سفيان خيرات يكتب: انتخابات 7 أكتوبر: المآل الملتبس لدستور 2011


أخر تحديث : الثلاثاء 12 يوليو 2016 - 4:07 مساءً
سفيان خيرات يكتب: انتخابات 7 أكتوبر: المآل الملتبس لدستور 2011

سفيان خيرات

بانتهاء الولاية التشريعية الحالية يكون المغرب قد اختبر أول تحديات الإنتقال المؤسسي نحو الديموقراطية و أول امتحان للإفلات من عقال مسببات التفكك التي اجتاحت محيطه الجهوي عقب ما سمي بالربيع العربي.

لا مجال هنا للخوض في التفاصيل، على أهميتها، فهي مهمة المؤرخين.

لكن يمكننا استنتاج بعض الخلاصات السياسية باعتبارها ارهاصات و مقدمات لما سيؤول له الوضع الساسي العام بعد ٧ أكتوبر المقبل.
لقد اختار المغرب، بمباركة الجزء الأعظم من نخبه السياسية، أن يحافظ من خلال دستور فاتح بوليوز ٢٠١١ على اختصاصات واسعة للمؤسسة الملكية في مقابل توسيع صلاحيات رئيس الحكومة.

نظريا يبدو هذا الإختيار جزءا من عملية الإنتقال المعقدة نحو الديموقراطية كما هي متعارف عليها دوليا و يستجيب للقناعة المتراكمة منذ منتصف السبعينات بضرورة التدرج في إقرارها.

فلى أحد كان يعتقد أن المراجعة الدستورية ستفضي إلى إقرار الملكية البرلمانية رغم التحولات العميقة التي بدأت تعصف بالأنظمة المجاورة.
لكن من الناحية العملية سيكون لهذا الإختيار انعكاسات سياسية تعيد السؤال حول مفهوم الإنتقال إلى نقطة البداية و سنجملها في ثلاتة:
أولا. انتقال الصراع بين المجال المحفوظ و مجال سلطة التمثيل الشعبي من الإطار المؤسساتي و الدستوري المحض إلى الإطار الحزبي ثم الإنتخابي.

لا غرابة إذن في طغيان الطابع الشكلاني للصراع السياسي على طابعه الموضوعي المرتبط بالسياسات العمومية أيا كان مصدرها. و لا غرابة أيضا أن يتمحور التنافس حول الهويات السياسية و الإديولوجية و مصادر الشرعية بدل الحصيلة الإقتصادية و الإجتماعية للحكومة أو نوعية البدائل المقترحة.
ثانيا. اتساع الهوة بين بين جنينية الوعي الوطني الديموقراطي و إكراهات الرأي العام الدولي. إن جزءا كبيرا من التقارير الدولية التي تنتقد الأوضاع في المغرب هي في حقيقتها “محاكمة” لسرعة الإنتقال نحو الديموقراطية متخذة أشكالا متعددة تسمح في بعض الأحيان بتدخل قوى مناوئة للمصالح المغربية.

فالاختيار الديموقراطي الذي أقره الدستور كأحد ثوابت المملكة أضحى معيارًا لا محيد عنه في تقييم الوضع الداخلي. فالرأي العام الدولي ينظر إلى المغرب على ضوء ما أقره من أختيارات.
ثالتا. اتجاه الحقل الحزبي إلى إحداث قطيعة مع تاريخه.

إن الأطروحة القائلة بأولوية تأهيل الحقل الحزبي على الإنتقال المؤسسي و التي برزت منذ بداية العهد الجديد لازلت مهيمنة لدى الدولة في عمليات تجديد المشروعيات لمواجهة التحولات الخارجية و الداخلية.

و بطبيعة الحال يفتح هذا الأفق الباب أمام تشكل قوى مجتمعية جديدة ذات مرجعيات رمزية و إديولوجية لا تأبه بتاريخ المغرب المعاصر بكل تراكماته الإيجابية.

