مستخدم بالمكتب الوطني المغربي للسياحة بموسكو يطعن في قرار نقله إلى الرباط بعد رفضه التأشير على صفقة تهم المال العام

• قرار النقل تم بخلفية عقابية غير منسجم مع قواعد المسطرة التأديبية أو المصلحة العامة

• إدارية الرباط تؤكد أن قرار التنقيل يهدف إلى التضييق على الطاعن *
جريدة العلم : الأربعاء 12 شتنبر 2018
عالجت المحكمة الإدارية بالرباط ملفا يهم طاعنا كان يعمل بمندوبية المكتب الوطني المغربي للسياحة بدولة موسكو كمحاسب عمومي (آمر بالصرف) ابتداءا من 1 أبريل 2010 إلا أنه في 13 فبراير 2017 صدر قرار يقضي بنقله إلى المصالح المركزية بالرباط، بدون أي تعليل أو احترام للمقتضيات القانونية، بل إن الطاعن يؤكد بأن القرار المشوب بعيب السبب والانحراف في استعمال السلطة يرجع لرفضه التوقيع على وثائق تتعلق بصرف المال العام بدعوى أنها غير قانونية، تبعا لما ورد في دعوى تقدم بها المعني بالأمر بواسطة دفاعه الأستاذ إبراهيم الشرقاوي، المحام بهيئة الرباط في مواجهة المكتب المغربي للسياحة.
وندرج فيما يلي الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بالرباط عدد 241، الصادر يوم 22 يناير 2018، القاضي بإلغاء القرار المطعون فيه، مع ترتيب الآثار القانونية على ذلك، حيث كانت هيئة الحكم مشكلة من الأساتذة: شوقي لعزيزي: رئيسا، وفتح الله الحمداني مقررا، وإسماعيل بوتاكة عضوا، وبشرى لخريفي : مفوضا ملكيا، وغزلان بعيوي: كاتبة للضبط.

الوقائع:
بناء على المقال الافتتاحي المقدم من طرف الطاعن بواسطة نائبه المعفى من أداء الرسوم القانونية بقوة القانون والمودع بكتابة ضبط هذه المحكمة بتاريخ 2017/06/23 عرض من خلاله أنه يعمل مستخدما بالمكتب الوطني المغربي للسياحة، وأنه كان معينا ابتداء من 2010/04/01 من أجل مزاولة مهام آمر بالصرف (محاسب عمومي) بمندوبية المكتب بموسكو، بمقتضى قرار مشترك متخذ من قبل مراقب الالتزامات بنفقات الدولة (وزارة المالية) والمدير العام للمكتب الوطني للسياحة، غير أنه بتاريخ 2017/02/13 صدر قرار عن المدير العام يقضي بنقله إلى المصالح المركزية بالرباط، مؤاخذا على هذا القرار كونه مشوب بعيب الشكل، لأنه لا يتضمن تعليلا مكتوبا تقيدا بالقانون رقم 01.03.
كما تمسك بمخالفته للقانون، بعلة خرق المادة 64 من النظام الأساسي للوظيفة العمومية، فضلا عن كونه مشوب بعيب السبب وعيب الانحراف في استعمال السلطة، بعلة أن الدافع الحقيقي الذي دفع الإدارة إلى نقله هو رفضه توقيع وثائق غير قانونية تتعلق بصرف للمال العام، لأجله التمس الحكم بإلغاء القرار المطعون فيه مع ترتيب الآثار القانونية على ذلك.
وأدلى بصورة من القرار المطعون فيه وصورة من رسالة وصورة من تظلم.
وبناء على المذكرة الجوابية المدلى بها من طرف المكتب الوطني المغربي للسياحة بواسطة نائبه بتاريخ 2017/06/23 عرض فيها أن الطاعن ينتمي لسلك العاملين لدى المكتب ولا وصاية لأي جهة أخرى على مساره المهني، ولهذا تم إلحاقه للعمل بالمصالح المركزية بتاريخ 2017/04/01 وتعيينه بمصلحة أخرى بعد أن كان ملحقا للعمل بمندوبية المكتب بروسيا. وأدلى بنسخة من القرار.
