نظم فرع الرباط التقدم لجمعية الشعلة للتربية والثقافة بتعاون مع إدارة دار الشباب التقدم بالرباط احتفالية خاصة بمناسبة اليوم العالمي للطفل، يوم الخميس 20 نونبر 2025 وذلك في إطار رؤية تربوية واضحة تجعل من حقوق الطفل محورا ساسيا في عمل الجمعية ورسالتها التثقيفية عبر عقود حيث كان هذا الموعد التربوي مناسبة لتجديد التزام الشعلة تجاه الطفولة المغربية والتأكيد على ضرورة إدماج ثقافة حقوق الطفل في الممارسات اليومية داخل المؤسسات التربوية، وفي وعي الأطفال أنفسهم، باعتبارهم شركاء في بناء عالم أكثر عدلا وإنصافا. وقد افتتحت فعاليات الحفل بكلمة للمندوب الفرع الأستاذ عثمان العزوزي الذي عبر عن اعتزاز فرع الرباط التقدم بتنظيم هذا الحدث السنوي المهم، مؤكدا أن اليوم العالمي للطفل يعد محطة سنوية لتقييم مدى تقدم المجتمع في احترامه لحقوق الأطفال وإعادة طرح الأسئلة حول المسؤولية التربوية والثقافية والاجتماعية تجاه الأجيال الصاعدة
وقال العزوزي في كلمته إن جمعية الشعلة التي راكمت خمسين سنة من العمل الميداني مع الأطفال والشباب، جعلت من الدفاع عن حقوق الطفل جزءا من هويتها ورسالتها، لأن الطفل الذي يربى على الحرية والكرامة والعيش المشترك والمشاركة المواطنة هو المواطن الذي سيبني غدا مجتمعا متوازنا ومتقدما.
وأضاف أن الفرع يسعى باستمرار إلى تحويل هذه المبادئ من مجرد شعارات إلى ممارسات تربوية فعلية، عبر الأنشطة الثقافية والفنية والتعبيرية التي تمنح للطفل صوتا ومساحة للحلم وقدرة على التعبير عن ذاته دون خوف.
وأكد العزوزي أن الاحتفال باليوم العالمي للطفل هو احتفال أيضا بالأطر التربوية و الإدارية التي تؤمنون بأن التربية اساس بناء شخصية وعي الطفولة المغربية في المؤسسات التعليمية و الجمعيات التربوية و دور الشباب و …وأن حماية الطفل ليست فقط قانونا يقر الحقوق و ينفد الجزاء .. بقدر ماهي ثقافة وسلوك يومي داخل الأسرة والمدرسة والجمعية.
بعده قدم مدير دار الشباب التقدم الأستاذ رضوان بنكراب، كلمة أكد فيها أن دار الشباب باعتبارها مؤسسة للتنشئة الاجتماعية كانت دائما و ستظل فضاء مفتوحا أمام الأطفال حاضنة لاحلامهم و طموحهم وأن احتضانها لهذا النشاط يدخل في صلب رسالتها التي تقوم على دعم تربية الطفل وتنمية قدراته الفكرية والفنية وتعزيز مشاركته في الحياة الثقافية.
واعتبر بنكراب أن اليوم العالمي للطفل هو مناسبة لإعادة التفكير في موقع الطفل داخل السياسات العمومية وفي الممارسة التربوية داخل المؤسسات، معتبرا أن توفير فضاءات آمنة للتعلم واللعب والفرح والإبداع هو خطوة أساسية لضمان الرفاهية النفسية والاجتماعية و تنمية المهارات الحياتية للأطفال. وأضاف أن دار الشباب التقدم ستظل شريكا دائما لجمعية الشعلة وجميع الهيئات التي تعمل على النهوض بحقوق الطفل، لأنها تؤمن بأن التربية المبكرة على حقوق الإنسان هي أساس بناء مجتمع يحترم كرامة الجميع.
وقد انطلقت الفعاليات بعرض كرنفال طفولي بهيج شارك فيه عشرات الأطفال واليافعين، حيث جابوا فضاء دار الشباب حاملين يافطات وملصقات متنوعة كتبوا عليها شعارات حول حقوق الطفل كما تنص عليها الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل: الحق في التعليم، الحق في الحماية، الحق في الصحة، الحق في اللعب، الحق في الهوية، الحق في التعبير، الحق في المشاركة، وغيرها. كان المشهد احتفاليا بامتياز، حيث ارتدى الأطفال أزياء ملونة، ورفعوا شعاراتهم بفرح وثقة، وبدت ملامح الوعي المبكر بحقوقهم واضحة في طريقة مشيهم، في عيونهم البريئة، وفي إحساسهم بأنهم ليسوا فقط “أطفالاً” بل مواطنون صغار لهم مكانهم وصوتهم. وقد خلق هذا الكرنفال جواً من الحيوية داخل الفضاء، ومنح النشاط طابعا جماهيريا جميلا حيث تفاعل الآباء والأمهات والحضور مع الأطفال وشجعوهم على المضي قدما في فهم حقوقهم والدفاع عنها.
