اسحاق شارية يكتب: تكـــــــــــريم الخيانة


أخر تحديث : الأحد 18 أكتوبر 2015 - 6:14 مساءً
اسحاق شارية يكتب:  تكـــــــــــريم الخيانة

بقلم: الاستاذ اسحاق شارية

أظن أن المغرب هو البلد الوحيد الذي تمنح فيه جوائز على الخيانة، وامتيازات على الإبتزاز، بينما تكون عقوباتها وخيمة في البلدان الأخرى التي تفرق بوضوح بين الخيانة والوطنية، وبالتالي فليس من المفاجئ أن تطالعنا بين الفينة والأخرى أخبار عن عملاء جدد يهددون ويعربدون ويمزقون جوازاتهم ويجلدون أوطانهم وأهلهم، ليس من أجل مبدأ أو مشروع سياسي بل من أجل قطعة من الريع أو حفنة من المال، وكأن المغرب عبارة عن بقرة مجروحة في غابة من الضباع الكل يريد أن ينهش منها قطعة ويهرب، والجميع يتصارع لبلوغ تلك اللقمة، فمن يركب على دماء الشهداء، ومن يركب على نضال المقاومين الشرفاء، ومن يستعمل الأحزاب، ومن يستغل المال والعائلة والنفوذ، ومن يستغل الرياضة، الجميع يريد أن ينهش قطعته من البقرة الجريحة، ولا أحد يفكر في معالجتها ليرتوي من حليبها كل المحرومين والفقراء.

لكن التساؤل الواجب طرحه هو ما الذي أوصل النضال الحقوقي والسياسي إلى هذا الحد من الإنحطاط والدونية، حتى أصبحنا نرى ونسمع العملاء وهم متفاخرين بعمالتهم وخيانتهم، يمزقون في وجوهنا، راياتنا وجوازات سفرنا وشعاراتنا، وهم يصرخون يحيا الإستعمار وليسقط الوطن.

إن البحث عن جواب لظهور هذا النوع من مناضلي الإسترزاق، يفرض علينا دراسة تاريخ المغرب السياسي ومحاولة استقراء أسباب هذه الظاهرة المرضية الخطيرة والمعدية.

ففي مغرب ما بعد الإستقلال يحكى أنه تم اضطهاد كل الوطنيين الشرفاء الذين كانوا يناضلون بوطنية صادقة ضد الإستعمار، ولم يرضوا بديلا عن السلطان المنفي بديلا، وكيف كان أوفقير يقود حملات عسكرية في الجبال والغابات للقضاء عليهم.

ويحكي مؤرخون كيف كان حزب الإستقلال برئاسة علال الفاسي يغازل الإستعمار ويفاوضه سرا من أجل موقع قوي على هرم السلطة في مغرب ما بعد الإستقلال.

ورغم كل ما جرى تغاضت الدولة على من كان يطعنها بالأمس القريب، وتحول هؤلاء إلى وطنيين وملكيين أكثر من الملك، إلى أن استفاق الوطن على محاولات إنقلابية متكررة، كان ظاهرها عسكري وباطنها تواطئ سياسي وحزبي، ونجى المغرب بألطاف إلاهية من مخالب هذه المخططات الدامية، لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع بين اليسار والملكية أضاع المغرب فيها سنوات من الهاجس الأمني، وانعدام الديموقراطية، والإتهامات المتبادلة، ومعارضة وفرت لها الجزائر وفرنسا الرعاية والإحتضان، لكن سرعان ما تحول موقف الدولة في عهدها الجديد من هؤلاء ففتحت لهم الأبواب وتم تعويضهم بالملايين، فتحول النضال إلى مزاد علني للبيع والشراء، ليصطفوا لأخذ المقابل عن أيام تآمرهم على الملكية ومحاولات إسقاط النظام وإشعال الفتنة، وتخابرهم مع أعداء الوطن آنذاك.

وإذا كانت فكرة تكريم الإنقلابيين الفاشلين وتعويضهم، فكرة مقبولة في عهد حقوق الإنسان، وفي عهد دولة جديدة تريد أن تطوي صفحة الماضي، فإني لا أجد تفسيرا منطقيا للمبالغة في هذا التكريم إلى حدود أن يصبح المغرب بكل مؤسساته رهينا لليسار الثوري، ورهينا لماضيه الذي سمي بسنوات الرصاص، في محاولة لا تنتهي من الإبتزاز المستمر، فمن التعويض المادي، إلى التعيين في المناصب العليا، إلى امتيازات لا محدودة، إلى أن بلغ الأمر إلى تجميعهم في حزب سياسي منحت له كل الوسائل المشروعة ولا مشروعة ليصير بين ليلة وضحاها أكبر حزب في المملكة، الكل يخاف منه والكل يحتاط من بطشه، لكن فشل هذا المشروع ومخاطره في فتح الدولة ومؤسساتها أمام أعداء الأمس سرعان ما ينكشف، لأن من تعود على الإبتزاز لا يمكن أن يتغير بمرور الزمن، وقد لاحظتم كيف بدأ لشكر يلوح بملف المهدي بنبركة، وكيف سارع شباط إلى تهديد وزير الداخلية، وكيف أعلن إلياس العمري طعنه السياسي في الإنتخابات، وكيف تحالفوا جميعا في مقر حزب الإتحاد الإشتراكي ليلة الإعلان عن فشلهم في انتخابات الرابع من شتنبر.

إن هذا المشروع السياسي الذي سارت فيه الدولة المغربية منذ عهود قد أعطى الإنطباع للجميع، أن المناصب والإمتيازات والسلطة لا تمنح إلا لمن يبتز أكثر، ويهدد أكثر، ولكل من له ارتباطات سياسية أو حقوقية خارجية، كما نتج عنه تحول خطير في المفاهيم، فتحول الوطني الصادق إلى عميل للمخزن، وتحول الخائن والعميل إلى مناضل وحقوقي، هذه المفاهيم الحديثة في النضال السياسي هي التي أدت إلى تحول الأحزاب إلى دكاكين لبيع التزكيات لسماسرة الإنتخابات،  وتحول الزعماء إلى شبه أفاعي يغيرون جلدهم ومواقفهم حسب مصالحهم، وتحولت المؤسسات الدستورية المنتخبة في غالبيتها إلى تجمع للرائشين والجهلة ومن لا مبادئ لهم .

لهذا فليس من المستغرب إذا غدا عاد زكرياء المومني إلى المغرب، متوجا بريات النصر، ومنحت له تعويضات بالملايين على الأيام التي قضاها في سب المغرب وطنا وشعبا، وربما منح له منصب وزير الشباب والرياضة، فما دمت في المغرب فلا تستغرب، بينما أتحول أنا الذي تقدمت بدعوى قضائية ضده دفاعا عن كرامة المغاربة وقيمة الجنسية والهوية الوطنية، إلى جلاد وعميل.

إن هذا المنطق في منح هذا الكم الهائل من الإمتيازات لمناضلي الإسترزاق، وتهميش وتحقير الصوت الوطني الحر والصادق، هو ما يؤدي بالمغرب إلى هذه الإخفاقات المتوالية سواء في إقناع الشباب والشرفاء بالعمل السياسي النبيل، أو بإحياء العمل الحزبي والسياسي الميت، أو بالدفاع عن قضايانا الوطنية وعلى رأسها قضية الصحراء المغربية، وهذا ما سيؤدي بنا إلى السكتة القلبية ما لم يتم تدارك الأمور قبل فوات الأوان.

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

*

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة سياسي الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.