وزراء الحب والسرير والشكولاطة


أخر تحديث : الأحد 3 مايو 2015 - 8:47 صباحًا
وزراء الحب  والسرير والشكولاطة

الحياة الخاصة للأفراد لا تعنينا ، أيا كان وضعهم الاجتماعي أو المهني أو السياسي ، إلا من حيث تأثيرها على الذوق العام أو ارتباطها بالشأن السياسي ومجال التسيير . فالشخصيات العامة المسئولة مباشرة عن تسيير الدولة وقطاعاتها الحكومية تكون كل تصرفاتها تحت المجهر ، خصوصا إذا مست مبادئ النزاهة أو خرقت القوانين أو عطلت بنود الدستور . ويكون الأمر أشد استفزازا للمواطنين حين يصدر مثل هذه الخروقات عن مسئولين حكوميين مفروض فيهم الاستقامة والنزاهة وعزة النفس والحرص على مال الشعب . مناسبة هذا القول ما صار يشغل المواطنين من قصص علية القوم وبعض الوزراء ومغامراتهم العاطفية . ووجه الغرابة والإثارة أن الوزراء إياهم يقدمون للشعب المغربي ما لم يكن ينتظره منهم . فالشعب المغربي يتطلع دوما إلى حكومة مسئولة ووزراء بمستوى رجال الدولة يمثلون الشعب ويتمثلون قيمه وتاريخه في كل تصرفاتهم .

حكومة في مستوى الرصيد الحضاري للشعب المغربي الممتد عبر آلاف السنين ، تترجمه إلى ممارسات وقرارات وقوانين وتشريعات تحافظ على الرصيد إياه وتغنيه وتعمل على توسيع دائرة إشعاعه .

هذا ما يريده الشعب المغربي وما ينتظره من وزراء حكومته وكل مسئولي الدولة المغربية . فأن يكون المواطن وزيرا معناه أنه يجسد الدولة في تصرفاته ويصون هيبتها ومكانتها بين الدول والأمم . لهذا تكون الحكومة بمثابة المرآة التي تعكس صورة المغرب ، دولة وشعبا وحضارة ، إلى الخارج وتثبتها في أذهان الشعوب وتكرسها في المعاملات الدولية الثنائية والأممية . فأية صورة يسوّق أعضاء الحكومة عن المغرب وشعبه وثقافته وتراثه ؟ قد يتساءل أي مواطن مغربي أو أي متابع للشأن المغربي عما يشغل عددا من أعضاء الحكومة ويحتل مركز أنشطتهم واهتمامهم . أهو الشأن العام ومصير الشعب ومستقبله أم إنه الشأن الخاص والميول العاطفية والبطنية ؟ وهل المنصب الحكومي مسئولية من أجل خدمة الشعب والعمل على تحقيق مطالبه والاستجابة لانتظاراته ، أم هو وسيلة للإغراء والمتعة والثراء ؟ من حق أي إنسان أن يحب ، ومن حقه أن يعبر عن حبه ، لكن ليس من حقه أن ينشغل بحبه عن مهامه ومسئولياته . ومسئولية الوزراء لا تنتهي عند قطاعاتهم الحكومية تسييرا وتدبيرا ، بل تتجاوزها إلى ما هو أبعد . فالناخبون لم يصوتوا لصالح مرشحي هذا الحزب أو ذاك ليمارسوا حياتهم الخاصة وحرياتهم الفردية داخل مؤسسات الدولة ومقراتها الحكومية . بل صوتوا عليهم ليكونوا في خدمة الشعب والوطن والدفاع عن قضاياه المصيرية واختياراته الإستراتيجية . فأن يقرر وزيران الزواج أمر يدخل ضمن حرياتهما الشخصية ، لكن أن يمارسا هذه الحرية للإضرار بسمعة المغرب الدولية والمس بمصداقية مؤسساته الدستورية وتشريعاته القانونية ، فأمر مرفوض من أساسه . ذلك أن المغرب ، انخرط منذ 2004 ، في إستراتيجية تحديث قانون الأسرة وفق مبادئ : المساواة ، التكافؤ ، العدل .

وقد نصت مدونة الأسرة على تقييد تعدد الزوجات ، ولم تسمح به إلا في الحالات الاستثنائية . تلك هي الصورة التي رسمها المغرب عن نفسه وكسب بها احترام الهيئات الأممية والمنظمات الحقوقية ، وحصل بفضلها على تمويل خارجي للنهوض بأوضاع النساء ومنع كل أشكال التمييز والعنف ضدهن . وأن يمارس أعضاء الحكومة تعدد الزوجات ، لا يدخل ضمن حرية الاختيار ، بقدر ما يضر ، بشكل كبير ، سمعة المغرب ويضع مصداقية مؤسساته الدستورية وتشريعاه القانونية موضع تساؤل وتشكيك . إذا ما فائدة كل هذه الترسانة القانونية وما دور هذه المؤسسات الدستورية إن لم يكن إعادة ضبط سلوك المواطنين والارتقاء بممارساتهم قطعا مع أشكال العنف والتمييز ضد النساء . فالوزيران المعنيان بالتعدد يقدمان نموذجا سلبيا عن الشكل الذي يكون عليه المسئول الحكومي الذي يكون أول من يخرق القوانين ويتجاوز الدستور ويمس بسمعة المغرب . ومن سلبيات النموذج أنه يشجع على التعدد ضد النهج الرسمي للدولة واختيارها الديمقراطي ونموذجها المجتمعي . ونفس الأمر ينسحب على وزير الشوكلاطة الذي لم يميز بين ماله الخاص والمال العام الذي هو مسئول عنه مسئولية دستورية وقانونية وأخلاقية . وكان طبيعيا أن يقدم وزير الشوكلاطة نموذجا سيئا احتذاه عدد من المسئولين ، بينهم من يدفع من المال العام فاتورة 10 آلاف درهم شهرية عن استهلاكه القهوة . “إذا كان رب البيت بالدف ضارباً … فشيمة أهل البيت كلهم الرقص”. ولا غرابة في تعدد هذه النماذج واعتدائها على المال العام مادام رئيس الحكومة نصّب نفسه وصيا على الشعب فعفا عن ناهبي المال الذي هو مال الشعب وليس مال الحكومة ورئيسها . من هنا كان الخرق المباشر والخطير للدستور الذي يربط بين المسئولية والمحاسبة .

وأن يلغي رئيس الحكومة المحاسبة ، معناه أنه يضع نفسه فوق الدستور فيعطله حماية للفاسدين . هكذا صارت الحكومة وصية على الشعب وعلى البرلمان ، تعطل القوانين وتخرق الدستور وتعفو عن ناهبي المال العام . من حق الشعب أن تكون له حكومة تنشغل بمشاكله وتحمل همومه وتتفاعل مع مطالبه ، لا حكومة تشغله بغراميات أعضائها ومغامراتهم العاطفية . شعبنا يستحق حكومة تسايره في الارتقاء وترقى بها في التسيير والتشريع ، لا حكومة ترهنه بالماضي وتخندقه في غياهبه بسلسلة من التشريعات والقوانين أشد تخلفا وتطرفا .

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

*

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة سياسي الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.