بقلم الدكتور ادريس البوخاري


أخر تحديث : الجمعة 13 نوفمبر 2015 - 11:00 مساءً
بقلم الدكتور ادريس البوخاري

استرعى انتباهي التركيبة الجديدة لمجلس المستشارين بمقتضى الدستور الجديد لسنة 2011 ، والطريقة التي يتم توظيفها لاختيار 120 مستشار عضو بغرفة المستشارين بالبرلمان رغم عدة سيناريوهات وردت قبل دستور 2011، وترد بعض الأفكار القيمة في الفينة والأخرى. وكأن هذا المجلس، يمكن أن يكون بوجه آخر، غير هذا الوجه الذي هو عليه الآن ، وإلا ما كان أن يكون نظرا لحالات التنافي الشكلي والموضوعي والتطبيقي على المستوى السياسي والنقابي والاقتصادي والخلط بين أدوارهما وبالتالي تحصيل ازدواجية التمثيل الانتخابي من الناحية القانونية والسياسية.
بيــد أن الأمر، يمكن أن يكون، مخصصا لممثــلي العمال في المقاولات الكبرى أو المتوسطة أو الصغرى أو الأسرية الصناعيـــة والتجارية والفلاحية وغيرها وأرباب المقاولات الصناعيــة وغــيرها في إطار العددية المقيدة والطريقة المستعملــة لاكتساب العضوية في هذه المؤســسة الدستوريـــة التابعة للبرلمان حيث تكون غرفة ثانية به، بالرغــم مــن استغرابنــا من الطريقة الحالية الممــكن أن تتغــير في وقت ما للمستقــبل إن لم يكن فات الأوان أو لا زال.
و نظرا للأهمية الحيوية للمال والأعمال، بصفة دقيقة، باعتباره أعرق المواضيع المرتبطة بحياة الإنسان والأسرة والمجتمع والدولة ومنه قياس مدى تطورها، لذلك اهتمت بعض الدول بتطوير المال والعمل وكل ما يرتبط بهما من أعمال مختلفة ومنازعات مهنية وعمالية وفرقاء اجتماعيين واقتصاديين، فرادى وجماعات ونقابات، بل هناك من المهتمين من العلماء المنظرين من يقول بأنه عالم جذاب مغري بالاستقطاب متحرك بشكل دائم بديناميكية ودوافع العدل والحرية والمساواة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية.
المغرب لم يكن يعرف هذا النوع من المال والأعمال قبل الاستعمار الفرنسي في الوسط والاسباني في الجنوب والشمال
في عهد الاستعمار تكبد المغاربة صعوبات قاسية في حياتهم، فلم تكن أبواب سوق الشغل مفتوحة للمغاربة، فبالأحرى حق الملكية والحرية والمساواة، ومن حصل من المغاربة على شغل في الخفاء، لا يحق له أن يدافع عن نفسه، فلم تكن النقابات مفتوحة في وجه المغاربة، فلا يسمح لهم بالانخراط فيها، ومن انخرط لسبب من الأسباب لا يعترف له بصفته النقابية أو العمالية وهو الأمر الذي صار عليه بعض النقابيين بعد الاستقلال.
والمغاربة في زمن الاستعمار، عاشوا قسوة الظروف العملية، ولم يكن يسمح لهم بالانخراط في العمل النقابي، فكانوا يؤسسون لجنا ومجموعات أو في أحسن الظروف، تأسيس جمعيات ولا يسمح لهم بتأسيس النقابات أو الانضمام إليها ولا يعترف لهم بصفتهم النقابية.
وبعد الحرب العالمية الثانية، ظهرت بوادر جديدة لثورة صناعية هائلة في العالم، فأحدثت تغييرات جمة في حياة المجتمعات التي دخلتها الآلة الصناعية وظهرت الطبقة العمالية مع الفكر العمالي الذي عانى من جحيم الحرمان وفقدان الأمان بالإجحاف المقيت.
وبعد تحرير المغرب، عرف المغاربة، تأسيس بعض النقابات التي أقبل عليها المغاربة في بعض المدن الكبرى التي كانت تعرف المعامل والمصانع، أما الأخرى، فقد عرفت حركة عمالية في صفوف الموظفين كالمعلمين والأساتذة وبعض الأطباء والممرضين.
ولم يكن المغرب قبل الاستقلال، متوافرا على قانون الشغل، يعترف بحقوق العمال وحرياتهم النقابية وينظمها وهو الأمر الذي عاش فيه المغرب، فراغا، وخلق ثغرة عطلت التنمية بكثير من الحرمان قسوة الاستعمار، فضلا عن تنظيم الحياة العملية والعمل النقابي والاعتراف به.
فمثلا في سنة 1913، بدأت أولى التدخلات والقرارات ثم في سنة 1927 نشأت بعض النصوص المتعلقة ببعض حوادث الشغل والعطل المؤدى عنها والحد الأدنى للجور ومدة العمل وبعد استقلال بدأت تلوح في الأفق بوادر إنتاج قانون للشغل.
