كيف توظف صحة الحامل لتحرير الإجهاض


أخر تحديث : الإثنين 6 أبريل 2015 - 1:56 مساءً
كيف توظف صحة الحامل لتحرير الإجهاض

البروفيسور خالد فتحي

مستشفى الولادة السويسي الرباط

لا يختلف اثنان على أن الإجهاض مباح دائما إذا ما كان استمرار الحمل يهدد حياة أو صحة الحامل.

يتفق في ذلك دعاة الاجهاض و الرافضون لتحريره، الأطباء و الفقهاء، رجال السياسة و رجال القانون، و المحافظون و الحداثيون، بل يمكن القول أن هذه القناعة تستولي على كل الناس مهما اختلفت مشاربهم الفكرية و تباينت توجهاتهم في الحياة.

لكن، و رغم أن هذه النقطة تبدو بمثابة الإجماع الوحيد الذي يتجلى للعيان في نقطة حساسة كتقنين الإجهاض، إلا أنه مع ذلك يظل إجماعا هشا و ظاهريا فقط، إجماعا لا يصمد كثيرا أمام تقلبات النقاش    وما أكثرها، وينهار تماما بمجرد ما نبحث و نوغل في التفاصيل، و قديما قالوا أن الشيطان يكمن في التفاصيل . ذلك أنه لكلا الجانبين مفهومه لصحة الحامل و لكلاهما مراميه، التي يوظف من أجلها هذا المفهوم. فعندما نختلف في النوايا، نختلف في المغزى من المفهوم الواحد.

و هكذا يصر المناصرون لتقنين الإجهاض على أنه ينبغي في هذه القضية اعتماد مفهوم و تعريف منظمة الصحة العالمية لمعطى الصحة، حيث تكون الصحة حسب هذا التعريف، حالة من العافية الكاملة البدنية والنفسية و العقلية و الاجتماعية، و ليست فقط حالة انتفاء للمرض أو للعجز. و هكذا يسرفون في التوسع في عدد الحالات التي تستوجب الإجهاض بسبب تهديد حياة أو صحة الحامل، حين يلحون كثيرا على مفهومي العافية النفسية و الاجتماعية. فإذا صرحت الحامل بأنها غير مستعدة نفسيا للحمل لأنها لم تقم ببرمجته مثلا، أو لأن سنها متقدم قد فاق 45 سنة و لا تستطيع أن تتحمل نفسيا نظرات أولادها أو أحفادها لبطنها المنتفخ، يصبح من الملائم و من القانوني إجهاضها ، إلى غير ذلك من الأمثلة و الأعذار الواهية، كما أن الصحة الاجتماعية تعني أن كل جنين يحل برحم أمه عندما تكون هي غير جاهزة اجتماعيا لاستقباله يصبح مهددا بالإجهاض، و بمباركة القانون، كأن تكون المرأة حديثة عهد بالشغل و لا زالت    في طور التدريب، أو تكون منكبة على إتمام دراستها العليا، و لا قدرة اجتماعية لها على تحمل أعباء الحمل و الدراسة، أو قد تكون وضعية الزوجين المادية غير مريحة جراء قرض للسكن أو السيارة، ولا اعتمادات إضافية يمكن رصدها للمولود الجديد… إلى غير ذلك من الظروف التي لا عد لها و لا حصر، والتي يختلف تقييم حدتها من حامل إلى حامل و من أسرة لأسرة.