وبناء على مذكرة الطاعن المدلى بها من طرف نائبه بتاريخ 2018/09/11 عرض من خلالها أن الإدارة لم تقدم أي جواب حول وسائل الطعن التي تسمك بها في مقاله وهو ما يعد إقرارا منها بما تضمنته هذه الوسائل، مؤكدا أن قرار نقله غير مشروع لأنه لم يرتكب أي خطأ، كما أنه بعد إلحاقه بالمصالح المركزية لم يتم تمكينه حتى من مكتب لمباشرة مهامه، مما يزيد من تأكيد أن نقله مشوب بالانحراف في استعمال السلطة، وأنه يدلي رفقة مذكرته بالوثائق التي تثبت الخروقات التي شابت الوثائق غير القانونية التي رفض التوقيع عليها. وأدلى بصورة من رسالة للمدير العامة وصورة من محضر وصورة من أمر بالتحويل.
وبناء على مذكرة المكتب الوطني المغربي للسياحة بواسطة نائبها بتاريخ 2017/10/04 عرض من خلالها أنه استجاب للأمر القضائي وأدلى بجواب على ما تمسك به المدعي. وبناء على الحكم التمهيدي القاضي بإجراء بحث حول وقائع النازلة.
وبناء على الحكم التمهيدي الصادر عن هذه المحكمة بتاريخ 2017/11/03 القاضي بإجراء بحث حول وقائع النازلة. وبناء على ما راج بجلسة البحث.
وبناء على مستنتجات الطرفين بعد البحث. وبناء على باقي أوراق الملف. وبناء على إدراج القضية بعدة جلسات آخرها جلسة 2018/01/15 حضر الأستاذ أعبود عن الأستاذ بنجلون وحضر الأستاذ الغزواني عن الأستاذ الشرقاوي تسلم نسخة من المذكرة المدلى بها، فتقرر اعتبار القضية جاهزة، واقترح المفوض الملكي رفض الطلب، فتم وضع إدراج القضية في المداولة لجلسة 2018/01/22.

بعد المداولة طبقا للقانون:
في الشكل: حيث قدم الطلب مستوفيا للشروط الشكلية المتطلبة قانونا مما يتعين معه قبوله.
في الموضوع: حيث يهدف الطلب إلى الحكم بإلغاء القرار القاضي بنقل الطاعن من مقر عمله بمندوبية المكتب الوطني المغربي للسياحة بموسكو إلى العمل بالمصالح المركزية بالرباط مع ترتيب الآثار القانونية على ذلك.
وحيث يؤاخذ الطاعن على القرار المطعون فيه كونه مشوب بعيوب الشكل والسبب ومخالفة القانون والانحراف في استعمال السلطة.
وحيث تمسكت الجهة المطلوبة في الطعن بكون قرار نقل الطاعن صدر ضمن الإطار العادي لصلاحيات الإدارة التي لها السلطة التقديرية في تدبير الموارد البشرية بالمرفق.
وحيث إن الثابت قضاء أنه لئن كانت للإدارة سلطة تقديرية في نقل موظفيها ومستخدميها التي لا يراقبها القضاء، فإنها تظل في مقابل ذلك خاضعة للرقابة في حالة ثبوت انحرافها في استعمال سلطتها إذا قصدت تحقيق غايات أخرى غير المصلحة العامة أو أن يصدر القرار بدواعي انتقامية أو شخصية غير ذات اتصال بالمصلحة العامة.
وحيث إنه بخصوص عيب الانحراف في استعمال السلطة فقد تمسك الطاعن بأن قرار نقله من موسكو إلى الرباط إنما صدر بخلفية انتقامية نتيجة رفضه التوقيع على وثيقة غير قانونية بمناسبة عمله.
وحيث إن عيب الانحراف في استعمال السلطة جاء النص عليه في المادة 20 من القانون رقم 40.91 والذي يترتب عن ثبوته بالنسبة لقرار إداري معين التصريح بعدم مشروعيته، وهو عيب يتحقق في الحالة التي تخالف فيها الإدارة قاعدة تخصيص الأهداف، وذلك إذا قصدت تحقيق غاية أخرى منقطعة الصلة بالمصلحة العامة كما في الحالة التي يصدر القرار إرضاء لبواعث شخصية بغرض الانتقام من المخاطب بالقرار أو تحقيقا لمصالح شخصية لمصدره، في صورة أولى، أو إذا قصدت تحقيق مصلحة عامة مغايرة للمصلحة العامة التي قرر القانون تحقيقها من إصدار القرار المعني، في صورة ثانية، أو إذا استندت في إصداره إلى إجراءات مخالفة للإجراءات التي نص عليها القانون بالنسبة للقرارات المماثلة، وبذلك تخفي الإدارة المضمون الحقيقي للقرار تحت مظهر زائف، إما للتخلص من شكليات معينة، أو لتفادي مراعاة ضمانات ثابتة، في صورة ثالثة.
