الحليمي ينتقد الاقتصاد المغربي ويضع خارطة طريق الخروج من النفق والأزمات


أخر تحديث : الخميس 28 يناير 2016 - 8:31 صباحًا
الحليمي ينتقد الاقتصاد المغربي ويضع خارطة طريق الخروج من النفق والأزمات

قال أحمد الحليمي علمي،المندوب السامي للتخطيط حول الميزانية الاقتصادية التوقعية لسنة 2016، ان سنوات 2015 و2016 سياقا وطنيا ودوليا يتميز بمجموعة من المتغيرات الاقتصادية. غير أني لن استعرض ضمن هذا التقرير المشهد الاقتصادي الدولي الحالي ولا الجغرافيا المتباينة لنموه، بل سأكتفي بالإشارة إلى أن اقتصاديات الدول الصاعدة والنامية تواصل تأثرها بالسياسات المالية التقشفية لاقتصاديات الدول المتقدمة وبانخفاض أسعار المواد الأولية والتحولات التي يعرفها الاقتصاد الصيني، على خلفية التباطؤ الملحوظ للتجارة العالمية.

الإمكانيات الماكر واقتصادية

وفي هذا السياق، استفاد المغرب خلال سنة 2015 من تراجع الأسعار العالمية للمواد الطاقية والمواد الأولية. وقد مكن هذا الانفراج من تسهيل إصلاح صندوق المقاصة، دون ارتفاع ملموس للمستوى العام للأسعار وتقليص اختلال التوازنات الماكر واقتصادية: تقليص عجز الميزانية إلى 4,4-% من الناتج الداخلي الإجمالي، تراجع العجز التجاري للسلع ب 18,7% والعجز الجاري لميزان الآداءات 3,2-% من الناتج الداخلي الإجمالي في هذه الظروف، ستصل الموجودات الخارجية الصافية، إلى حوالي 224,6 مليار درهم سنة 2015، حيث ستمكن من تغطية 6,8 أشهر من الواردات من السلع والخدمات. وسينتقل عجز السيولة البنكية من 68,4 مليار سنة 2013 إلى 16,5 مليار سنة 2015.

غير أن الظرفية الاقتصادية، تتميز بتأثيرات الظروف المناخية على الاقتصاد الوطني والمساهمة المتواضعة للأنشطة غير الفلاحية في نموه.

وهكذا فإن التساقطات المطرية التي أدت إلى تحقيق موسم فلاحي استثنائي خلال سنة 2015، تصنف الموسم الفلاحي 2015-2016 من ضمن السنوات الأكثر جفافا التي عرفتها بلادنا. وبالتزامن مع بروز ظاهرةالنينيو، يفترض أن يكون الموسم الفلاحي الحالي شبيها بسنوات 1995 و2007، سواء على مستوى التساقطات المطرية أو توزيعها المجالي والزماني. وسجلت القيمة المضافة للقطاع الفلاحي خلال هاتين السنتين تراجعا ب 41% و20,8% على التوالي، حيث ستعرف سنة 2016، حسب توقعاتنا، انخفاضا ب 10,2%، قبل أن تتم مراجعتها فيما بعد على أمل تحسن الظروف المناخية خلال شهري فبراير ومارس.

غير أن تأثير الجفاف على النشاط الفلاحي، سيتقلص سنة 2016، نتيجة التحسن النسبي للزراعات السقوية وإنتاج زراعات التشجير، التي تستفيد من تناوب دورة الإنتاج، وكذا نتيجة الاحتياطيات المهمة من الأعلاف وتحسن الوضعية المادية الفلاحين، بعد الموسم الفلاحي الجيد خلال سنة 2015، فضلا عن تقوية برامج الاستثمار والدعم التقني والمالي لمخطط المغرب الأخضر.

وبفضل هذه البرامج، يتعين الشروع في مسلسل طويل لتحديث هياكل القطاع الفلاحي وتحسين إنتاجيته. غير أن هذا القطاع سيواصل تأثره بالظروف المناخية وبالتالي تأثيره على النمو الاقتصادي. إن الظاهرة البنيوية التي تطرح نفسها اليوم تكمن في ضعف نمو القطاع غير الفلاحي، حيث انتقلت وتيرة نموه من 4,7% سنويا خلال الفترة 2004-2012 إلى 2% خلال 2013-2015. ويعزى هذا التراجع إلى التباطؤ الكبير لأنشطة القطاع الثالثي التي تمثل 66% من القيمة المضافة للأنشطة غير الفلاحية. وساهمت أنشطة الخدمات المالية والعقارية والخدمات المقدمة للمقاولات، والتي بلغت حصتها في هذه الأنشطة 32%، والمرتبطة بالفروع الحديثة للاقتصاد، بشكل كبير في هذا التراجع. وانتقلت وتيرة نموها من 5,9% كمتوسط سنوي خلال الفترة 2004-2012 إلى 1,8% سنة 2015. بالإضافة إلى ذلك، عرفت الخدمات غير التسويقية، التي تأثرت بالسياسة المالية التقشفية، تراجعا في ديناميتها بعد الارتفاع الملحوظ خلال الفترة 2003-2013.

