حين يتحالف الإعلام مع النساء… السياسة في المغرب أمام منعطف جديد

حين يتحالف الإعلام مع النساء… السياسة في المغرب أمام منعطف جديد

في لحظة سياسية تتسم بتزايد النقاش حول تجديد النخب وتعزيز الديمقراطية التشاركية، احتضنت مكتبة لسان الدين بن الخطيب بفاس الندوة الختامية لمشروع «الإعلام رافعة لجيل جديد من المشاركة السياسية للنساء»، في مبادرة جمعت بين الفاعل الجمعوي والإعلامي والحقوقي، وفتحت نقاشا عميقا حول موقع المرأة في معادلة التأثير وصناعة القرار.
اللقاء، الذي نظمته جمعية العلم نور للتنمية الثقافية والاجتماعية بشراكة مع Oxfam، لم يكن مجرد محطة احتفالية لاختتام مشروع تكويني، بل شكل مناسبة لتقييم واقع المشاركة السياسية للنساء، ورصد الإكراهات البنيوية والثقافية التي لا تزال تعيق حضورهن الفعلي داخل المؤسسات المنتخبة.
وقد أكد المتدخلون أن الإعلام لم يعد فاعلا محايدا يكتفي بنقل الوقائع، بل أصبح قوة مؤثرة في تشكيل الرأي العام وصناعة الصور الذهنية.

وفي هذا السياق، تم التشديد على أن إبراز الكفاءات النسائية وتثمين التجارب الناجحة يسهمان في تفكيك الصور النمطية المرتبطة بقيادة النساء للشأن العام، ويعززان الثقة المجتمعية في أدائهن السياسي.
وعرفت الندوة تقديم شهادات منتخبات محليات عرضن مساراتهن وتجاربهن الميدانية، مسلطات الضوء على التحديات المرتبطة بالعنف السياسي، خاصة في الفضاء الرقمي، وضعف التمكين داخل بعض الهياكل الحزبية.

غير أن هذه التحديات، بحسب المتدخلات، لم تمنع من تحقيق مكتسبات ملموسة على مستوى التدبير المحلي والمبادرات التنموية.
كما تم تقديم “الدليل الشامل للمنتخبة والنساء الراغبات في الترشح”، باعتباره أداة عملية تجمع بين التوجيه القانوني والتأطير التواصلي، وتهدف إلى تحويل الرغبة في المشاركة إلى ممارسة سياسية واعية ومؤطرة.

ويقدم الدليل معطيات مبسطة حول المساطر الانتخابية، وآليات إعداد البرامج، وإدارة الحملات، إضافة إلى مهارات التواصل الإعلامي وإدارة الأزمات.
وفي هذا السياق، صرح محمد الطبيب، الحقوقي والمسؤول بالمشروع، أن هذا العمل ليس مجرد نشاط ظرفي، بل هو مسار تمكيني متكامل يهدف إلى مرافقة النساء قبل وأثناء وبعد الاستحقاقات الانتخابية.

حيث قال نحن نؤمن أن القانون يفتح الباب، لكن الإعلام يمنح الصوت والتأثير، والرهان اليوم هو بناء كفاءات نسائية قادرة على الحضور بثقة داخل الفضاء العمومي. وأضاف أن المشروع يسعى إلى ترسيخ ثقافة سياسية قائمة على الكفاءة والنزاهة والتواصل الفعال، بدل الاقتصار على المقاربة العددية في تمثيلية النساء.
وفي الشق القانوني، تم التذكير بأن الدستور المغربي ينص على مبدأ المساواة والمناصفة، وأن الترسانة القانونية المتعلقة بالانتخابات أقرت آليات لدعم تمثيلية النساء.

غير أن التحدي، كما خلصت إليه المداخلات، يكمن في تفعيل هذه المقتضيات وضمان تنزيلها بشكل فعلي، بما يحمي النساء من كل أشكال العنف السياسي والتمييز.
النقاش الذي أعقب العروض اتسم بعمق الطرح وتنوع المقاربات، حيث دعا المشاركون إلى بناء شراكات استراتيجية بين الإعلام والمجتمع المدني والمؤسسات المنتخبة، وإلى إنتاج محتوى رقمي يعكس كفاءة النساء بدل اختزال حضورهن في بعد رمزي أو مناسباتي.
لقد أبرزت هذه الندوة أن التحالف بين الإعلام والنساء ليس خيارا ظرفيا، بل هو مدخل لإعادة تشكيل الوعي الجماعي بأهمية المشاركة السياسية النسائية كرافعة للتنمية المحلية والحكامة الجيدة.

فحين تتكامل الإرادة القانونية مع التأطير الإعلامي والمواكبة المجتمعية، يصبح الحديث عن جيل جديد من القيادات النسائية أمرًا واقعيًا لا شعارًا.
إن السياسة في المغرب، في ظل هذه التحولات، تقف أمام منعطف حقيقي، إما أن تنخرط في مسار تجديدي يرسخ مبدأ المناصفة ويعزز حضور النساء في مواقع القرار، أو تظل رهينة اختلالات تعيق تطورها الديمقراطي. والرهان اليوم، كما أكد المشاركون، هو تحويل التمكين السياسي للنساء من مطلب حقوقي إلى ممارسة مؤسساتية مستدامة.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*