اليسـار المغربـي معارك وتحديات


أخر تحديث : الجمعة 11 مارس 2016 - 1:42 مساءً
اليسـار المغربـي معارك وتحديات

كمال عبد اللطيف
نتجه في هذه المقالة للحديث بطريقة أخرى عن حاضر اليسار المغربي، ونوجِّه نظرنا أساساً نحو التحديات التي واجهته ولا تزال تُواجهه بِصُوَّر مختلفة، الأمر الذي يستدعي التَّوَقُّف أمام بعض معاركه، للنظر في كيفيات مواجهته لطبيعة الصراع السياسي والاجتماعي في بلادنا. فقد ظل اليسار بمختلف تياراته بل وفي مختلف أطوار هذه التيارات، الوريث الفعلي للحركة الوطنية، في استقلاليتها ومنزعها التقدُّمي وانفتاحها على مكاسب التاريخ والمعرفة في عالمنا.
يرتبط حديثنا عن راهن اليسار المغربي بأسئلة الانتظارات السياسية في واقعنا، ذلك أننا لا نخوض في هذه المقالات في قضايا نظرية خالصة، بل إننا نهتم أساساً بكيفيات تطوير آليات العمل اليساري في ثقافتنا ومجتمعنا. وعندما نقول آليات العمل اليساري، نفكِّر أساساً في القيام بما يسمح بتوسيع وتدعيم منطق الفكر التاريخي في ثقافتنا وفي مجتمعنا. فنحن نسلِّم بأن لليسار في التاريخ سمة بارزة تميِّزُه عن باقي تيارات الفكر والسياسة في مجتمعنا، إنه سليل نظرة تعتمد أولاً وقبل كل شيء، مبدأ المُعايَنَة التاريخية للظواهر والأحداث، قصد فرز نوعيات الصراع الدائرة في المجتمع.

