«حواتمة»: على رغم «الربيع العربي» فإن ثوراتنا لم تكتمل ولم نتغير للأفضل


أخر تحديث : الأربعاء 6 يناير 2016 - 10:25 مساءً
«حواتمة»: على رغم «الربيع العربي» فإن ثوراتنا لم تكتمل ولم نتغير للأفضل

القاهرة – جريدة الوفد المصرية – صلاح صيام
مع حلول يناير من كل عام يتجدد الحديث عن ثورات المصريين تجديدًا لذكرى 25 يناير التي أطاحت بالرئيس الأسبق حسني مبارك، على رغم أن الأمور بعد كل هذه السنوات تبدو غامضة في ضوء عدم استتباب الأمور بعد. وقد يكون هذا هو الحال في المنطقة ككل وأكثر سوءًا مما تعيشه مصر، وهذا هو ما يرصده الكتاب الجديد الذي صدر عن دار الثقافة الجديدة لنايف حواتمة. وقد يستدعي ذلك البحث في روح الثورات الأمر الذي استدعى من الهيئة العامة لقصور الثقافة إعادة طباعة كتاب قديم لسلامة موسى بعنوان: «الثورات» يتحدث فيه عن الظاهرة بشكل عام. وأما الهيئة المصرية العامة للكتاب فقد راحت تدلي بدلوها من خلال اعتزامها إصدار سلسلة بعنوان: «تأملات في ثورات المصريين»، صدر الجزء الأول منها عن ثورة 23 يوليو للكاتب محمد عبدالفتاح ابو الفضل.
في كتابه الرائع ومن خلال طبعته الخامسة التى صدرت أخيرًا عن دار الثقافة الجديدة، أكد نايف حواتمة أن الانتفاضات والثورات العربية تمثل مرحلة عربية ثورية جديدة، ولا يمكن أن يفر منها أي بلد عربي. وقد أسقطت أنظمة الاستبداد والفساد في أقطار عربية، وفتحت طريق الشعوب للكرامة والحرية، الديمقراطية التعددية، والعدالة الاجتماعية كما تبلورت في الميادين. وأشار إلى أن الثورات العربية لم تكتمل، ولم تنجز الديمقراطية التعددية ودولة المساواة في المواطنة بدون تمييز بالعرق والجنس والدين والمذهب، وبين المرأة والرجل، وقوانين انتخابات التمثيل النسبي الكامل.
وعن نجاح ثورتى تونس ومصر وتعثر الثورات في كل من ليبيا واليمن والبلدان العربية الأخرى يقول «حواتمة»: في تونس ومصر سارت الأمور سالكة ومتسارعة ودامية لعوامل داخلية في الأساس، ففي تونس توجد طبقة متوسطة أكثر مما هي عليه من حيث اتساعها من مصر هذا أولاً، والانتفاضة الشبابية التي انتقلت من العالم الافتراضي؛ عالم التواصل الاجتماعي، ونزلت إلى الأرض، إلى العالم الواقعي، جرت المبادرة من أوساط نسائية وشبابية من أبناء الطبقة المتوسطة، وهذه الطبقة المتوسطة تعرضت بالعشريتين الأخيرتين في تونس لكثير من عمليات التآكل والتدهور بفعل سياسة الاستبداد والفساد، والسياسة الاجتماعية ـ الاقتصادية التي تقوم على السياسة «النيوليبرالية» التي تؤدي إلى استقطابات طبقية أقلية تتمتع بالحجم الأكبر من الثروة، والأغلبية الساحقة تتدهور أوضاعها أكثر فأكثر هذا عامل أول، والعامل الثاني هناك تراث تاريخي عقلاني، وحديث في تونس منذ منتصف العشرين موصول بتراث قديم، فأنتم عندكم «ابن خلدون، أبو القاسم الشابي، فرحات حشاد، الطاهر الحداد»، عندكم نضالات نقابية مبكرة جداً ومثمرة في أعمالها أيضاً، حتى إن الحركة النقابية أقوى من الأحزاب الكلاسيكية الموجودة بالبلاد.
