في نقد التطرف الجنسي….ردا على الريسوني ومن معه


أخر تحديث : الأربعاء 24 أغسطس 2016 - 3:00 مساءً
في نقد التطرف الجنسي….ردا على الريسوني ومن معه

الدكتور عبد الصمد الديالمي، عالم اجتماع، 

 في نقد التطرف الجنسي

رد على الريسوني  ومن معه

قبل ثلاثة أيام، طلب مني صحافي من مجلة “نيشان” رأيي في ما كتبه الريسوني عن “مقالتي” “معركة جنسية بين الشباب المتفجر وفقهاء القانون في المغرب”. لم أفهم سؤاله لأنه لم يكن لي علم بما كتبه الريسوني ولأني لمأنشر قط مقالة بهذا العنوان. فطلبت منه مهلة للتقصي قبل الجواب.

بعد البحث في شبكة الأنترنيت، اكتشفت أن المقال الذي انتقده الريسوني سبق لي فعلا أن نشرته أول مرة في جريدة “الأحداث المغربية” يوم 19 يناير 2007 تحت عنوان “المعركة الجنسية الراهنة أو إرادة العلمنة” الصامتة”. ثم نشرته مرة ثانية بشكل مقتضب على موقع “الأوان”، وهو موقع “رابطة العقلانيين العرب”، تحت عنوان “في الانتقال الجنسي”، وذلك يوم 24 أبريل 2008. ونشرته مرة ثالثة تحت عنوان “الانتقال الجنسي أو إرادة العلمنة الصامتة” في كتابي الأخير “سوسيولوجيا الجنسانية العربية” (بيروت، دار الطليعة، 2009).

وعلمت من خلال الريسوني أن بعض المواقع الإلكترونية الأخرى، من بينها مواقع مثلية، تلقفت المقال ونشرته بعد أن غيرت عنوانه الذي أصبح “معركة جنسية بين الشباب المتفجر وفقهاء القانون في المغرب”. تم ذلك دون علمي ودون مشاورتي. لا أدري هل لتلك المواقع الحق في ذلك، خصوصا وأني أرفض رفضا قاطعا عنوانه الجديد، المخطئ والمستفز، والذي أثار نقاشا مجانيا لا دخل لي فيه. على كل حال، فهمت أن الريسوني والإسلامويين قرؤوا مقالي في المواقع المثلية، مما زاد من رفضهم له. وكما هو منتظر من فقيه إسلاموي، خلت التعليقات من اللياقة ولأدب ومن كل بعد علمي أو فكري، ووظفت كعادتها أسلحتها المعهودة من شخصنة واستفزاز وتبخيس وتجريح واتهام وترهيب. ورغم أني اقتنعت منذ سنة 2000 بأن النقاش العلمي الموضوعي مع الإسلامويين نقاش شبه مستحيل، فليسمح لي السيد الريسوني بتنويره بالملاحظات السريعة التالية.

يجب التمييز في مقالي بين ثلاث مقاربات:

– في المقاربة الأولى، قمت بوصف أبعاد ما أسميته بالانفجار الجنسي في المغرب انطلاقا من تلخيص لأعمالي الميدانية التي استمرت أكثر من خمس وثلاثين سنة، وهي أعمال عالم اجتماع مغربي متخصص في تشخيص الظاهرة الجنسية. وبإجماع المنتقدين الآخرين للمقال، كان الوصف موضوعيا رغم توصياته.

– في المقاربة الثانية، صغت مفهوم “الانتقال الجنسي” كنظرية تفسر الانفجار الجنسي الحاصل في المغرب، وهي صياغة أصيلة غير مسبوقة. ورفضت النظرية الإسلاموية التي تنظر إليه كخلل وكتفكك. فعلت ذلك بصفتي عالم اجتماع لا يقف عند البحث الميداني بل يحاول بكل تواضع الارتقاء إلى المفهوم وإلى التنظير.

– في المقاربة الثالثة، ارتأيت أنه من الضروري تكييف بعض القوانين الجاري بها العمل (في موضوع الجنس) مع تطور السلوكات والقيم الجنسية المغربية الجديدة، والتي تسير في اتجاه قيم الحداثة والمساواة. فالقوانين المعمول بها في كل مجتمع موضوع صراع ومساومة بين القوى الاجتماعية المحافظة والتقدمية، وتتغير حسب الأزمنة والأمكنة، وحسب المصالح. وسؤالي في هذا الصدد هو التالي: ما جدوى قوانين يخرقها الكثير من المغاربة يوميا؟ هل يتم خرقها لأنها غير واقعية؟ أم لأنها لا تستجيب للحاجيات الجديدة للمغربي الجديد؟

في هذا المقاربة الثالثة، كتبت بصفتي مثقفا ملتزما بحقوق الإنسان كامتداد للإسلام وكتجسيد حداثي له، وهذه أطروحتي التي فصلت فيها القول في أعمال أخرى. وكتبت بصفتي مواطنا مغربيا وليس لأنني مواطن فرنسي يشعر بطمأنينة بفضل ذلك، رغم أني مدين لفرنسا مدى الحياة بإنقاذي من تهديدات الإسلامويين في صنعاء سنة 1999. أفكر وأكتب في هذا الاتجاه منذ أن بدأت التدريس سنة 1971، أي 16 سنة قبل الحصول على الجنسية الفرنسية. إنني أفعل ذلك باسم مبدأ، مبدأ المساواة الجنسية بين كل الفاعلين الجنسيين. وهي المساواة التي أتمنى أن تتحقق يوما في القوانين المغربية، لأنها مبدأ إسلام حداثي استراتيجي.