وحيث إنه لما كان عيب الانحراف في استعمال السلطة يرتبط في الغالب ببواعث الشخص الذي أصدره، فقد قرر الاجتهاد القضائي الإداري المغربي ثبوته بمجرد قرائن كافية مستخلصة من الملف، تماشيا مع ما رسخه اجتهاد مجلس الدولة الفرنسي منذ قراره الصادر بتاريخ 03 / 03 / 1939، عندما استند الى مجرد قرائن كافية من أجل القول بوجود هذا العيب، وبعدها أصبح يكتفي بمجرد «أقوال كافية التحديد طالما لم تناقضها أوراق الملف ولا الإدارة نفسها»، كما في قراره الصادر بتاريخ 26 / 10 / 1960، أو «ما تسمح به ظروف القضية والملابسات التي صدر فيها القرار المطعون فيه لإثبات الانحراف في استعمال السلطة» (قراري مجلس الدولة الفرنسي بتاريخ 13 / 11 / 1970 و تاريخ 13 / 01 / 1991) وهو ما يوافق اجتهاد الغرفة الإدارية لمحكمة النقض التي اعتمدت ظروف إصدار القرار والملابسات المحيطة في استخلاص القرائن المثبتة للعيب المذكور،
من ذلك ما جاء في قرارها رقم 06 الصادر في الملف رقم 807 / 4 / 2014 بتاريخ 8 / 01 / 2015 الذي اعتبرت فيه أن «الانحراف في استعمال السلطة يرجع تقديره لقضاة الموضوع ولا رقابة عليهم في ذلك من طرف محكمة النقض، والمحكمة لما أشارت أن قرار النقل تزامن مع استرسال الإدارة في اتخاذ مجموعة من القرارات تتمثل في تأديب (الطاعن) وإعفائه من المسؤولية وهي قرارات اتخذت في حيز زمني متقارب مع افتقاده للمصلحة العامة ودون إثبات الحاجة التي أملت إصداره تكون قد ركزت قضاءها على أساس»، وهو ما يؤكد إقرار محكمة النقض لما اعتمده قضاة الموضوع من قرائن مستمدة من ظروف القضية للقول بثبوت العيب المذكور.
وحيث إنه للرجوع للملف وفي إطار تحقيق الدعوى والتثبت من ظروف إصدار القرار المطعون فيه والبواعث التي دفعت لاتخاذه، فقد أصدرت المحكمة حكما تمهيديا بإجراء جلسة بحث بمكتب القاضي المقرر انعقدت بتاريخ 15 / 11 / 2017 بحضور الطرفين ونوابهما.
وحيث إنه استنادا الى ما راج بجلسة البحث، فقد تمسك الطاعن بأن الدوافع الحقيقية للقرار تتمثل في الرغبة في الانتقام منه بسبب رفض توقيعه على وثيقة غير قانونية، موضحا أن المكتب المغربي للسياحة أبرم صفقة مع شركة روسية تتعلق بالتسويق والإشهار وقد نصت على كونه عضوا بلجنة تتبع الأشغال المنجزة من طرف الشركة المتعاقدة، وبعد انصرام مدة إنجاز الصفقة طلب منه المدير المالي بالإدارة المركزية التوقيع على طلب التسليم النهائي للأشغال بالرغم من كونه لم يتم إخباره بإنجاز أي تتبع أو مراقبة، كما أنه لم يكن على علم أصلا بكونه عضوا باللجنة المذكورة، ولذلك رفض التوقيع على المحضر الذي يثبت الإنجاز لكون الفواتير التي أدلت بها الشركة لم تكن مبررة، مضيفا أنه في ظل تمسكه بالرفض قام مندوب المكتب بموسكو باستعمال الخاتم الخاص به للتأشير على وثيقة تتعلق بأداء تسبيق للشركة بنسبة 30% من مبلغ الصفقة دون علمه ولا توقيعه.