ثالثاً: الخطاب العقلاني نسبياً بدأ يشق طريقه في تونس بعد الاستقلال عن الأجنبي، خطاب ذو نزعة تقدمية، ذو نزعة حداثوية، يتصل بالحاضر، بالمستقبل، وليس خطاباً ماضوياً يدعو إلى الماضي
رابعاً: هذه العوامل مجتمعة ومع التدهور الاقتصادي – الاجتماعي في صفوف الطبقات الشعبية والفقيرة، والحجم الأكبر من البطالة وخاصة في صفوف أبناء الطبقة الوسطى. على سبيل المثال يحضرني رقمان: رقم بصفوف خريجي الثانويات يوجد بطالة 39% وبصفوف خريجي التعليم العالي يوجد 32%، وعليه هذا الوضع يجعل من تونس بؤرة قادرة على الانطلاق، لأن الظروف الموضوعية ناضجة للانتفاضة والثورة، وجاءت شرارة «البوعزيزي» لتشعل السهل كله في تونس.
في مصر أيضاً الطبقة الوسطى طبقة واسعة ولكن بالقياس بحجم الشعب، ليس باتساع الطبقة الوسطى في تونس. ثانياً: في التراث التاريخي المصري الحديث وخاصة منذ مطلع القرن التاسع عشر، حركة محمد علي، ومحاولات تصنيع البلاد، ثم بالقرن العشرين المرحلة الليبرالية الواسعة من عام 1919 – 1952، ثم في ثورة 23 يوليو والتحولات الهائلة التي جرت فيها، ثم نسفت وحذفت هذه التحولات بالثورة المضادة من داخل مؤسسات ثورة 23 يوليو على يد أنور السادات، ومن حول السادات أيضاً، تجعل من الحالة المصرية حالة جاهزة والظروف الموضوعية جاهزة.
لكن العامل الذاتي كان الغائب الأكبر الذي يشعل هذا السهل، وبالتالي الشبيبة من أبناء الطبقة الوسطى والطبقة العاملة الذين يعانون من حالة التآكل والتدهور والبطالة، هم الذين نقلوا العامل الذاتي من العالم الافتراضي؛ عالم التواصل الاجتماعي، إلى العامل الواقعي على الأرض، وأخذت الأمور مجراها ووجدوا فعلاً أن الظروف الموضوعية ناضجة، هذا لم تكتشفه الأحزاب التقليدية ولا حتى النقابات الكلاسيكية، كما أن جهاز الدولة الاستبدادي بكل مكوناته لم يستشرف أن الأزمة الطاحنة زلزال يتململ، وعليه أن يتخذ خطوات معينة … لهذه العوامل اشتعلت بتسارع كبير وبكثافة واسعة شعبية، فتحقق المكسب الكبير الأول «الشعب يريد إسقاط النظام»، أي «الشعب يريد الاستقلال الجديد»، نسميه الاستقلال الثاني عن الاستبداد والفساد.
مسار ومصير الثورة ما زال مفتوحاً حول قضايا لم تكتمل بعد، وفي مقدمتها الديمقراطية الشاملة، دساتير وقوانين انتخابات ديمقراطية شاملة، وتمكين القوى الجديدة في المجتمع أن تكون شريكة بالقرار في كل المؤسسات الجهوية والمؤسسات التشريعية والتنفيذية للدولة فهذا لم يقع بعد حتى يصبح ممكناً بناء ديمقراطية جديدة حقيقية، تشترك فيها كل مكونات الشعب، والدخول في عصر العدالة الاجتماعية، أي تكبير حجم الاقتصاد بتدخل ومساهمة الدولة، بما يؤمن بداية التماس مع الثورة الصناعية، وتدخل الدولة أيضاً بالرعاية الاجتماعية الذي غاب في ظل السياسة النيوليبرالية التي تورطت بها البلدان العربية منذ مطلع السبعينيات، بناء على وصفات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، أي بناءً على طلبات المركز الرأسمالي العالمي، وربط بلدان العالم الثالث كأطراف في خدمة هذا المركز سوقاً مفتوحة لبضائعه وسلعه، وهذا أدى إلى التسارع في تونس ومصر.