إن قانون الشغل هو من القوانين الحديثة والمغرب بدل قصارى الجهود للتوافر على قانون الشغل، يكون مستجيبا لتطلعات المغاربة في العمل المهني والعمل النقابي، في الوقت الذي لم يكن يتوافر إلا على مجموعة من القواعد والقرارات المكتوبة هنا وهناك أو المتناثرة هنا وهناك، وتم بعد ذلك تجميعها في قانون واحد توج بظهير شريف رقم : 1- 03-194 صادر في 14 من رجب 1424 هجرية ( 11 شتنبر 2003 ) بتنفيد القانون المنظم لمدونة الشغل.
فالعمال، ليسوا مجرد مخلوق أو آلة ميكانيكية للعمل لقاء أجر فقط، وإنما، هم أناس قبل كل شيء، يتمتعون بحقوق وحريات نقابية وغيرها، وهم مواطنون، لهم الحق في العمل والمساهمة بقدر ما يتاح لهم في التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وتوزيع الثروة والإنتاج، مع الحرص على العلاقة الإنسانية بين العامل ورب العمل في إطار الاحترام المتبادل ونتيجة مفاوضات وحوارات مستمرة لتخليق الحياة العملية والمهنية في جو يسوده التناغم والانسجام والاطمئنان والأمان على الحياة البشرية.
ومن تم تحتاج بلادنا، إلى الكثير من الحقوق والحريات العمالية، ومحاكم عمالية مهنية، على غرار المحاكم الإدارية، فضلا عن مجلس أعلى للعمال ولشغل على غرار المجلس الاقتصادي والاجتماعية وهيئات للتحكيم والمصالحة، لما تحتمله كلمة شغل من معاني متعددة قادرة على إحداث شيء ما ؟
قبل الدستور لسنة 2011، كانت الرغبة ربما أكيدة في التقليل من عدد المستشارين في الغرفة الثانية للبرلمان إلى عدد مناسب، يلائم مستوى الانتاج والمواقف والافكار، ومعها كان الاعتقاد، أن يخصص للنقابات وأرباب العمل حتى يتلائم والرغبة في تطوير العمل النقابي والمهني والوظيفي والحياة الصناعية والتجارية والفلاحية، وكافة المعاملات إلى حدود المقاولات الأسرية كمتنفس لعالم الصناعة والتجارة والفلاحة وغيرها وكافة العلاقات والمعاملات المهنية والحرفية والمالية.
إن مسلسل الانتخابات الأخيرة، التي جرت في المملكة، سواء كانت انتخابات جماعية أو جهوية أو حتى تلك التي تمت في الوظيفة العمومية وفي القطاع الخاص وتمثلتها النقابات والأحزاب السياسية وأرباب المقاولات المغربية كفاعلين، وبالرغم مما شابها من بعض العيوب والمعيقات والصعوبات لا زالت لم تتمكن الجهات المعنية من رصد ودراسة كل حالة على حدا وتمحيصها لكي نستنتج الخلاصات الضرورية.
ربما هناك من يدعي، أن هناك استخدام فارط للمال، وتحالفات حزبية سابقة للأوان، ضد بعضها وهناك من يدعي أن هناك استغلال للنفوذ، وتحايل على المواطنين واستغلال تبعيتهم لبعض الجهات دون أخرى بأهذاف انتخابية محضة، وهناك من يدعي أن السلطة، لم تكن قادرة على مسايرك المعارك الانتخابية من بدايتها إلى نهايتها، نظرا للخصاص الملحوظ على المستوى اللوجيستيكي والموارد البشرية، فضلا عن التبعية لبعض الأشخاص، ذووا الأموال أو المتورطون في تبديد المال العمومي أو استخدام البعض بعينهم لتنفيذ خطط إنجاح البعض دون البعض، أو تسميم الأجواء قبل تسميم البشر، كما وقع في مكاتب التصويت لتفويت الفرز عن ممثلي المرشحين في الانتخابات الجماعية البلدية في الخميسات وإجهاض العملية الانتخابية في النهاية برمتها.
لذلك نعتقد، أنه من المفيد، التبشير، بأن مجلس المستشارين، سيكون فعلا للنقابات وأرباب العمل فهل استعدت النقابات وتعددت المقاولات للتداول على رئاسته، بدلا من الأحزاب السياسية التي تستفيد من المشاركة في التسيير الجماعي والجهوي وحتى البرلماني. فلماذا لم تكن هذه الغرفة بنفس الاختصاصات وابتكار أخرى لتعويض النواقص في حاجات أخرى وإنتاج نصوص قانونية أكثر ثراء للترسانة القانونية والتمثيلية.

بقلم الدكتور ادريس البوخاري
خريج دارالحديث الحسنية و كلية الحقوق و كلية الآداب و العلوم الإنسانية و المعاهد شبه العلوم الطبية

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة سياسي: كل أخبار السياسة بالمغرب والعالم الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.