تابع ص 1

يُمكن حصر أبرز التحديات التي تواجه اليسار المغربي اليوم، في ثلاث قضايا كبرى تتفرَّع عنها مجموعة كبيرة من المشاكل، التي تحتاج دائماً إلى مواقف محدَّدة. وسنكتفي بتحديد القضايا الكبرى نظراً لأهميتها المتزايدة، في دائرة الصراع السياسي المتجدِّد في مجتمعنا. تتعلق القضية الأولى باليسار نفسه، تتعلق بخياراته ومرجعيته، بتاريخه وحاضره ومستقبله، وهي تحديات لا يمكن مواجهة غيرها من التحدِّيات القائمة في مشهدنا السياسي إلاَّ بإيجاد المخارج المناسبة لها أولاً وقبل كل شيء، حيث يُفْتَرَض أن يعين اليسار حدوده، مواقع أقدامه، ويستوعب جدليات الصراع في تاريخه. وقد أصبحت هذه المسألة مُلِحَّة جداً في الراهن المغربي، حيث تُرَاوِح التيارات اليسارية الخُطَى بين التحالفات الجزئية والشكلية، وصوَّر التشرذم المتواصلة والمصحوبة بإعلانات في التعاون والتقارُب والتنسيق يغلب عليها طابع النوايا الطيبة، وتبتعد عن دوائر الفعل الملتزم بأفق وخيارات مضبوطة.
لا يحصل تعيين لحدود اليسار في مشهدنا السياسي إلا بمحاولات تنجز قراءة استرجاعية للمؤشِّرات الكبرى، الصانعة لجوانب هامة من ماضيه وحاضره، إن قوة اليسار المنتظرة تَبْرُز في كيفية إنجازه لهذه المواجهة الضرورية والمطلوبة. وإذا لم يتم ذلك بصورة سريعة ويقظة، سنواصل العَدّ العكسي لمسيرة تشهد اليوم علامات نهايتها المتصاعدة بإيقاع محزن.
يُواجِه اليسار المغربي أيضاً، معركة ثانية مع النظام السياسي القائم بأسمائه المختلفة، حيث يمكن مواصلة الجهود النضالية التحديثية لدمقرطته، وذلك بمزيد من توسيع درجات المشاركة في الشأن العام، وترسيخ قيم التعاقد والمواطنة، الأمر الذي يترتَّب عنه الانخراط الجدي للقوى اليسارية في إعداد العُدَّة اللازمة لذلك، دون إغفال تركيب جملة من الأفعال والمواقف التي تُبْرِزُ كفاءة القوى المذكورة في عمليات التعبئة والتأسيس لأفق جديد داخل دوائر الآفاق العديدة والمتنوِّعة، التي نَسَجَهَا اليسار في تاريخ المغرب المعاصر، ذلك أن مواجهة اليسار لأسئلة التحدِّيات الثانية، تسمح بعودته المنتفضة والفاعلة داخل المشهد السياسي المغربي. أما التحديات الثالثة، فترتبط بوضعية التعدُّدية الحزبية وتعدُّدية اليسار، حيث نفترض ضرورة مساهمة اليسار بالأفعال المشار إليها، وهو الأمر الذي سَيَنْتُجُ عنه عند تَحَقُّقِه، بناءُ تعدُّدية حزبية عقلانية ومعقولة.
إنَ أوان القول بأن واقع العمل الحزبي في المغرب، في كثير من أَوْجُهِه المرتبكة والمُفبركة في سياقات محدَّدة، يُعدّ محصلة لتجربة طويلة في مجال الصراع السياسي. وأن كثيراً من عيوبه ولَّدتها تدخلات السلطة في تركيب الخرائط المنسجمة مع آلياتها في العمل السياسي، المساعد على مزيد من الضبط والهيمنة.. لا يعني هذا أننا نبرئ الفاعلين في المجال الحزبي من عيوب أخرى بارزة أيضاً في آلة العمل الحزبي، قدر ما نريد الاحتراز من نقد لا يراعي مختلف الشروط التي ساهمت في تراجع العمل الحزبي، والشروط التي ساهمت في عدم تطوُّر وتطوير الديمقراطية الداخلية داخل هياكل الأحزاب ومؤسساتها المختلفة.
لا نشك في الطابع المُعقَّد والمُركَّب للتحديات التي سطَّرنا في الفقرات السابقة، بل إننا نُقِرُّ أن مختلف التحدِّيات التي تواجه العمل السياسي في مجتمعنا مُرَكَّبة، الأمر الذي يدعونا إلى مواجهتها بأساليب في العمل مركَّبة أيضاً. صحيح أن اليسار طَبَّعَ مع الأحزاب الإدارية، وأن أغلب تجليات العمل الحزبي تحكمها آليات في العمل يشترطها النظام السياسي الجامع، إلا أن كل هذا قابل لإمكانية التفكيك والتجاوز.
إن صلابة التحديات التي يواجه اليسار في محيط العمل الحزبي في مشهدنا السياسي، تعادلُها صلابة أخرى ترتَّبت عن تجربة اليسار نفسه في العمل السياسي، نحن نشير هنا إلى تركة الخلل التنظيمي التي تحملها كثير من أجنحته وتياراته، كما نشير إلى عدم قدرة كثير من مُكَوِّنَاتِه على تجاوز إرثها التقليدي في كيفيَّات التعامُل مع تحوُّلات المجتمع والقيم في مجتمعنا، إضافة إلى كل ذلك، يُواجِه اليسار جملة من الأحكام المُسْبَقَة عن تياراته وعن معاركه ولغته، دون أن يُكَلِّف نفسه عناء الالتفات إلى صراعات الراهن، وهي صراعات تحمل في بعض أبعادها جوانب مُحَدَّدة من تَرِكَة عقود من أخطاء اليسار التاريخية في التصوُّر والممارسة.
