يسألونك عن المجال الخاص و المجال العام


أخر تحديث : الجمعة 8 مايو 2015 - 9:53 صباحًا
يسألونك عن المجال الخاص و المجال العام

نظرا للاهتمام المتزايد بحادثة الشوباني وسمية، و ما أفرزته هذه الواقعة من تداخل بين المجال العام و المجال الخاص، باعتبار الشخصيتين عضوين في الحكومة باعتبارهما وزيرين، و هي سابقة في المغرب، في مرحلة يعرف فيها المجتمع حراكا قيميا حول إنزال الدستور، الأمر الذي جعل الحادث مناسبة لطرح العديد من القضايا التي تستوجب حوارا وطنيا، كملف تعدد الزوجات، الحرية الفردية، حرية التعبير، المجال العام و المجال الخاص، باعتبار اللحظة التي نحياها اليوم تشكل لبنة تأسيسية في تكريس دولة الحقوق و الحريات. تقتضي الوعي بأن مثل هذه المواضيع هي محل نقاش وتضارب للافكار والمواقف داخل المتجمع، و التي تقتضي حوارا هادئا ورصينا ومعقلنا حولها.
و بغية المساهمة في هذا الموضوع، سنحاول من هنا تناول موضوع المجال العام و المجال الخاص، على ان نترك المواضيع الأخرى لمقالات لاحقة.
1. الدولة و المجال الخاص للأفراد

ان النظام الديمقراطي هو الذي يكرس دولة الحقوق و الحريات، و الذي يحترم الحريات الفردية للأفراد، حيث يتمتع المجال الخاص بحماية قانونية تجرم انتهاكها، و تلقى الحرية الفردية مكانة كبيرة خلافا للأنظمة التسلطية التي تتدخل في المجال الخاص التي فيها تهديد لبقائها، ووسيلة من الوسائل للسيطرة على الأفراد. بالتالي ترفض الاعتراف بحرمة المجال الخاص لأنها ترى فيه تقييدا لسلطتها، مما يجعل أصحاب النظرة التسلطية يرفضون الاعتراف بالحرية الفردية للأفراد، تجاه الدولة.

2. الحياة الخاصة في المجال السياسي
ان المجال السياسي كمجال للتنافس للوصول إلى السلطة او البقاء فيها، هذا الصراع بين الفرقاء السياسيين يضيق من مجالهم الخاص حتى في الدول الديمقراطية التي تقدس الحرية الفردية، و يكفي هنا ان نورد هنا مثال فضيحة “مونيكا- كلينتون ” عبر اتهام رئيس الجمهورية بيل كلينتون بالتحرش الجنسي، ورغم إنكار هذا الأخير، فان وسائل الإعلام اتجهت إلى البحث في مجاله الخاص منذ أن كان حاكما لولاية “أركانسو” إلى أن أصبح رئيسا للولايات المتحدة، اضطر معه مؤسسة البرلمان ( الكونغرس الأمريكي نشر قرار المدعي العام “كينيث ستار” و نشر شريط فيديو بما يتضمنه من وقائع، اعتبرها البعض انحطاطا سياسيا و إعلاميا و أخلاقيا، و التي كادت أن تؤدي إلى إجباره على تقديم استقالته مثلما حدث مع الرئيس نيكسون، بل و العصف بمستقبل حزبه بأكمله.

