجتهاد عندها. يضربون صفحا عن كل الثورات والفتوحات العلمية والطبية التي حدثت بعد ذلك. يتناسون أننا نرى الآن معجزة الخلق منذ الإخصاب، ونعاين مراحل نمو الجنين مرحلة مرحلة . نراه ينبض بالحياة كما لم يره من قبلنا لا شافعية ولا حنبلية ولا حنفية – ولا حتى مالكية- . ولست أعتقد أن أيا من هؤلاء لو أتيح له ما يتيحه لنا العلم اليوم ما كان قد بقى على رأيه القديم، ولوافقوا الآن المذهب المالكي فيما ذهب إليه لا أقول عن تشدد وإنما أقول عن إلهام وصواب.

ثم إن الروح، وهي تزرع بعض مضي زمن من الحمل تكون في عالم الغيب. في حكم من سيأتي، في حكم المستقبل المنذور له أن يتحقق، ولذلك فاستباق حلولها بوأد الجنين، لا يمكن أبدا تبريره لا دينيا ولا أخلاقيا. وفي الحالة هاته ها أنتم ترون أنه لسنا نحن من اجتهد وفق المذهب المالكي، بل العلم و الطب هما اللذان أدارا ظهريهما لمن يسمون أنفسهم بالحداثيين واجتهدا وفقا للمذهب المالكي، لكن دعونا لا نتوقف عند هذا الحد، وتعالوا نبحث الأمر من زاوية أخرى، زاوية أخلاقية، فإذا كانت ظلال الشك تحوم حول لحظة زرع الروح، هل هي أربعون يوما أو أربعة أشهر، وشتان ما بينهما . وإذا كان الجدال محتدما أصلا حول جواز إجهاض الجنين قبل زرع الروح من عدمه. وإذا كان العلم يحاصر الجميع بتصويره لكل مراحل خلق الإنسان، ويرصده للحياة لدى الجنين منذ الإخصاب أو النطفة الأمشاج، كما سماها القرآن، فإن الشك كما عودتنا منظومة حقوق الإنسان يوظف دائما لصالح الطرف الضعيف.

أليس الشك يا من يتشدق بالحداثة يوظف عندكم لصالح المتهم في القانون الجنائي؟ أليس الشك في صحة الأحكام مما يوظف أيضا من طرفكم إلغاء عقوبة الإعدام؟

إن مبررات المجهض قبل نفخ الروح واهية جدا وهي تشبه مبررات لص سرق ثورا مربوطا بحبل دافعا بأنه كان يمسك الحبل فقط في يده . وأنه ليس مسؤولا عن كون أن هناك ثورا يوجد مربوطا عند نهاية الحبل.

من يمارس الإجهاض يعرف هذا جيدا، فالفعل الإجرامي والنية الإجرامية تتحدان في جريمة الإجهاض لمنع ولادة حياة بشرية في طور النمو.

إن الشك حول الشخصية القانونية للجنين، هل هو إنسان ولو كان في مرحلة النمو أم مجرد خلايا متطورة كاف جدا، لمن أراد أن يستقيم، لاختيار السلوك الأكثر صوابا بالامتناع عن أي أذى محتمل بقيمة الحياة وبالإنسان. وذلك بالامتناع عن الإجهاض. فالأخلاق والقانون يفرضان أن لا نمتنع فقط عن أي تصرف يشكل أذى أو ضررا بل أن نمتنع عن أي تصرف يحتمل أن يشكل أذى أو ضررا.

وأخيرا نحمد الله على أن المذهب المالكي لم يخذلنا في هذه القضية أيضا عندما وضع على محك العلم ، أليس هو ضمن ثوابتنا التي تقينا شر الكثير من المتاهات؟ .

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة سياسي: كل أخبار السياسة بالمغرب والعالم الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.