و لعله من الواضح جدا أن تطبيق مثل هذه المفاهيم الفضفاضة سيجعلنا بكل بساطة أمام تحرير مقنع للإجهاض ولكل النساء. فمع التعريف العالمي للصحة يتوهم دعاة الإجهاض أنهم يضعون مناصري حق الجنين في الحياة في مأزق كبير، إذن كيف لهم أن ينكروا على منظمة الصحة العالمية تعريفها للصحة؟    و كيف لهم أن يقنعوا النساء بالخصوص بعدم التسرع في إجهاض هذه الحالات دون أن يتهموا بأنهم خارج منطق العصر، و أنهم يجازفون بصحة المرأة في سبيل إرضاء مرجعتيهم أيا كانت طبيعتها فلسفية أو أخلاقية أو دينية؟. وهكذا يقتنع دعاة الإجهاض بأن توظيف صحة الحامل كاف وحده لتحرير الإجهاض دون أن يخشوا ممانعة من أحد. و مع ذلك فان الأمور ليست بهذه السهولة التي قد يتخيلها دعاة الإجهاض هؤلاء، ذلك أنهم لا يفصحون عن كل الحقيقة، بل يقولون كلمة باطل يريدون بها باطلا. فالحمل لا يندرج أبذا ضمن مفهوم العافية و الصحة الكاملة. الحمل ليس صحة تامة و ليس مرضا. هو بين الصحة والمرض منزلة بين المنزلتين، فكيف نطبق عليه مفهوم منظمة الصحة العالمية، ان الحمل كما يعرف الأطباء و كما يعرف الجميع يفرض أعباء اضافية على جسد المرأة و ترافقه متغيرات هرمونية و نفسية و مزاجية معروفة منذ قديم الزمن، من منا لا يلاحظ التغيرات العاطفية و الانفعالية المفاجئة المرافقة للحمل، و من منا ينكر اختلاط المشاعر و تقلب المزاج والاضطرابات المتعلقة بالحمل لدى الحامل، و الوسواس التي تراود الأم حول سلامة الجنين، و قلقها و توترها المفرط أحيانا بدون سبب، ناهيك عن أعراض الغثيان و زيادة حساسية الثديين، و التعب و الاعياء و تورم القدمين، و تقلصات العضلات، و الامساك، وظهور الدوالي، الى غير ذلك من المشاكل الصحية التي تختفي كلها بانتهاء الحمل، و من منا لا يعرف أن الحمل يفرض أعباء اجتماعية ليس بالنسبة للحامل فقط، بل للأب و للأسرة الصغيرة تخص استقبال المولود الجديد و العناية به.

و لذلك و انصافا للحقيقة و للحامل و الجنين، يجب أن نستثني الحمل عندما نتحدث عن مفهوم الصحة التامة و المعافاة التامة، اذ لا يمكن تصور الحمل دون أعباء عضوية و نفسية و اجتماعية، هو هكذا بطبيعته ليس صحة تامة و هذا ما أشار اليه الله سبحانه و تعالى في كتابه الكريم بقوله : و وصينا الانسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن و فصاله في عامين.

فهل اذا تبرمت – و ما أكثر ما تتبرم النساء من الحمل – المرأة من حملها لأنه أوهنها بعض الشيء يمكن اجهاضها ؟ انه اذا أطلقنا العنان لمثل هذه المفاهيم الفضفاضة سنكون بكل بساطة أمام التحرير الكامل للإجهاض المنفلت من أي قيد أو شرط.

ما يتجاهله دعاة الإجهاض هو أن التضحية بالجنين في سبيل حياة المرأة لا يقبل عليه الأطباء النزهاء الا على مضض، باعتباره يدخل ضمن أن اخر الدواء الكي. و باعتباره الخيار الوحيد لإنقاذ الأم، و أنه لا يتم اللجوء اليه الا بعد التروي و التشاور و الا بعد التيقن بأن الحمل يشكل خطرا داهما و حقيقيا على صحة المرأة   و ليس خطرا مفترضا، ذلك أنه في هذه الحالة يكون مبدأ العلاج مقلوبا، ذلك أن العلاج يستهدف دائما الشخص المصاب واستئصال العضو المصاب، بينما يستهدف في هذه الحالة الجنين الذي غالبا ما يكون سليما معافى لإنقاذ الأم، و لذلك فان الطبيب يوجد دائما بين المطرقة و السندان في مثل هذه الحالات، اذ عليه دائما أن يوفق بين مصلحة الأم الحامل وأن يحافظ على حياتها و بين مصلحة الجنين في أن يولد سليما معافى، و يتخذ القرار بوازع من ضميره، كذلك فان الطبيب هو الجدار الأخير الذي يحمي الجنين، فعليه دائما أن يرفض الإجهاض لأسباب و أعذار واهية اجتماعية كانت أو نفسية و حتى عضوية في بعض الحالات، و أن يميز بين الحالات، و أن يرافع لصالح الجنين دائما، و لو في وجه أمه اذا لم يقتنع بدوافعها   و أن لا يستهين أو يستهتر بالحق في الحياة، بأن يهون أمام عينيها فعل الاجهاض أو يزينه لها.

و عليه أن يتذكر دائما أن الاجهاض لا يكون الا لأسباب جدية تتعلق بصحة الأم فقط، و أن الكثير من الشعارات البراقة تخفي مخططا مبيتا لتحرير الإجهاض، و أن توظيف بعض المفاهيم و لو كانت طبية يكون بخلفية إيديولوجية غير علمية لدى دعاة الاجهاض، و توظيفهم المغرض في هذه القضية للتعريف العالمي للصحة خير دليل على تهافت أطروحتهم و عدم تماسكها.

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة سياسي: كل أخبار السياسة بالمغرب والعالم الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.