في البلدان العربية التي أشرتم لها (اليمن وليبيا وغيرها). درجة التطور في صفوف الطبقة الوسطى، درجة التطور في الفكر الذي يقارب العصر يقارب الحداثة، درجة التطور في المجتمع أدنى مما هي في تونس ومصر، كما أن هناك عوامل من نمط آخر في ليبيا واليمن: الجهوية والفئوية والعشائرية والقبلية عالية، وكذلك الحال الطائفية والمذهبية والإثنية، هذه معوقات تشد شداً عكسياً، كما أن العامل الذاتي ليس ناضجاً كما في تونس ومصر، ومع ذلك الشباب انتقلوا من العالم الافتراضي إلى العالم الواقعي في ظل استعصاءات، في مقدمة هذه الاستعصاءات العوامل التي ذكرتها: الزجّ بالجيش والأجهزة الأمنية منذ اللحظة الأولى بكاملها في ميدان الصراع بين الجانبين، بدلاً من أن يأخذ دروس التجربة التونسية والمصرية، من أجل اختزال الزمن والجلوس على مائدة الحوار الوطني الشامل، وإيجاد الحلول للقضايا التي طرحت في مسار الصراع الجاري.
ويؤكد «حواتمة» أن الثورات والانتفاضات الشعبية حتى الآن تعاني … لم تكتمل، الذين صنعوا هذه الثورات والانتفاضات ليسوا شركاء حتى الآن بالقرار اليومي والقرار المرحلي والقرار الاستراتيجي، وبالتالي هناك محاولات من الثورة المضادة أن تجمع قواها لتحول هذه الثورات من ثورات شعبية لها برنامج؛ إلى مجرد تغيير الطابق الفوقي في السلطة، أي تغيير أشخاص بأشخاص، هناك الخطورة الكامنة المقلقة، ولذلك علينا أن نستوعب الدروس الإيجابية بالتجربة التونسية الثورية وبالتجربة المصرية بالثورة الشعبية، ونكمل عليها وليس أن نبدأ من «المربع الصفر» في كل بلد، في اليمن وليبيا وأي بلد آخر في البلدان العربية.
إذا كانت رؤية تنظيرية لمسار الربيع العربي الذي تحول لخريف من قبل شخصية مثل «حواتمة» فربما تكون إعادة قراءة كتاب عمره 61 عاما هو كتاب الثورات لسلامة موسى ضرورة ملحة هنا لفهم ما جرى للوعى الثورى عند الشعوب، والمقدمات التى أدت إلى اشتعال الثورات ليس فى أوروبا وحدها بل فى جميع قارات العالم, فالكاتب يرى أن الاستبداد يصبح إجراما تستحيل معه الحياة وأن جميع الثورات في العالم تجري «على أسلوب لا يتغير هو اضطهاد سابق يجمد ويتعنت ولا يقبل المفاوضة ثم انفجار ثم تغيير يؤدي إلى محو هذا الاضطهاد» وفي العادة تقوم طبقة بالدعوة إلى الثورة ثم ينضم إليها الشعب حين يرى عدالة موقفها وشرف غايتها بعد معاناته من وجود طبقة متسلطة غير منتجة لا تشعر بالمسئوليات الاجتماعية ويرى الشعب حتمية الثورة عليها.
ويكاد المفكر المصري الراحل سلامة موسى يسجل شعارا يطلقه كثير من المصريين بعد نجاحهم في خلع الرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2011 وهو «الثورة مستمرة، فيشدد موسى على ضرورة حراسة مبادئ الثورات بعد نجاحها لأن المستبدين والطغاة يتناسخون ولا يردعهم شيء فكلما قامت ثورة ونجحت في إزاحة طاغية ظهر آخر.
ويقول إن الثورات يقوم بها الأحرار لتحقيق مبادئ الشرف والعدالة والحرية وإن هذه المبادئ «مكافحة متجددة تحتاج إلى الحراسة الدائمة والبعث المتوالي… حتى تربي الإنسان على أن يكون إنسانيا.
ويقول موسى في الكتاب الذي صدر للمرة الأولى عام 1954 إن الحاكم المستبد هو ثمرة مجتمع من الفاسدين من «القوادين إلى السماسرة إلى البغايا إلى الجواسيس… واللصوص» ضاربا المثل بملك مصر السابق فاروق الأول «ولو أن فاروق وجد مجتمعا سليما لما فسد» حيث أنهت ثورة 1952 حكم فاروق وأنهت حكم أسرة محمد علي (1805-1952(.