بالإضافة إلى تراجع قطاع الخدمات، تأثرت الأنشطة غير الفلاحية بضعف القطاع الثانوي، الذي يتكون أساسا من الأنشطة التقليدية، كصناعات النسيج والصناعات الغذائية، حيث واصلت حصتها في إجمالي الصادرات انخفاضها، لتنتقل من 40% سنة 2007 إلى 29% سنة 2015. إن القطاعات الصاعدة للمهن الجديدة كصناعة السيارات والطائرات، التي عرفت دينامية مهمة، ساهمت في تحسين مستوى تنافسية صادراتنا، غير أنها لم تتمكن من النهوض بالنسيج الإنتاجي ومن الرفع من القيمة المضافة للقطاع غير الفلاحي.

إجمالا، وبناء على زيادة القيمة المضافة للقطاع الفلاحي ب 14,2% وارتفاع أنشطة القطاع غير الفلاحي ب 1,8 %، فإن تقديراتنا للنمو الاقتصادي تخلص إلى تحقيق معدل في حدود 4,4% سنة 2015، وهي نفس الوتيرة المتوقعة في الميزانية الاستشرافية الصادرة خلال شهر يونيو من سنة 2015. وبخصوص توقعاتنا لتطور الاقتصاد الوطني، فإن النمو الاقتصادي سيصل إلى حوالي 1,3% سنة 2016. ويعزى ذلك إلى تراجع حصة أنشطة القطاع الفلاحي لتستقر في حدود 12,7%، والذي ستقارب نتائجه تلك المسجلة خلال المواسم الفلاحية الجافة. كما يعزى ذلك أيضا إلى وتيرة النمو المتواضعة للأنشطة غير الفلاحية التي قدرت ب 2,2%.

وفي ظل هذه الظروف، سيواصل الطلب الداخلي تراجعه الملحوظ نتيجة مجهودات الاستثمار غير مدعمة وتراجع للاستهلاك. وفي هذا الإطار ستعرف نفقات استهلاك زيادة ب 2,9%، وهو أدنى معدل تم تسجيله على مدى الثمانية السنوات الماضية. ومن جهته، سيواصل الاستثمار الإجمالي سلسلة تراجعاته لينتقل من34,7% من الناتج الداخلي الإجمالي سنة 2013 إلى 29,6% سنة 2016. ويتعلق هذا المنحى التنازلي خاصة ب استثمارات المقاولات، في سياق يتسم بتراجع التمويل، لتنتقل وتيرة النمو السنوية للقروض البنكية من 6% خلال الفترة 2009-2011 إلى 3,6% خلال الفترة 2012-2014.

وفي نهاية هذا المدخل حول الميزانية الاقتصادية لسنة 2015 وتوقعاتها خلال 2016، اسمحوا لي أن أبدي بعض الملاحظات :

فعلى مستوى الماكرو اقتصادي، تتلخص هذه الملاحظات في ثلاث نقط :

  • بجانب المجهود المبذول من طرف المغرب لتقويم الاختلالات الاقتصادية الأساسية لابد من الانتباه إلى النزعة الانخفاضية للطلب الداخلي الذي يشكل المصدر الأساسي لنمو القطاع غير الفلاحي، وذلك رغم التحكم في التضخم إلى حدود من بين أدنى المستويات المعروفة في العالم، ورغم الوضعية المريحة للسيولات النقدية المستفيدة من إعادة تراكم احتياطات العملة الصعبة ؛  
  • رغم المساهمة المتنامية، ولو بمستويات ضعيفة، للطلب الخارجي في النمو، فإن هذه المساهمة تبقى ذات طابع ظرفي ما لم يتقو العرض الإنتاجي القابل للتصدير ويعرف تنوعا في بنياته وارتفاعا في إنتاجيته، وهذا ما يحيل على إشكالية النزعة التباطئية للأنشطة غير الفلاحية ولضعف تنمية محيطها الإنتاجي ؛
  • فيالوقتالذييكتسيأكثرمنأيوقتمضىدورالاستثمارطابعااستراتيجيالضمانتحسندائمللنمووالتشغيل،يلاحظأنانخفاضعجزالميزانيةالعامةيتحققمنخلالخفوتمجهودالاستثمارالعموميدونأنيعوضهمجهودالرأسمالالخاصولاأنتدعمهسياسةنقديةاعتماداعلىماتوفرلهاالوضعيةالدوليةالمواتية.

أما على مستوى الظرفية الاقتصادية، فيبدو لي من الضروري إبداء ما تثيره من مخاوف التهديدات التي تتربص بالماشية والتشغيل والدخل لدى المزارعين، وكذا بالموارد المائية التي من المحقق أن تعرف توترات حقيقية في حالة عدم تحسن الظروف المناخية.

وفي هذا الصدد، يجب إثارة الانتباه إلى ما تكتسيه هذه الظرفية من إعادة طرح إشكالية الفقر والفوارق الاجتماعية والمجالية التي قد تنطوي عليها تطورات الوضعية في العالم القروي وعلى الصعيد الوطني.

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

*

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة سياسي الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.