و إذا كان هذا النوع من القطائع محمودا بل و مطلوبا في عمليات الإنتقال الديموقراطي فإن ارتباطه بالصراع الضيق و الفوقي حول السلطة من شأنه أن يفصل الدولة عن أسسها التقليدية و يعكس الآية فيما يشبه لعبة المصعد ينتقل من خلالها منطق القطيعة إلى بنية الدولة نفسها.
وبغض النظر عن هذه الإنعكاسات المباشرة لمفهوم السلطة التنفيذية في الدستور الجديد، فإن الدراسات الراهنة ( بيير روزانفالون Pierre Rosanvallon ) تبين أن مسار تطور الأنظمة الديموقراطية البرلمانية سار في اتجاه هيمنة الجهاز التنفيذي على باقي السلط الأخرى إن لم يكن يختزلها على الرغم من استنادها النظري على البرلمان كمصدر أول لتمثيل السيادة الشعبية. فنظام التمثيل البرلماني لم يعد يسمح بإخفاء السؤال المركزي حول من يملك فعلا السلطة التنفيذية. لذلك فالثقب الذي أحدثه دستور ٢٠١١ في بنيتها مآله التوسع ارتكازا على صناديق الإقتراع. بالمقابل لم يفطن المشرع الدستوري إلى ضرورة توسيع صلاحيات المؤسسة التشريعية بالموازاة مع تقوية مؤسسة رئيس الحكومة و هو ما نعتبره خللا بنيويا في تصور عملية الإنتقال ساهم في إضعاف القوى السياسية المعارضة و فسح المجال أمام تقوية الحزب الذي تصدر نتائج اقتراع نونبر ٢٠١١.
ويبقى السؤال مطروحا:

هل من المحتم أن يفضي دستور ٢٠١١ إلى ثنائية قطبية داخل الحقل الحزبي؟ وما هي سيناريوهات ما بعد السابع من أكتوبر ؟ ثم ما يهمنا كفاعل حزبي ما موقع الاتحاد الإشتراكي ؟
للإجابة على هذه الأسئلة لا بد من العودة قليلا إلى الوراء.
منذ منتصف السبعينات بدأ الحقل السياسي المغربي يعيش ما سماه كلود بالازواي في حينه بالموت البطيء للحركة الوطنية حيث سيشكل تناوب ١٩٩٨ نقطة نهاية البراديكم الذي أُطر الحياة السياسية الوطنية منذ الإستقلال اي الصراع ما بين الدولة المركزية و أحزاب الحركة الوطنية. آنذاك وفي غياب التأثيرات الخارجية ستطفو على السطح من جديد  إرادة تكريس الطابع الرئاسي للدولة ليس فقط كما نص على ذلك دستور ١٩٩٦ ولكن بإعادة هيكلة الحقل الحزبي بما يتناسب و روح هذا الدستور.

ولقد شكل تعيين ادريس جطو وزيرا أولا عقب تشريعيات ٢٠٠٢ انطلاقة البحث عن شرعيات جديدة لمواجهة الخطر الخارجي والمتمثل في نقطتين: الوحدة الترابية و سيادة القرار الإقتصادي الوطني.

و لا داعي للتذكير أن هاتين النقطتين شكلتا على الدوام و لا زالتا بؤرة صراع المغرب مع محيطه الخارجي.
غير أن الربيع العربي سيدفع في اتجاه تحول نسبي في بنية السلطة سيصاحب وصول حزب العدالة و التنمية إلى الحكومة. لذلك فإن اتجاه الحقل الحزبي إلى نوع من الثنائية القطبية هو الترجمة الفعلية للدستور كيفما كانت نتائج اقتراع السابع من أكتوبر.

لكنها ليست قطبية مبنية على التناقض الإديولوجي أو الفرز الإجتماعي بل على صيرورة بنية الدولة. و بالتالي لن تؤسس هذه القطبية بالضرورة للتداول على السلطة كشرط للديموقراطية.

إن القراءة السريعة لنتائج الانتخابات الجماعية و الجهوية تفضي بِنَا إلى تلمس المسار العام للحقل الحزبي في المغرب في القادم من الأيام.
أولا هيمنة العدالة و التنمية أو القوى الإسلامية بشكل عام على المجال الحضري و يمنحها الأولوية في حصد الأصوات بالموازاة مع تسارع عملية الإنتقال الديموغرافي. الكل يعلم أن الدولة المركزية في معرب ما بعد الإستقلال بنت قوتها و شرعيتها بالتحالف مع الأعيان (ريمي لوفو).