إن ردة فعل الفقيه أحمد الريسوني أمر طبيعي لأن جهازه المفاهيمي محدد ومحدود بضيق الإيديولوجيا الإسلاموية التي لا تسمح له بتصور منطق أشياء كثيرة، من بينها مثلا القدرة على التمييز بين علاقة جنسية قبل زوجية متراضية بين شاب وشابة عازبين من جهة وبين السرقة أو الرشوة من جهة أخرى. لا شك في أن السرقة والرشوة مرفوضتان بالإجماع من طرف الأديان ومن طرف الأخلاق الوضعية المدنية. أما العلاقة الجنسية قبل الزوجية المتراضية، فالأخلاق المدنية ترى فيها أحد حقوق الإنسان الأساسية وأحد تجليات الحريات الفردية، وترى فيها علاقة نبيلة خالية من كل عنف ومن كل نفاق. وهذا أفق يتعذر على الريسوني تصوره، فبالأحرى تقبله. في نفس السياق، أصبح مفهوم الشذوذ نفسه لا ينسحب سوى على العلاقة الجنسية العنيفة أو العلاقة الجنسية بين الطفل والراشد. أما العلاقة الجنسية المتراضية بين راشدين، سواء كانا من جنس مختلف أو من نفس الجنس، فأصبحت في المنتظم الدولي علاقة سوية وشرعية في ذاتها وبذاتها. طبعا، من حق الفرد الذي له قراءة محافظة للدين أن يرفض شرعية تلك العلاقات وألا يمارسها في حياته الشخصية الخاصة، لكن ليس من حقه أن يفرض رفضه على الآخرين. فالقانون يحمي حق ممارسي تلك العلاقات وحق رافضيها في آن واحد لأنها علاقات تخص الحياة الحميمية الخاصة لكل مواطن ومواطنة.

 ومن الأشياء الأخرى التي لا يعرفها الريسوني أيضا أنه لا تناقض بين علمنة القوانين من جهة وبين الإسلام والإيمان من جهة أخرى. من أمثلة العلمنة في القانون المغربي ما يلي:

 – منع الاسترقاق وامتلاك الرجل لعدد غير محدود من الجواري الحسان لأغراض جنسية.

-عدم العمل بقطع يد السارق والسارقة.

-عدم جلد الزاني غير المحصن وعدم الاحتفاظ بهذه المصطلحات.

– عدم رجم الزاني غير المحصن وعدم الاحتفاظ بهذه المصطلحات.

-عدم قتل فاعل ما فعله قوم لوط (عليه السلام) وعدم الاحتفاظ بهذا المصطلح.

-عدم الاحتفاظ بمقولة النكاح.

– عدم الاحتفاظ بطاعة الزوجة للزوج.

– التسوية بين الزوجين في رعاية الأسرة.

– إثبات الأبوة أثناء الخطوبة بوسائل علمية حديثة وشرعنتها.

– عدم تجريم تغيير العقيدة وعدم الاحتفاظ بمقولة الردة.

– ضمان الحرية الدينية دستوريا.

 

من الممكن اعتبار هذه القوانين ثمرة اجتهاد رغم وجود النص، ومن الممكن أيضا اعتبارها علمنة جزئية. فهي علمنة لمعاملات، علمنة لا تتنافى لا مع إسلام المغاربة ولا مع دستورية الإسلام (كدين دولة) ولا مع مؤسسة إمارة المؤمنين (المستنيرة).  من هنا، يتبين كيف أن الإسلام لا يتنافى مع علمنة القوانين الجنسية والأسرية. إنه الشيء الذي بات أمرا ينبغي تفسيره وتبسيطه إلى كل المغاربة حتى تنتهي القوى الرجعية من استغلال الإسلام سياسيا في اتجاه رجعي. من هنا بدأ إصلاح (حقل) الدين. ومن هنا ينبغي أن يستمر. إن التوافق بين الإسلام والعلمنة القانونية أمر بديهي وضرورة تاريخية حتمية. أما الإسلامويون”، فيتجنبون تلك البداهة وتلك الضرورة ويتعمدون تعريف العلمانية كإلحاد من أجل الاستيلاء على السلطة السياسية باسم الإسلام وإقامة دولة ديكتاتورية باسم الإسلام. إن الإسلام الحق براء من ذلك. في هذا الصدد، ليرجع الريسوني إلى مقالتي “نحو إسلام علماني”، المنشورة سنة 1998 (في جريدة “الأحداث المغربية”)، والتي أعيد نشرها في كتابي “نحو ديمقراطية جنسية إسلامية” (سنة 2000) لكي يتسع صدره وأفقه الفكري.

وأختم هذا الرد بالقول بأن العلمانية تشكل الإطار الوحيد الذي يتأكد بفضله الكل من أن إسلام المواطن تدين صادق غير مكره، تدين لوجه الله (وحده)… كما يجب…  إسلام في صالح مواطَنة حقة لا تميز بين خلائق الله… إسلام التسامح الذي أنشد إليه…

مقالة نشرت في 2009

كلمات دليلية

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة سياسي: كل أخبار السياسة بالمغرب والعالم الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.