صيف “مثلج” في العلاقات التونسية الليبية


أخر تحديث : الأربعاء 15 يوليو 2015 - 11:37 مساءً
صيف “مثلج” في العلاقات التونسية الليبية

لم تصل العلاقات الديبلوماسية بين تونس وليبيا بعد الإطاحة بنظاميْ الطاغيتين بن علي والقذافي إلى درجة مرتفعة من البرود مثلما وصلت إليه هذه الأيام. يأتي ذلك على خلفية أحداث متسارعة وردود أفعال متشنّجة من هذا الطرف أو ذاك خاصة إثر عملية الاختطاف التي تعرّض إليها ديبلوماسيون تونسيون وعاملون بالسفارة التونسية بالعاصمة الليبية طرابلس.

هذه العملية تعزّزت بخطوة مفاجئة أقدمت عليها حكومة الحبيب الصيد في تونس تمثّلت في الشروع في بناء جدار عازل على الحدود بين البلدين تحت ذريعة التوقي من مخاطر الإرهاب ومنع تدفّق الأسلحة المهربة نحو بؤر التوتر في الأراضي التونسية خاصة بالمناطق الجبلية الوعرة على الحدود الغربية مع الجزائر.

السلطات الليبية الحاكمة في العاصمة طرابلس رأت في هذه الخطوة دفعا بالأزمة إلى أوجها ومحاولة من الحكومة التونسية لعزل ليبيا والسماح للقوى الدولية باحتلال أرضها ونهب ما تبقى من ثرواتها تحت يافطة محاربة الإرهاب.

لقد عبّرت تونس منذ أيام عن رفضها مواصلة التنسيق الديبلوماسي والتشاور السياسي المباشر مع حكومة طرابلس وهو ما دعاها إلى اتخاذ قرار بغلق قنصليتها بالعاصمة الليبية إثر انفراج أزمة اختطاف الديبلوماسيين التونسيين في حادثة تكررت أكثر من مرة وذلك ما رأت فيه الخارجية التونسية إساءة إلى هيبة دولتها.

هذا القرار امتعضت منه سلطات طرابلس حيث اعتبرته نوعا من الهروب إلى الأمام عوض البحث عن حلول خاصة أنها ترى نفسها غير مسؤولة عن عمليات الاختطاف المتكررة وقد بررت تلك العمليات بوجود أفراد خارجين عن القانون ما تزال الدولة عاجزة عن استيعابهم واحتوائهم..

ردود الأطراف السياسية الليبية على “التصعيد الديبلوماسي” التونسي كان سريعا حيث تواترت التصريحات الإعلامية لبعض أعضاء حكومة طرابلس وبعض قياديي جناحها العسكري فجر ليبيا، وهي تصريحات تمحورت حول انتقاد مواقف الخارجية التونسية واعتبارها فاشلة ديبلومسيّا. كما حمّل هؤلاء مسؤولية تغلغل الإرهاب في الأراضي الليبية من شرقها إلى غربها للدولة التونسية التي تقف –حسب رأيهم- وراء وجود مئات الإرهابيين التونسيين في ليبيا حيث يقود هؤلاء أبرز الكتائب الإرهابية في تنظيم الدولة وأخواته ويتفّذون أخطر العمليات في الأراضي الليبية خاصة في سرت ودرنة وبنغازي.

وقد تدعّمت هذه المواقف الصادرة عن حكّام الغرب الليبي بمواقف مماثلة صادرة عن “فرقائهم” حكّام المشرق حيث ذهب وزير الإعلام في حكومة طبرق إلى القول إنّ تونس هي المصدّر الأوّل للإرهابيين في اتجاه ليبيا، وكشف هذا المسؤول عن وجود أعداد كبيرة للمتهمين بارتكاب عمليات إرهابية أو الانخراط في شبكات إرهابية داخل السجون الليبية وهو ما يجعل الدولة التونسية –في اعتقاده- المسؤولة الأولى عن الإرهاب في ليبيا. في الإبّان، وفي غمرة هذه الاتهامات المتبادلة والتصعيد الديبلوماسي الخطير من الجانبين، شرعت الحكومة التونسية في تنفيذ قرارها المتعلّق بتشييد جدار عازل على الحدود مع ليبيا البالغة حوالي 165 كلم ممتدّة من برج الخضراء في عمق الجنوب إلى المعبر الحدودي راس جدير بمدينة بنقردان.