لنتوقَّف على سبيل المثال أمام أسئلة تحديث الذهنيات، أسئلة تحديث الدولة والمجتمع. ففي هذه الموضوعات بالذات يمكن لليسار المغربي أن يُبادِر ببناء التصوُّرات والأفكار، ويُعَمِّم الأوراش والملتقيات، التي تفكر في كيفيات التحديث المكافئ والمُطابِق للتحديات التي يواجهها مجتمعنا اليوم، حيث ينتعش الفكر المحافظ بصورة غير مسبوقة في حاضرنا. لم نُدْرِك بصورة تاريخية أن سؤال العدالة والاشتراكية تستوعبه تاريخياً أسئلة التحديث والمواطنة وحقوق الإنسان. كان الأستاذ عبد الله العروي قد نَبَّه منذ ما يزيد عن أربعة عقود، إلى أن الأوضاع في المغرب تشبه أوضاع روسيا وإسبانيا وإيطاليا والبلقان، في أزمنة تَعَرُّف هذه الأخيرة على مقدِّمات الفكر الماركسي، الأمر الذي جعله يُقِرُّ بضرورة إيلاء جهد وعمل متواصل من أجل تحديث مجتمعنا، تحديث قِيَّمِه في المدرسة والجامعة والمصنع والمقاولة، وتحديث تنظيماته السياسية والنقابية، ومختلف مؤسسات العمل المدني.
نفترض أن سؤال التحديث في بلادنا لا يُعَدُّ اليوم مفتاحاً لتيار سياسي بعينه، إنه سؤال يتعلق بطور من أطوار تحوُّل المجتمعات البشرية في التاريخ، ولأن المغرب يُواجِه اليوم محاولات في نشر أفكار قادمة من أزمنة خلت، فستكون مختلف طلائعه وعلى رأسها اليسار بمختلف تشكيلاته أن يُدافِع بِشراسة عن التحديث باعتباره الطريق المناسب لإبداع حداثة ذات صلاتٍ بصيرورة تطوُّر الفكر والمجتمع والسياسة في بلادنا. إنه في هذه الحالة لا يتراجع عن أي خيار من خياراته، ولا يتخلَّى عن أفق العدالة وتكافُؤ الفرص، بل إنه ينخرط في تهييء الشروط التي تُعَجِّل بالاقتراب من الأفق المذكور. إن اليسار المغربي وهو يُواجِه التيارات المُحافِظة وينخرط في الدفاع عن كونية القيم التاريخية والعقلانية في عالمنا، بجانب تنظيمات ومؤسسات المجتمع المدني الحقوقية والثقافية، يصنع سمة من سمات تَمَيُّزِه عن اليسار الأوروبي واليسار العالمي. وهنا تُصبح قوته مُتَمَثِّلة في المعطيات والنماذج التاريخية التي سيستحضر ويبني داخل دوائر الصراع الحاصل اليوم في مجتمعنا.
وإذا كانت الطلائع السياسية اليسارية المغربية، قد خاضت في سياق شروط تاريخية محدَّدة، معاركها الهادفة إلى تحقيق المشروع الاشتراكي، فإننا نتصوَّر أنه يحق لها في شروط مغايرة، أن تُعِيد النظر وبلغة التاريخ أيضاً، في بعض القيم التي ناضلت من أجلها، خاصة عندما تكون جُهُودُها الفعلية مرتبطة بأسئلة وقضايا بعيدة نسبياً وآنياً عن الأفق الاشتراكي.
إنني أتصوَّر أن على قوى اليسار مجتمعة أن تتسلَّح اليوم بالشجاعة الكافية، للقول بأننا نراجع بعض قيَّمنا مرحلياً، ولا نتخلَّى عنها. فلا أحد يمكنه أن يؤاخذ أحداً على مراجعته لمواقفه السياسية والنظرية. ونحن نتعلَّم من التاريخ أن الخطأ الأكبر، لا يتمثَّل في إنكارنا ما نتبيَّن أهميته بعد فوات الأوان، بل في مواصلة الاعتقاد الخاطئ به، رغم إدراكنا لمحدودية وظيفته في الراهن. وهذا الأمر ندرجه في باب لزوم التمييز بين المستويات، لحظة مقاربة إشكالات العمل السياسي.
ينبغي الانتباه في هذا السياق إلى أن ما يجري اليوم في الواقع المغربي بعد مظاهرات 20 فبراير 2011 وما تلاها، يكشف عَوْدَات إلى ثقافة ما قبل حركة الشيخ محمد بن العربي العلوي وعلال الفاسي في نقدهما معاً للإسلام الطُّرُقِي والإسلام السلفي، فقد كانا معاً يُدافِعان عن إسلام مُستنِير، ويُناهضان الزوايا والنَّزعات الطرقية وأخواتها النصيَّة في التعامل مع التصوُّرات والنصوص الدينية. وقد ساهما في منتصف القرن الماضي في بلورة وعي مغربي جديد استعانت به النُّخَب السياسية إذ ذاك، في بناء دعامات الفكر العقلاني والخيارات السياسية التاريخية التي بلورتها الحركة الوطنية بمختلف أجنحتها. وإذا كانت معارك اليوم في الجبهة الثقافية والسياسية ترتبط بإشكالات جديدة، يدعمها وعي شبكي مُتَعَوْلِم وعابر للحدود، وتحملها شبيبة بمواصفات مختلفة عن شباب مغرب الاستقلال وبداياته، فإن مواجهتها تتطلَّب أسلحة متطوِّرة وعتاداً يُحَوِّل معطيات العوالم الافتراضية إلى أدوات جديدة صانعة لأنماط من المواجهات المطلوبة، في عالم يصعب تنميطه رغم كل آليات التنميط المستعملة. فهل بإمكان أجنحة اليسار أن تعيد بناء أرصدتها وصوَّر عملها بما يناسب أشكال العطب الذي يتربَّص بها؟

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

*

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة سياسي الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.