في ليلة رمضانية دافئة، حيث تمتزج روحانية الشهر الفضيل بنبض الكلمة وإيقاع الشعر احتضنت دار الشباب التقدم بمدينة الرباط مساء الأربعاء 11 مارس 2026 أمسية شعرية متميزة نظمها فرع الرباط التقدم لجمعية الشعلة للتربية والثقافة، في إطار فعاليات “رمضان الشعلة الثقافي”، ذلك المشروع الثقافي الذي اختار أن يفتح فضاءات اللقاء بين الفكر والإبداع، وأن يمنح للشباب فرصة الإصغاء إلى صوت الجمال وهو يتجسد في اللغة والصورة والإيقاع.
كانت الأمسية أكثر من مجرد لقاء شعري عابر لقد تحولت إلى لحظة ثقافية وإنسانية نابضة، تداخل فيها الشعر مع التأملل في معنى الثقافة ودورها في بناء الإنسان. فالشعر، كما بدا في تلك الليلة، لم يكن مجرد كلمات موزونة، بل كان فعل حضور في المجتمع، ومساءلة هادئة للواقع، ومحاولة لإعادة اكتشاف الذات الجماعية في زمن التحولات المتسارعة.
امتلأت القاعة بحضور متنوع من فعاليات ثقافية وجمعوية ومهتمين بالشأن الإبداعي، حيث اجتمع شعراء ومثقفون وفاعلون مدنيون وشباب من مختلف الاهتمامات، في مشهد يعكس حيوية الفعل الثقافي المدني بمدينة الرباط. وقد بدت الأمسية وكأنها فضاء رمزي للحوار بين الأجيال، حيث يلتقي الشعراء المبدعون مع جمهور متعطش للكلمة الصادقة، في زمن تتنازع فيه الثقافة مع ضجيج الاستهلاك السريع.
وتعاقب على منصة الإبداع عدد من الشعراء الذين قدموا نصوصا تنهل من تجارب إنسانية مختلفة، لكنها تلتقي جميعها عند سؤال الإنسان في علاقته بالوطن والذاكرة والحلم. فقد شاركت الشاعرة مليكة المعطاوي بقصائد تفيض بحس إنساني عميق، حيث استحضرت في كلماتها تفاصيل الحياة اليومية وهي تتحول إلى صور شعرية شفافة. أما الشاعرة إيمان الوطني فقد حملت نصوصها روح التأمل في قضايا الذات والهوية، في حين قدم الشاعر يوسف الموساوي قصائد تنبض بالبعد الوجداني وتستحضر إيقاع المدينة والإنسان.
ومن جهته، اختار الشاعر التيجاني الدبدوبي أن يمزج بين الحكمة الشعرية واللغة الرمزية، بينما حملت قصائد الشاعر مصطفى العبريدي نبرة فلسفية تتأمل الإنسان في علاقته بالزمن والتحولات المجتمعية. وقد أدار فقرات الأمسية الشاعر جعفر العراقي الذي نجح بأسلوبه الأدبي الهادئ في خلق جسر تواصل بين الشعراء والجمهور، محولاً الأمسية إلى حوار ثقافي مفتوح.
في العمق كانت هذه الامسيةتجسيدا لدور المجتمع المدني في حماية الفضاء الثقافي من الانكماش، وإعادة الاعتبار للفعل الثقافي باعتباره رافعة أساسية لبناء مجتمع ديمقراطي متوازن. فالثقافة، كما تؤمن بذلك جمعية الشعلة للتربية والثقافة شرطا من شروط التنمية الإنسانية، ووسيلة أساسية لتكوين وعي نقدي لدى الشباب.
وقد عرفت الأمسية حضورا لافتا لفعاليات جمعوية وثقافية مختلفة، وهو ما يدل على أن الفضاء الثقافي لا يزال يشكل نقطة التقاء بين الفاعلين المدنيين الذين يؤمنون بأن الثقافة يمكن أن تكون جسرا للحوار والتعايش والتفاعل الإيجابي داخل المجتمع. لقد بدت القاعة في تلك الليلة وكأنها مختبر صغير للعيش المشترك، حيث تتلاقى الأفكار والتجارب والتعبيرات الفنية في لحظة إنصات جماعي للكلمة.
وفي هذا السياق، يواصل فرع الرباط التقدم لجمعية الشعلة للتربية والثقافة أداء رسالته الثقافية والتربوية التي راكمها عبر عقود من العمل المدني، مؤمنا بأن الاستثمار الحقيقي يكمن في الإنسان وفي قدرته على الإبداع والتفكير والنقد. فالثقافة بالنسبة للشعلة مشروع مجتمعي يهدف إلى بناء إنسان منفتح على القيم الإنسانية الكبرى، ومتشبع بروح الحوار والتعدد.
هكذا انتهت الأمسية الشعرية، لكنها تركت في النفوس أثرا جميلا يشبه أثر القصيدة التي لا تنتهي عند آخر سطر، بل تستمر في ذاكرة القارئ. فقد غادر الحاضرون القاعة وهم يحملون شيئا من دفء الشعر،





