الدكتورة صباح الطيبي، امرأة من شرق المغرب..انخرطت في رؤية حداثية يرسم حدودها الالتزام الاجتماعي والإخلاص وقيم المواطنة

عبد السلام المساوي

هن نساء استثنائيات بنجاحهن… هن نساء نبتن في تربة هذا البلد، بعضهن خرج من قاع المغرب.. من شرقه..

يحق لنا أن نبتهج أن هذه الأرض أعطت هكذا ثمار، وإذا كانت المناسبة شرط، فإن 8 مارس عيد المرأة هو أحسن مناسبة للتكريم الرمزي، هذا حق هؤلاء الفاعلات المؤثرات على مجتمع قليل الاعتراف ببناته… وأؤكد أن انتقاء الدكتورة صباح الطيبي لم يخضع لأي تفاضل.. فشرق المغرب يحفل بالعديد من الفاعلات في مجالات عديدة… فقاعة الرياضة الخاصة للنساء بوجدة شهدت حضور أزيد من 500 امرأة في حفل 8 مارس الذي نظمته المديرية الجهوية للشباب والرياضة جهة الشرق، بتعاون مع المجلس العلمي المجلي بوجدة… فتحية للمديرة الجهوية للشباب والرياضة، الدكتورة صباح الطيبي…

المرأة التي انسلت منسحبة من الأضواء إلى التمدد في احترامنا لها، هي من ملأت حياتها، بلا دوي، بالوقوف هادئة في مواجهة الصخب.. صخب البحر تعارك موجه ليلا ونهارا… صخب العمل الجمعوي الذي انخرطت فيه إيمانا واختيارا… صخب المرأة التي راهنت على صحة الإنسان بجهة الشرق وكان النموذج المثالي صاحبة السمو الملكي الأميرة للا سلمى… صخب المسؤولية المهنية، مندوبة جهوية بوزارة الشبيبة والرياضة، وإنجاز المشاريع الكبرى بجهة الشرق… صخب الكلمات تلطفها إذا شاءت أو تنفثها شرارا… صخب الأمومة يحولها لحنا يدمع الأحاسيس مرات أو يعلن العطف والحب مرارا… فريدة، وليس أحد غيرها… الدكتورة صباح الطيبي… لا تزاحم أحدا على “مساحة” ولا على “تفاحة” بإرادتها وإصرارها تنسج نسيجها المميز.

كعادة الأنهار، تنزل من القمم بإصرار لتسقي السهول، انحدرت صباح من جبال بني يزناسن، لتصبح منذ طفولتها امرأة ممسكة بزمام مسار حياتها، حملت في صدرها كبرياء القمم وإصرار الأنهار على المضي قدما مهما صعبت المسالك، تشق مجراها بصبر وثبات إذ لم يكن من السهل على يافعة مثلها أن تلتحف أحلامها وتنتعل طموحها، وتتعطر بوعيها الوطني المبكر، وتضرب في الأرض منتصبة القامة مرفوعة الهامة… محصنة أخلاقيا وفكريا…

تتميز بأنها متعددة المميزات، ولا فرق بين مميزاتها… إنها تعترض ولا تعارض، تفعل ولا تقول، تواكب ولا تساير… تنضبط ولا تخضع، ضمير لا يدعي الحكمة… وطنية خام ومواطنة أصيلة… وفية للملكية، للمشروع والنشيد… استثناء في زمن الكائنات المتناسخة… مترفعة في زمن التهافت… طموحة… ولها من الكفاءات والقدرات ما يجعل طموحها شرعيا ومشروعا… ما أنجزته من مشاريع عظيمة، كما وكيفا، على مستوى وزارة الشبيبة والرياضة بجهة الشرق، ينشدها كل يوم ويغنيها ويتصاعد في تناغم مع سمفونية حياة اسمها صباح، هي أصلا في مبناها ومعناها تشكلت ضد الكسل والجمود، ضد العبث واللامسؤولية… وهي طفلة، وهي تنمو، نما فيها حب الوطن والانخراط في تنميته… مستعدة لتخسر كل شيء إلا كرامتها… مستعدة لتتنازل عن كل شيء إلا أنها مواطنة مغربية من الشرق… إنها كالنهر يعود إلى نبعه والماء إلى مصبه الطبيعي…

انخرطت مبكرا في رؤية حداثية يرسم حدودها الالتزام الاجتماعي والإخلاص وقيم المواطنة، والحضور على جبهة التنمية وصحة المرأة وحماية الطفولة، من خلال العديد من المبادرات التي اتخذتها في هذا المجال، وهكذا تحملت باقتدار كبير مسؤوليات عدة، من بينها، مديرة جمعية “فضاء الطفل” ورئيسة جمعية “لمسة شفاء لمحاربة داء السرطان بجهة الشرق”… إنها فاعلة جمعوية باستحقاق المرأة الصادقة وامتياز المسؤولة المستقيمة… الشفافية هي العنوان والحكامة هي المنهج… تربية سليمة نزعت من صباح وللأبد مهادنة الفساد… تنفست عبق تاريخ وطني فرفضت أن تكبح تمدده تضاريس نتأت في جغرافية المجتمع المدني… لم تستثمر جهودها وتضحياتها للتباهي وتضخيم الذات… مؤمنة بأن المسؤولية التزام لا تشريف… تضحيات لا غنائم، عطاء لا ريع… مسار تعليمي طويل توج بنيل شهادة الدكتوراه في الأدب العربي…