غير أنها لم تنتبه إلى أن عمليتا الإنتقال الديموغرافي و تحرير الإقتصاد لم يعودا يسمحان لها بالتأثير في الحقل الإنتخابي بل حتى نمط الإقتراع المبني على التمثيلية النسبية لم يمنع العدالة و التنمية من الحصول على الأغلبية المطلقة في كبريات المدن. لذلك يمكن لسياسة الاستناد على الأعيان أن تكبح نسبيا هاته القوة أو تلك ولكن على المدى القصير فقط.
ثانيا بسط نفوذ حزب الأصالة و المعاصرة على المجالس الجهوية كآلية جديدة لضمان حضور النخب التقليدية في المجال الترابي من جهة و توفير الإمكانيات المؤسسية و المادية لها من جهة ثانية.

يمكن لهذا النفوذ أن يضمن لحزب الأصالة و المعاصرة حضورا قويا في التشريعيات المقبلة لكن مفعوله ينحصر في الأمد القصير و لا يغري الفئات المتوسطة  بالإنضمام إلى مشروعه على المديين المتوسط و البعيد.
تالثا تكريس تراجع أحزاب الحركة الوطنية  بشكل يفتح الباب أمام السؤال حول مآل مشروعها وسبل تجديده.  إن التحولات الطبيعية التي شهدها حزبي الإستقلال و الإتحاد الإشتراكي قد وضعتهما في وضعية صعبة. فمن جهة لم يعد مفهوم الشرعية التاريخية سندا لهما في مواجهة خصومهم السياسيين ومن جهة أخرى لم يرتق الصراع السياسي بعد (خاصة في حالة الاتحاد) إلى منطق للتقاطب الإديولوجي المميز لهوياتهما.
بمناسبة الانتخابات التشريعية المقبلة سنكون أمام سيناريوهين لا تالث لهما: استمرار تصدر حزب العدالة و التنمية للنتائج والسعي إلى تشكيل حكومة مع أحزاب الكتلة (أو جزء منها). أو تصدر حزب الأصالة و المعاصرة للنتائج و سعيه إلى خلق كتلة حداثية في مواجهة المد المحافظ. لا أحد يمكنه التنبؤ بما ستسفر عنه هذا الإقتراع. فمن جهة ثقل التاريخ يسند السيناريو الأخير و من جهة أخرى فإن التحولات الديموغرافية و الإقتصادية المتسارعة وكذلك نتائج الاستحقاقات الأخيرة ترجح كفة السيناريو الأول. لكن في كلتا الحالتين لن يخرج المغرب من مفارقة الانتقال بسرعتين الأولى مؤسساتية بطيئة و الثانية سياسية بسرعة أكبر.
فما موقع الاتحاد الإشتراكي؟
اختار الاتحاد الإشتراكي أن يكون في المعارضة خلال هذه الولاية التشريعية لاعتبارين اثنين. لإعادة ترتيب بيته الداخلي في أفق إعادة البناء و لأخد مسافة مع تجربة جديدة لم يكن يعرف إلى أين ستؤول. ويمكن القول أن له اليوم رؤية شبه واضحة لطبيعة تناقضات و إكراهات الحقل السياسي في المرحلة الراهنة.

ومن المؤكد أن الحزب سيعرف نقاشات وتجاذبات عميقة خلال الاستحقاقات القادمة ستتمحور من جديد حول سؤال الهوية. فالاتحاد يبقى مطوقا بتناقضين يصعب الفصل بينهما. التناقض الإديولوجي مع قوى المحافظة و التي تكثفها التجربة الحكومية الحالية و التناقض السياسي مع القوى التي تفصل بين الخيارين الحداثي و الديموقراطي.

لكن في انتظار ما ستسفر عنه نتائج ٧ أكتوبر عليه أولا أن يتبث أنه قادر على رفع التحدي السياسي و الإنتخابي وهذا هو رهان كل من انخرط في  التجربة الصعبة لما بعد المؤتمر الوطني التاسع.

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة سياسي: كل أخبار السياسة بالمغرب والعالم الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.