عميدة الشرطة الرئيسية نادية الطوبي… الاشتغال في الميدان الاختيار الأنسب لرفع التحدي

الساعة تشير إلى السادسة مساء، تم الإعلان عن حادثة سير خطيرة جنوب مدينة القنيطرة، بالنسبة لنادية الطوبي، رئيسة مصلحة حوادث السير بالمنطقة الأمنية المهدية، يبدو أن يوم العمل لم ينته بعد، فخلافا لما قد يعتبره آخرون بمثابة عمل شاق، أو واجب ينبغي القيام به، ترى هذه السيدة المفعمة بالحيوية الوضع على أنه تحد إضافي في مسار رسمته هي بنفسها.

وإذا كانت نادية، التي التحقت بسلك الشرطة سنة 2002 ضمن أول فوج للنساء الضابطات، يوم وقوع الحادث على الميدان خارج أوقات عملها المعتادة، فلأنها قررت في لحظة حاسمة من مسارها اختيار مستقبلها، إذ عبرت، عند انتقالها إلى منصب إداري سنة 2015 من الرباط إلى القنيطرة، عن رغبتها في الالتحاق بمصلحة خارجية.
وبفضل شجاعتها، قرر المسؤولون إدماجها بشكل تدريجي واختبار إرادتها وعزمها. وهو التحدي الذي رفعته السيدة نادية، وهي اليوم متزوجة وأم لطفلين، بنجاح مبرهنة على جديتها وإتقانها لمهامها داخل الدائرة الأولى للقنيطرة، وهو ما جعلها تستحق في النهاية منصب مسؤولية في مصلحة حوادث السير بالمنطقة الأمنية المهدية (ولاية أمن القنيطرة)، التي تم إحداثها منذ حوالي سنتين.
“لقد حظيت بشرف الالتحاق بالدفعة الأولى من النساء ضابطات الشرطة خلال سنة 2002 (فوج مولاي الحسن 2004). عملت في البداية بالمديرية المركزية بالرباط، لكن لأسباب عائلية انتقلت إلى القنيطرة. فضلت حينها العمل في الميدان عوض شغل منصب إداري”، توضح السيدة نادية ذات التكوين الاقتصادي، وهي تصف هذه المرحلة الحاسمة من مسارها المهني.
وأضافت، في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء بمناسبة اليوم العالمي للمرأة، “كان لدي شعور بأن العمل في الإدارة المركزية لن يتيح لي هذا الرضى الذاتي الذي يبحث عنه كل منا في حياته، خاصة أني أجد نفسي في التواصل مع الناس وأفضل التواجد في قلب الأحداث عوض الانغلاق داخل المكاتب”، مضيفة “لقد ساندني في هذا القرار رؤسائي المباشرين الذين وضعوا ثقتهم في شخصيتي وواكبوني في هذا الاختيار”.
وباتخاذها هذا القرار، كشفت هذه السيدة، التي تعطي انطباعا أوليا بأنها خجولة، عن قوة داخلية كبيرة تمكنها من مواجهة، بشكل يومي، وضعيات حرجة لا يستطيع أيا كان تدبيرها.
وشددت على أنه من أجل النجاح في هذه المهنة، ينبغي الإلمام بالإطار القانوني المنظم لحوادث السير ومعرفة تحديد بدقة المقتضيات التي سيتم تطبيقها في كل حالة على حدى، مشيرة إلى أنه ” إذا كانت قد تعودت على مشاهد – غالبا ما تكون رهيبة – لحوادث السير، والتي تكون بعضها مميتة، فإنها لم تفقد مع ذلك روحها كإمرأة أو صرامتها كضابط شرطة “.
وصرحت السيدة نادية أن “كل حادثة سير بمثابة اختبار إنساني، لا سيما عندما تكون هناك وفيات، وباعتباري إمرأة لا أستطيع أن أكون غير مبالية لمثل هاته المشاهد وأشعر دائما بالتعاطف مع الضحايا”، مضيفة بالمقابل أن واجبي كضابط شرطة يتطلب ضبط النفس والتحلي بالهدوء للقيام بشكل موضوعي بعملية إجراء المسطرة التي تعتمد عليها حقوق الأشخاص والمجتمع.
وأكدت أنه ” ما توالي السنوات وتراكم التجارب، تمكنت من تحقيق التوفيق بين المشاعر الإنسانية والحس المهني “.
وحسب السيدة نادية فإن هناك توازن آخر ينبغي تدبيره بشكل يومي يتمثل في الجمع بين واجباتها كأم والتزاماتها المهنية، مشددة على أن الأمر يعتمد على التضامن الأسري.
وأشارت إلى أنه “ليس من السهل دائما أن تكوني أما وضابط شرطة، وخصوصا في مهنتنا التي تتطلب جاهزية مطلقة، لكن تمكنت من أداء هذين الواجبين بفضل تفهم ومساندة أسرتي”.
وترى نادية، الحاصلة على شهادة الإجازة في الاقتصاد (جامعة محمد الخامس) والتي كانت قد شرعت في الدراسة في سلك دبلوم الدراسات العليا المعمقة في تدبير السياسات العمومية عندما قررت تغيير مسار حياتها لتصبح ضابط شرطة، في عملها كرسالة في خدمة وضعية المرأة وتعزيز مكانتها داخل المجتمع، وهو الجانب الذي يبدو أنه حمسها للمضي قدما في مسارها المهني.
وقالت “نحن حريصات على أن نكون بمثابة قدوة جيدة للنساء الأخريات وأن نبرهن على قدرة العنصر النسوي على التفوق في المجالات الأكثر صعوبة وشغل مناصب المسؤولية”، مضيفة أن الارتقاء في سلم ميدان صعب مثل مهنة الشرطة “يتطلب الكثير من الجدية والالتزام”.
وأضافت أن المرأة المغربية تتوفر على كافة متطلبات النجاح : ” فبفضل الإرادة والعزيمة، بإمكان المرأة الذهاب بعيدا في كافة المجالات”.
إن التخلي عن “راحة ” المكتب والساعات المحددة، مقابل العمل الميداني حيث لا يوجد معنى لمفهوم الوقت، مع كل التضحيات المترتبة عن ذلك، شكلت بالنسبة لنادية وسيلة من أجل خلق فرصة لنفسها لإبراز صفاتها الحقيقية، بدلا من السماح للآخرين بتقرير مصيرها دون معرفة على ما هي قادرة عليه حقا.
لقد نجحت هذه المرأة البراغماتية في كسر قالب كان من شأنه أن يرهنها إلى الأبد في حياة عادية وروتينية … إنها مثال يستحق التأمل.

ومع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*