3. مفهوم المجال الخاص.
رغم الإجماع بين رجال القانون و علماء السياسة حول حرمة المجال الخاص للأفراد واعتباره من الحقوق الأساسية للأفراد و بضرورة حمايتها، فإن هذا الاتفاق لم يساعد على تعريف شامل مانع للمجال الخاص، و ترجع الصعوبة لكون مفهوم المجال الخاص يتسع و يضيق وفق طبيعة المجتمع، بل داخل المجموعات نفسها التي تشكل المجتمع الواحد، و اللحظة التاريخية التي نتحدث فيها على المفهوم . و رغم هذه الصعوبات ظهرت العديد من المحاولات في هذا المجال لإيجاد الفواصل بين الحياة العامة و الخاصة.
إذا كان الأصل هو حرمة المجال الخاص لأي فرد داخل المجتمع، فإن حماية المجال الخاص تضيق بالنسبة للشخصيات العامة، لكون سلوك الشخصيات العامة تحتوي على عنصرين: أحد يعنيه لشخصه و اللآخر يعني المجتمع ككل، باعتباره شخصية عامة، و هذه الصفة تجعل الشخصية العمومية خاصة ان كانت في منصب وزاري _ كما هو الحال بالنسبة لقضية الوزيران في الحكومة المغربية، سلوكهما له ارتباطا بالوجه الخارجي للدولة و معرض للتقييم والحكم عليه من قبل الجمهور ، فاختياره ان يكون شخصية عمومية يلزمه بالتنازل عن بعض عناصر مجاله الخاص الذي يصبح معرضا للنقد و تعرية سلوكياته، خاصة عندما يكون شخصية سياسية او منتخب، تجعله محض اهتمام الجمهور الذي يلزم ان يعرف تصرفاته، خلافا للشخصية العادية الذي يعتبر مجاله الخاص محصنا بالنظر لان حياته الخاصة لا تعني المجتمع في شيء، خلافا الشخصيات العامة من قبيل الأبطال الرياضيين و الفنانين و المشرفين عن الشأن العام من قبيل الوزراء و أعضاء المجالس المنتخبة …
و من هذا المنطق تعمل وسائل الإعلام انطلاقا من دورها في تنوير الرأي العام، وتتولى الاهتمام بالشخصيات العامة بخلاف الأفراد العاديين الذين لا تربطه بينهم و بين الأفراد أي رابطة ،و ملزمة بإحترام حرمتهم لأنهم لا تربطهم بالرأي العام أي التزامات، بخلاف الشخصيات العامة، التي تستوجب المصلحة العامة تمكين الرأي العام من التعرف لبعض الجوانب الشخصية، نلخصها في ثلاث أسباب رئيسية:
السبب الأول: لما لجوانبهم الشخصية في إفراز النشاط العام و التي توضح قدرتهم في مباشرة مهامهم.
السبب الثاني: تصرفاتهم في المجال الخاص تصبح قدوة و مثالا داخل المجتمع بالنظر للمكانة المتواجدة المرموقة التي يشغلونها، تجعل الأفراد يتطلعون إلى التشبه بهم في سلوكاتهم .
السبب الثالث: العضوية في الحكومة تجعل من الشخص مرآة يعكس المجتمع بل إن تصريحاته و أفعاله قد تلزم الدولة المغربية ككل.
وبذلك فالمجال الخاص للشخصيات العامة له ارتباط وثيق بحياته و مسؤولياته العامة، و لذلك لا يتصور المساواة في تفسير المجال الخاص بين الشخص العام و الفرد العادي، رغم ان الأصل هو حرمة المجال الخاص للأشخاص، غير ان الصفة العمومية تجعل المجال الخاص للشخصيات العامة يضيق، و عرضة للانتقاد و التتبع، بحكم أوضاعهم، التي تجعل من نطاق مجال حياتهم العامة يتوسع على حساب مجالهم الخاص، بالنظر لما للمجتمع من مصلحة من مراقبة تصرفاتهم للتأكد من قدرتهم على مباشرة مهامهم العامة، و تقلدهم للمسؤولية يعني رضاؤهم الضمني عن نشر أخبارهم و البحث عنها ، خلاف الأشخاص العادين الذي يعد مجالهم الخاص أوسع، و لا يمكن الكشف فيه إلا برضائهم.
و هنا نرى ان وسائل الإعلام ملزمة بإمداد الرأي العام بأفعال و تصرفات الشخصيات العامة لما لها من دور في تمكينهم من التقييم و الحكم على أدائهم بشكل موضوعي تتخلله الأمانة.
خلاصة ما تقدم، أنه من واجب وسائل الإعلام، متابعة الشخصيات والتدقيق وتجنب التشهير و كل ما يمس بحرمتهم الإنسانية، عبر التطرق للأفعال التي لها قدر من الجسامة و التي لها أهمية اجتماعية، و التي يكون لها تأثير على المصلحة العامة.

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

*

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة سياسي الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.