فنجان بدون سكر:
ويلعب الحمار دور سيارة إسعاف
– وداع سنة 2025 يجب أن يكون لحظة للمساءلة الصادقة-
بقلم : عبد الهادي بريويك
في مغرب سنة 2025، حيث تُرفع شعارات “الدولة الاجتماعية” وتضخم الأرقام حول النمو والاستثمار، ما تزال صور قاسية تشق طريقها إلى الرأي العام: مريض يُقل على ظهر حمار في قرية جبلية، امرأة حامل تقطع الكيلومترات فوق مسالك وعرة، وطفل يحمل على الأكتاف بحثا عن مستوصف لا يفتح إلا أياما معدودة.
مشاهد لا تنتمي إلى الماضي البعيد، بل إلى الحاضر، وتطرح سؤالا مؤلما: أي دولة اجتماعية هذه التي يعوض فيها الحيوان غياب سيارة الإسعاف؟
ليس الحديث هنا عن حالات معزولة أو استثناءات نادرة، بل عن واقع بنيوي تعيشه مناطق شاسعة من المغرب العميق، حيث الجغرافيا القاسية تتحالف مع الهشاشة الاجتماعية، وحيث السياسات العمومية تتباطأ كلما ابتعدنا عن المراكز الحضرية.
في هذه المناطق، لا يُقاس الزمن بالساعات، بل بالمسافات التي تفصل المواطن عن أبسط حقوقه: طريق معبدة، مركز صحي مجهز، أو سيارة إسعاف تصل في الوقت المناسب.
إن الدولة الاجتماعية، كما تُعرف في الأدبيات الحديثة، ليست مجرد برامج دعم مباشر أو مساعدات ظرفية، بل هي منظومة متكاملة تضمن العدالة المجالية وتكافؤ الفرص، وتجعل من الحق في الصحة والنقل والخدمات الأساسية حقوقا فعلية لا امتيازات جغرافية.
غير أن الواقع يكشف عن مغرب يسير بسرعتين: مغرب المدن الكبرى، حيث البنيات التحتية تتطور والخدمات تتكاثر، ومغرب القرى والجبال، حيث ما يزال المواطن يفاوض الطبيعة والدولة في آن واحد.
تحوّل الحمار إلى “سيارة إسعاف” ليس مجرد صورة صادمة، بل هو رمز لفشل التخطيط المجالي ولغياب رؤية منصفة في توزيع الموارد.
وهو أيضا شهادة على ضعف الحكامة المحلية، وعلى محدودية أثر السياسات العمومية حين لا تُصاغ انطلاقا من الواقع الميداني.
فكم من مشاريع أُعلنت، وكم من ميزانيات رُصدت، دون أن تُترجم إلى طرق سالكة أو مستشفيات قريبة؟
الأخطر من ذلك أن هذا الواقع يخلق إحساسا عميقا بالغبن، ويقوض الثقة في الخطاب الرسمي.
حين يسمع المواطن في المناطق المعزولة عن “تعميم الحماية الاجتماعية” و”إصلاح المنظومة الصحية”، ثم يجد نفسه مضطرا إلى نقل مريض على دابة، فإن الفجوة بين الخطاب والواقع تتحول إلى جرح مفتوح.
جرح لا تداويه البلاغات ولا الأرقام، بل السياسات الملموسة وحدها.
لا يمكن لمغرب 2025 التي نودعها، أن يقبل باستمرار هذا التفاوت الصارخ.
فالتنمية لا تُقاس فقط بناطحات السحاب أو بالمناطق الصناعية، بل بقدرة الدولة على الوصول إلى آخر مواطن في آخر دوار.
ولا معنى للحديث عن الكرامة الإنسانية إذا كانت مرتبطة بعنوان السكن أو بعلو الجبل وبعد الطريق.
إن وداع سنة 2025 يجب أن يكون لحظة للمساءلة الصادقة: ماذا تحقق فعليا للدولة الاجتماعية؟ ومن بقي خارجها؟ وهل نملك الشجاعة للاعتراف بأن العدالة المجالية ما تزال شعارا أكثر منها ممارسة؟ فإما أن تتحول سيارة الإسعاف إلى حق فعلي في كل ربوع الوطن، أو سنظل نعيد إنتاج المشهد نفسه، ونودع السنوات الواحدة تلو الأخرى، بينما يواصل المغرب السير بسرعتين… إحداهما تسبق الزمن، والأخرى ما تزال تنتظر الطريق.