تكوين ثقافي غني متح من مصادر متشعبة… كفاءة أكاديمية، ولأنها مؤمنة بالمشروع الديموقراطي الحداثي… مؤمنة بالاختلاف والتعدد اللغوي والثقافي… فإنها انخرطت في بناء مغرب قوي بثرائه اللغوي والحضاري… بإرادتها تعلمت الأمازيغية.. هنا أيضا تفوقت على نفسها… واكبت الحركة الأمازيغية في النشأة والتطور…

وكانت حاضرة في ميثاق أكادير (غشت 1990)… ومن التعلم إلى الإنتاج، أثبتت كفاءتها الفكرية والأكاديمية في التأليف بالأمازيغية.. وعندما يتعلق الأمر بالتأليف المدرسي فهذا يحتاج إلى قدرات متميزة لغويا ومنهجيا وتربويا… وكذلك هي صباح الطيبي…

فاعلة بحضور قوي في الميدان… صاحبة كاريزما… سلطة الهيبة لا هيبة السلطة، هذه هي صباح الطيبي التي تستحق منا، بمناسبة 8 مارس العيد العالمي للمرأة، ألف تحية وألف احترام وألف تقدير… امرأة تبشر بعودة “السبع السمان” منتصرة على “السبع العجاف”، لتملأ وطننا خصبا، وبيادرنا حَبا وحبا… صباح امرأة تمتلك فن صيانة الذات، الاعتماد على النفس، مقاومة كل الأنماط الاستسلامية الارتكاسية في الوجود والانتفاضة على كل تجليات الظلم والمهانة والذل… قد يكون الحاضر حلوا… إنما المستقبل أحلى… صباح تكسر الصمت وتحطم المألوف.. ترفض الجهل والخنوع وتعلن المعرفة والتغيير، وتعمل للعدالة والكرامة… لتسمو المرأة عن دونية الحريم وخسة “العيالات والولايا” وتعانق شموخ الإنسان وكبرياء المرأة…

منذ بداية البدايات عشقت الكلمة وداعبت القلم… عز عليها أن تسقط فتستجيب لطيور الظلام… لم تطق لها سقوطا لهذا اقتحمت قطار الدراسة… أصرت على أن تبقى راية المغرب مرفوعة… إذن فلا خوف علينا إذا ادلهمت بنا الآفاق اليوم من أن لا نجد امرأة مقتدرة تنبهنا وتهدينا… فإن الدكتورة التي أطلقت في زمن الرداءة لمسة، قادرة على جعل الناس يعشقون الوطن… تحاصرها أسراب البوم كليالي النفاق فتلقاها معتصمة باختيارها… تواجه أولئك الذين يسرقون الخبز من أنامل الصغار وتتجنب دموع اليتامى لتتفادى بكاء الأرامل… لكن الواقع هنا والآن… مضطرة صباح لا بطلة، لتسقي بحب الإنسان فتيات يانعة، تعمل جاهدة على تجنيبها لسعات الشوك وتمنحها الأمل في المستقبل، لتملأ البلاد عطرا بعد أن ملأت عنفا… فالمرأة لها قلب… وصباح صاحبة قضية، وعليها أن تصارع الأمواج والإعصار… فهذه قناعتها وهذا واجبها… وهذه مهمتها… وإلا فليرحل من هذا العالم الذي هو في حاجة إلى العواطف النبيلة وشيء من التضحية… هكذا نرى الدكتورة صباح الطيبي ترى الأشياء… وهكذا نتصورها تتصور العالم الذي نحن فيه… فليخجل من أنفسهم أولئك الذين يحصدون ونحن الزارعون… شافاكم الله، وبين التين والزيتون آمنت صباح بأن المرأة ليست شعارا يرفع ولا مسحوقا للتزيين، ليست قضية للتوظيف الديماغوجي والاستهلاك السياسوي، بل إنها قضية وجودية تشكل قناعة فكرية واختيارا إنسانيا… هذا جوهر كينونتها وعنوان هويتها… التحدي هو سيد الميدان… وقفت صباح فوق خشبة الحياة وأعلنت رفضها لإهانة النساء من مختلف أشكال الذل والوصاية…

مواطنة غيورة… إنها مغربية… تنتمي مطاوعة ولكنها لا ترضخ.. اختيارا لا قسرا… تنسجم بيد أنها لا تذوب… هي ذات فرادة واختلاف… تبشر بغد جميل لمغرب جميل… صباح لا يمكن أن تحشر في زمرة “نساء لفشوش”، فهي ليست منهم، لأنها محصنة، ولكنها تعرف أن الطريق ألغام وكوابيس… وقائع وانفجارات… دسائس وإشاعات… خمائل ناعمة وصواعق متفجرة… لهذا تمضي بحكمة وثبات… تفضح الكوابيس وتنبه إلى صخبها… تنبه إلى إغراءات المناصب وتحذر من مخاطرها… لتدلف إلى مقام المسؤولية الملتزمة… وليست منهم لأنها رضعت الأنافة والنظافة… فليسمح لي قناصو وقناصات المواقع والمغانم، لأعلنها صاحبة كرامة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*