وبعد انتهاء الكرنفال، استمتع الأطفال بعرض فيلم سينمائي تربوي حول حقوق الطفل، يبرز في قالب بصري سلس كيف يمكن للأطفال في العالم أن يعيشوا طفولتهم بشكل أفضل عندما يحترم حقهم في الحماية والتعليم والصحة والمشاركة. وقد نجح الفيلم في تبسيط المفاهيم القانونية والحقوقية للأطفال، وربطها بحكايات وشخصيات قريبة منهم، مما جعلهم يتابعون العرض باهتمام كبير، ويطرحون في نهايته أسئلة ذكية وملاحظات حول الفرق بين واقع الأطفال في الفيلم وواقع الأطفال في محيطهم، مما فتح نقاشا تربويا أثراه المؤطرون بأسلوب مبسط دون إغراق، ليتمكن كل طفل من استيعاب معنى الحق والواجب داخل منظومة حقوق الإنسان.
ثم قدم أطفال الفرع عرضا مسرحيا مميزا يجسد الحقوق الأساسية للطفل كما وردت في الاتفاقية الدولية، حيث جسد الممثلون الصغار مشاهد تتعلق بحق الطفل في التعليم، وفي الحماية من العنف، وفي العيش داخل أسرة، وفي الرعاية الصحية، وفي الترفيه. وقد أبدع الأطفال في أداء أدوارهم، معتمدين على لغة بسيطة وملامح تعبيرية قوية، جعلت المتفرجين يستوعبون الرسالة العميقة للنشاط: أن حقوق الطفل ليست رفاهية، وليست منة من أحد، بل هي حقوق أصيلة يجب على الجميع الدفاع عنها. وكان هذا العمل المسرحي من بين أقوى لحظات الحفل، لأنه منح الأطفال فرصة التعبير عن رؤيتهم للعالم، وعزز قيم الثقة بالنفس، وخلق لديهم إحساسا بأنهم جزء من قضية كبرى اسمها “حقوق الطفل”.
وقد تخللت الفعالية وصلات من الأغاني والأناشيد التي أدتها مجموعات من الأطفال بنبرة احتفالية صادقة، حيث صدحت حناجرهم بأغان تمجد الطفولة وتدعو لحمايتها، وتعزز قيم التعايش والمحبة، وتذكر بالحق في اللعب والضحك والانطلاق. وقد تفاعل الجمهور مع هذه الأغاني التي أضفت على الحفل لمسة وجدانية جعلت الجميع يشعر بأن صوت الطفل يجب أن يكون مسموعاً دائما، وأن التربية الحقوقية ليست فقط دروسا بل هي أيضا أغنية ورقصة وابتسامة. كما قدم الأطفال لوحات تعبيرية ممتعة، اعتمدوا فيها على الحركات الرمزية للتعبير عن مفاهيم مثل الحماية، المساواة، السلام، الحق في الهوية، والحق في الحياة السعيدة. وقد أصابت هذه اللوحات الهدف لأنها خاطبت المشاهد بالجسد والصورة، لا بالكلمات فقط، مما سمح للأطفال بإعادة اكتشاف طرق جديدة للتعبير عن ذاتهم وعن حقوقهم.
واستكمالا للجانب الفني، احتضنت القاعة ورشة الرسم حول حقوق الطفل، حيث جلس العشرات من الأطفال حول طاولات ممتدة، وشرعوا في رسم أحلامهم وحقوقهم بالألوان والأشكال: طفل يحمل كتابا يرمز للحق في التعليم، آخر يلعب في حديقة، طفلة ترسم أسرتها، آخر يرسم الطبيبة التي ترعاه، وآخر يرسم يدا كبيرة تحمي طفلا صغيرا من الخوف. كانت الورشة لحظة بيداغوجية بامتياز، لأن الرسم جعل الأطفال يعبرون عن رؤيتهم الخاصة لمفهوم الحق، بأسلوبهم الفطري العميق. وقد أشرف المؤطرون على توجيههم دون التدخل في إبداعهم، تاركين لهم حرية كاملة في اختيار الألوان والأفكار، ما جعل اللوحات تختلف من طفل لآخر، وتعكس الفهم المتنوع لمعنى “حقوق الطفل” في عقولهم الصغيرة.
ومع اقتراب نهاية النشاط، بدا واضحا أن فرع الرباط التقدم نجح في تحويل اليوم العالمي للطفل من مجرد مناسبة احتفالية إلى تجربة تربوية متكاملة تجمع بين الفن، والحقوق، والخيال، والفرح، والمشاركة الفعلية للأطفال. فقد كانت كل لحظة في الحفل رسالة بحد ذاتها: الطفل ليس فقط موضوع التربية، بل فاعل فيها؛ وأن حقوقه ليست نصوصا على الورق، بل حياة يجب أن يعيشها بكرامة وحرية وفرح. وقد غادر الأطفال دار الشباب التقدم وهم يحملون رسوماتهم، ويعيدون في مخيلتهم مشاهد المسرح والأغاني والكرنفال، ويشعرون بأنهم ليسوا فقط “حاضرا” بل “مستقبلا” سيحمل قيم المواطنة والحرية والعدالة.
بهذه الاحتفالية المبهرة، أعادت جمعية الشعلة، عبر فرع الرباط التقدم، التأكيد على أن الدفاع عن حقوق الطفل يبدأ من الثقافة اليومية، ومن التربية على الحرية، ومن منح الأطفال فضاءات نقية ليحلموا، ويعبروا، ويبدعوا، ويتعلموا أن العالم أفضل عندما يحترم الطفل، وعندما يكون صوته جزءا من القرار التربوي والثقافي. لقد جسد هذا اليوم العالمي للطفل درسا واضحا: الشعلة لا تضيء فقط الماضي، بل تنير طريق المستقبل عبر الطفولة.