ويقول إن التاريخ يسجل أن الثورات تتقدم وتستمر مهما يحدث من تراجع عن مبادئها في بعض الفترات مستشهدا بنابليون بونابرت الذي «فسق بمبادئ» الثورة الفرنسية ولكنه لم يستطع إلغاء هذه المبادئ فبعد أن نفي إلى جزيرة سانت هيلانة «هب الشعب الفرنسي يستعيد هذه المبادئ ويسترشد بها. ويرى أن الثورات ثمار لأفكار وكلمات  تعبر عن الظلم والاستعباد فالعبيد الأميون لا يفكرون في أنهم مضطهدون مشددا على أن هذا التصور يطرح على المثقفين مسئولية كبرى باعتبارهم «الضمير اليقظ» الذي يردع الطغاة عن التمادي في طغيانهم.
ويستعرض نماذج لمثقفين مصريين «ساوموا على ضمائرهم وفسقوا بعقولهم ومدحوا فاروق وأباه (الملك فؤاد) بالشعر والنثر» إذ دافع بعضهم عن حل البرلمان 1925 في يوم انعقاده وأيد بعضهم الملك فؤاد في وقف العمل بالدستور 1928 لينالوا رتبة الباشوية وأيد البعض إلغاء الدستور 1930.
وربما يستكمل كتاب عبد الفتاح أبو الفضل الصورة وإن كان يقدم لنا حديثا عن ثورة يوليو حيث يشير إلى ثورة يوليو ففي حقيقتها كانت مرحلة من مراحل الكفاح المصري لتحقق الاستقلال التام والعدالة الاجتماعية وذلك منذ أيام الخديو إسماعيل الذي انفرد بالتصرف بمصر وثروتها ومقدراتها لمصلحة الأجانب. ويشير الكاتب إلى ان كل الثورات في العالم لها أعداؤها وثورة 23 يوليو وباقي ثورات مصر كان لها أعداؤها أيضا فثورة عرابي بعد هزيمة الجيش المصري من الجيش البريطاني واحتلال مصر عادت جميع السلطات لأعداء ثورة عرابي على يد الاحتلال البريطاني.
وبعيدا عن تفاصيل ما جرى فيما بعد يوليو 52 الأمر الذي تناولته الكثير من الكتابات يقدم لنا الكاتب تمييزا مهما بين مظاهر الثورة أو المساعي لتغيير الأوضاع فهناك الحركة أو الانتفاضة وهي الظاهرة التي تحدثها المؤسسة الوطنية باعتبارها طليعة الأغلبية المقهورة بإحداث حالة من التظاهر أو التمرد أو الاحتجاج أو حتى المقاومة العلنية والعنيفة دون أن تتمكن من إزاحة المؤسسة الحاكمة المستغلة القديمة. وهناك الانقلاب من خلاله تحدث المؤسسة الوطنية المتجاوبة مع الأغلبية المقهورة التغيير في الهيكل الإداري فقط في مؤسسة الأقلية الحاكمة السابقة وذلك بإزاحة الحكومة السابقة عن مراكزها الإدارية والسياسية والسيادية. وأما الثورة فيتم من خلالها إحداث التغيير الكامل في قمة السلطة القديمة وإزاحة هيكلها الإداري بكامل مؤسساته من سلطة السيادة.
ولا شك أن تطورات الربيع العربي وما تشهده المنطقة قد يمثل اضافات تغير أو تؤكد بعض الثوابت المتعلقة بالنظر للثورات وهو ما قد يشهده سوق النشر عن كتب الثورة في الفترة المقبلة.
كتاب نايف حواتمة «الثورات العربية لم تكتمل»
الطبعة الأولى: تشرين ثاني/ نوفمبر 2014 عن «الدار الوطنية الجديدة”. دمشق – سوريا، «دار الفرات للنشر والتوزيع – بيروت، شركة دار التقدم العربي للصحافة والطباعة والنشر – بيروت/ لبنان.
الطبعة الثانية: غزة/ فلسطين – مركز الحرية للاعلام.
الطبعة الثالثة : دار المسار للنشر – رام الله – فلسطين.
الطبعة الرابعة: دار جريدة الأهالي – عمان – الأردن.
الطبعة الخامسة: دار الثقافة الجديدة – القاهرة – مصر.

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

*

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة سياسي الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.