حكومة الصيد برّرت إجراءها كما بمنع تسرّب الإرهابيين من الجانب الليبي والتصدّي لخطر تهريب الأسلحة خاصة بعد أن أثبتت تقارير أمنية استخباراتية تسرّب كميات من السلاح المستعمل في بعض العمليات الإرهابية انطلاقا من التراب الليبي، كما كشفت هذه التقارير قدوم عدد من الإرهابيين انطلاقا من ليبيا بعد تلقيهم تدريبات هناك على تنفيذ العمليات الإرهابية. الجدار العازل أثار استياء السلطات الليبية في العاصمة طرابلس إذ اعتبرته ضربا في الصميم للعلاقات بين البلدين التي اتسمت دوما بعراقتها وعدم تأثّرها بأية عوامل أو طوارئ أو إملاءات خارجية مهما يكن نوعها باستثناء الأزمة السياسية العابرة في منتصف ثمانينات القرن الماضي. هذه السلطات وصفت بناء الجدار العازل بالعمل الاستفزازي لليبيين في الوقت الذي كان فيه على الحكومة التونسية بحث السبل المشتركة والفعّالة للقضاء على الإرهاب في كامل المنطقة المغاربية.

جماعة فجر ليبيا، بدورها، وهي الذراع العسكري لحكومة طرابلس أعلنت أن الحكومة التونسية اخترقت القوانين الدولية واعتبرت أنه لا يحق لتونس ترسيم الحدود من جانب واحد وطالبت، على خلفية ذلك، بوقف الجدار العازل وهدّدت بالتدخل وفق الشكل الذي يناسبها لحماية الأراضي الليبية. من جهتها، وكردّ فعل على هذه التهديدات المنقولة إليها عبر وسائل إعلام مختلفة، اعتبرت رئاسة الجمهورية في تونس أنها لم تخترق أية قوانين دولية ببنائها “الجدار الترابي العازل” وقالت عبر ناطقها الرسمي إنها لم تتلقّ أيّ احتجاج رسمي من “السلطات الليبية” في ما يتعلق بالجدار العازل بين البلدين ولم يوضّح الناطق الرسمي هوية المقصود بالسلطات الليبية لكن الواضح أنه لا يعني بكلامه غير حكومة عبد الله الثني في طبرق باعتبار أنّ حكومة الغويل في طرابلس غير معترف بها على المستوى الرسمي في تونس. لعبة الشدّ والجذب بين حكومتي الصيد في تونس والغويل في طرابلس مرشّحة أن تكون بأكثر قوّة خلال الفترة القادمة في ظلّ اتباع كلا الطرفين لأسلوب “الحوار الصامت” الذي يمرّ عبر قنوات غير رسمية ممثّلة بأطراف داخلية في البلدين أو خارجية تتدخّل من حين إلى آخر لنقل وجهات النظر إلى هذا الجانب أو ذاك وهو ما لم تعرفه العلاقات التونسية الليبية من قبل سواء ما قبل الثورة على نظامي بن علي والقذافي أو بعدها.

ما هو ثابت أن عمق علاقة البلدين وارتباطهما الجغرافي والتاريخي ومصالح كليهما في الحاضر والمستقبل لا تحتمل مطلقا هذا البرود الديبلوماسي غير المسبوق وهذا الشدّ والجذب وهو ما يرجّح إمكانية تغلّب المنطق السياسي لتفتيت كرة الثلج وإعادة العلاقات إلى وهجها ولكن قد لا يحصل ذلك إلاّ بحدوث تعديلات في تركيبة حكومة الصيد في تونس وبالبدء الفعلي في حصد ثمار الحوار الليبي-الليبي

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة سياسي: كل أخبار السياسة بالمغرب والعالم الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.