وحيث إنه بالرجوع لوثائق الملف يتبين أنها تضمنت معطيات منسجمة مع الوقائع التي تمسك بها الطاعن، ذلك أن المكتب أبرم فعلا صفقة مع شركة روسية وأن الجهة المدعى عليها لا تنازع في كونه كان مكلفا بتتبع إنجاز الأعمال المتفق عليها بموجب هذه الصفقة خاصة أن الملف تضمن توقيعه فعلا على بعض الوثائق المتصلة بتتبع الإنجاز، وأن البين من بعض شهادات التسليم التقني للخدمات المرتبطة بالصفقة رقم CDC/E20/16 أنها تحمل توقيعات مندوب/ المكتب المدعى عليه بموسكو دون توقيع الطاعن، وهو نفس ما تمت ملاحظته بالنسبة لمحضر التسليم المتعلق بمجموع الخدمات المقدمة في إطار الصفقة الذي يشهد بمطابقتها للبنود التعاقدية، إذ يحمل تأشيرة الطاعن دون توقيعه الى جانب تأشيرة وتوقيع المندوب، وهو ما ينسجم مع ما تمسك به المدعى عليه من رفض التوقيع على الوثيقة المذكورة لكونها لا تعكس حقيقة الخدمات التي قدمتها الشركة المتعاقدة فعلا، ومع ما تمسك به كذلك بخصوص استعمال الخاتم الخاص به قصد التشير على الوثيقة المذكورة دون علمه توقيعه، إذ وجه في هذا الصدد مراسلة لمدير المكتب، وهي مدلى بها في الملف، سطر فيها المؤاخذات التي سجلها على الخدمات المقدمة من الشركة، ووجه إليه شكاية بخصوص ما اعتبرها خروقات صادرة عن المندوب بموسكو، وعلى إثر ذلك تم انتداب لجنة من الإدارة المركزية للبحث في البطء الذي يعرفه العمل بمندوبية موسكو، وبعدها صدر قرار نقل الطاعن الى الرباط، دون توجيه أي مؤاخذات اليه بخصوص عمله.
وحيث إن التعاقب الزمني المتوالي بين توقيت قرار النقل والمعطيات المذكورة سلفا التي كانت سابقة عليه، يشكل قرينة على أن قرار النقل صدر بدوافع غايتها التضييق على الطاعن بسبب ما صدر عنه من تمسك برفض التوقيع على وثائق التسليم المتعلقة بالصفقة أعلاه بسبب عدم اقتناعه بمطابقتها للحقيقة، وهو موقف لم يثبت أنه غير مبرر، إذ لو كان كذلك ويشكل إخلالا مهنيا من جانبه لوجب على الإدارة عرضه على المجلس التأديبي لهذا السبب، وهو المسلك الذي لم تسلمه الجهة المذكورة دلالة على صوابية موقف المعني بالأمر، بل لجأت الى اتخاذ قرار نقله بخلفية عقابية غير منسجمة مع القواعد التي تخضع لها المساطر التأديبية، وما يعزز هذه القرينة ويؤكد أن قرار النقل لم يكن مؤطرا بالمصلحة العامة، أن الطاعن لم تسند له أي مهمة بعد نقله الى الرباط ولم يتم تمكينه من وسائل العمل، لعدم تمسك الإدارة بمنازعة جدية بخصوص ما أثاره بهذا الصدد وعدم إدلائها بما يفيد إسنادها أي مهام له، وأن هذه الظروف المذكورة أخيرا والتي أعقبت صدور قرار النقل، لئن كان تاريخها يرجع لوقت لاحق على اتخاذه، فإن ارتباطها بالظـروف السابقة عليه وانسجامها واتحادها معها من حيث منافاتها لمصالح الطاعن ووحدة مصدرها، يجعلها ناتجة عن البواعث ذاتها التي كانت الدافع لإصدار القرار المطعون فيه، ولذلك تعد عناصر مدعمة للقرائن التي تؤكد استناد هذا القرار لغايات غير مرتبطة بالمصلحة العامة.
وحيث إنه استنادا الى ذلك تكون المصلحة العامة المدعى بها من طرف الإدارة غير ثابتة، ويكون القرار صادرا لغايات وبواعث غير ذات اتصال بالمصلحة المذكورة، وهو ما يجعله مشوبا بعيب الانحراف في استعمال السلطة وفاقدا لأحد أركان مشروعيته ومتسما بتجاوز السلطة، ويتعين تبعا لذلك الحكم بإلغائه مع ما يترتب عن ذلك قانونا.
المنطوق:
وتطبيقا لمقتضيات القانون رقم 41/90 المحدث للمحاكم الإدارية.
لهذه الأسباب:
حكمت المحكمة الإدارية بجلستها العلنية ابتدائيا وحضوريا:
في الشكل: بقبول الطلب.
في الموضوع: بإلغاء القرار المطعون فيه مع ترتيب الآثار القانونية على ذلك.
بهذا صدر الحكم في اليوم والشهر والسنة أعلاه

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*