أنقذوا الوطن


أخر تحديث : الأربعاء 6 أبريل 2016 - 9:27 صباحًا
أنقذوا الوطن

سعيد الوزان
يجتاز المغرب مرحلة دقيقة وحرجة في تاريخه المعاصر تكاد تكون مفصلية، حيث تتجاذبه العديد من التيارات الجارفة التي تريد خلط الأوراق وتشتيت الانتباه عن تفعيل الدستور وإنجاح معركة الانتقال الديمقراطي الحاسمة،والتي من شأن الفشل فيها أن يخلف تداعيات كبيرة وخطيرة على مستقبل اللعبة السياسية برمتها.

وغير خاف على أي متتبع،أن اتجاها سياسيا بعينه، ولد”خديجا” في دهاليز الظلام بمباركة الدولة البوليسية التي كان الراحل ادريس البصري يحكمها بقبضة من فولاذ ونار، ونمى وترعرع خارج السياق الطبيعي للأشياء،فصار مثل النبات الطفيلي يقتات من هامش المشهد ويقوي وجوده رويدا رويدا،حتى أصبح “بعبعا” يستقوي على المجتمع والدولة على حد سواء، يشتغل بأجندة خفية تريد أن ترتد بالبلاد إلى قرون خلت،في تساوق تام مع تنظيمه الدولي وحركته العالمية التي كشفت عن وجهها البشع في العديد من الأقطار،خصوصا في أرض الكنانة،معقل نشأتها الأول.

لقد انتعش هذا التيار، الذي كان إلى حدود مطلع التسعينيات من القرن الماضي محدود العدد والعدة، ليصبح ذا نفوذ وحضور طاغيين، بفضل اللعبة المزدوجة التي يمارسها ويتفنن فيها، وبفضل ما عرف ب”الربيع العربي” الذي قلب الأوضاع رأسا على عقب،وخلق حالة من الارتباك الشامل،ليقفز هذا التيار الذي عادة ما يوصف بالرجعي والظلامي إلى أعلى مراتب الدولة،ويحصل على رئاسة حكومة لم تجد ما تفعله،سوى تقزيم الفاعلين السياسيين الحقيقيين، وشيطنة المعارضين، في أفق القضاء عليهم ليخلو لها المجال وتنتقل إلى مرحلة الاستبداد والطغيان، ولتضرب في العمق، حاضر ومستقبل الديمقراطية في هذا البلد.

ثم إن الوصفة السحرية التي يعتمدها هذا التيار، ذو الوجهين،الظاهر والخفي، بسيطة للغاية غير إنها ناجعة، فهو عادة ما يلعب دور الضحية، ويتمادى في اللعبة ليستجدي الأصوات المتعاطفة وليكسب مزيدا من المساحات في مشهد يريدونه ملتبسا وغامضا، وهكذا نجد بعض قياديي هذا الحزب يلوحون بشعارات رنانة وبراقة،من قبيل: الدولة العميقة ،وعودة الهيمنة والتحكم، مع الاستنجاد بقاموس هلامي يوظف لغة ساذجة وبسيطة تذر الرماد على العيون، من قبيل العفاريت والتماسيح والفخاخ والكمائن، في استعداء صارخ لذكاء شعبنا وقدرته على التمييز بين الصالح والطالح،وبين الغث والسمين.

وحتى يكون الكلام في الصميم، يمكن القول دونما مواربة، أن الحزب الحاكم ببلادنا، والذي كما هو غني عن البيان، ليس سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد الذي يحجب حقيقة حركة انقلابية نكوصية، لا تؤمن لا من بعيد ولا من قريب بالديمقراطية الحق وقيمها الكونية، ولا تؤمن بالاختلاف،ولا تؤمن بالعدل وبالحرية، عادة ما يقوم بهجوم استباقي في كل محطة حاسمة من تاريخ النضال الديمقراطي ببلادنا، ومن تكريس مفهوم الدولة الحديثة التي تقوم على مبدأ فصل السلطات وتوازنها،حيث يشحذ كل أسلحة التباكي وادعاء دور الضحية، ويسلط على الرقاب سيف “ذهنية المؤامرة”، ليوهم المغاربة أن هناك أطرافا لا تريد لحزب العدالة والتنمية وحركته الدعوية الغامضة الوقوف في الشمس، والحال، أن الحقيقة ليست كما يريدون الترويج لها، بل الحقيقة الخالصة هي أن الجميع، نخبا سياسية وفاعلين، لا يريدون شيئا من هذا الحزب/ التيار، سوى أن يتحول إلى كائن طبيعي واضح الخطاب والممارسة، بل والمعالم حتى.

إن هذا الحزب، يقفز في تحاذق عجيب على مقومات هذا البلد، وعلى قوانينه ومؤسساته التي ارتضاها المغاربة لدولتهم، حتى إنه لحد اليوم، لا زال يركن على الرف دستورا متوافقا عليه،ولا يريد تنزيله وتطبيقه على أرض الواقع، بل ويمارس نوعا من الانتقائية المقيتة لبنوده، دون احترام لأبسط مقوماته، وهكذا نجد رئيس الحكومة، للأسف، يستحوذ على الصلاحيات كافة، حتى تلك التي لم يخولها له الدستور، ويريد أن يحول باقي السلطات، وخصوصا منها التشريعية إلى مرتع له ولأتباعه يصنع فيها ما يشاء.

إنه يريد جاهدا أن يخمد المعارضة ويدجنها، بل إنه يعمل على إذابة كل الهيئات السياسية، وخصوصا منها تلك المتحالفة معه في الحكومة في فرن استقوائه وتعاليه وأنانيته المفرطة، في ضرب سافر لأبسط مقومات الممارسة السياسية، ولما ينص عليه دستور البلاد، وكم طالعناه وهو يرغي ويزبد في الجلسات الشهرية داخل قبة البرلمان،التي كان ينبغي أن تكون جلسات لمساءلة الحكومة،فإذا به يفرغها من مضمونها الديمقراطي النبيل ويحولها إلى جلسات محض انتخابوية.

إن المرحلة التي يجتازها مغربنا اليوم، تقتضي أكثر من أي وقت مضى رص الصف الديمقراطي والوطني، في مواجهة كائن سياسي طفيلي يعمل جاهدا على دك الصرح الديمقراطي الذي قدم المغاربة أرواحهم لبنائه، واسترخصوا في سبيله كل غال، وهو ما يقتضي التحلي باليقظة وعدم الالتفات إلى التفاصيل، ففيها يكمن الشيطان كما يقول المثل الانجليزي المأثور، بل الواجب هو إذابة كل الخلافات الجانبية والعمل على إنقاذ الوطن من براثن تيار الظلام هذا،والذي يريد أن يسدل أستاره البائسة على حاضر ومستقبل البلد، ويقوض كل بناء وكل إرادة للتحرر وترسيخ دولة المؤسسات والديمقراطية والعدالة للجميع.

فقد علمتنا دروس التاريخ أن الحركات الانقلابية، جميعها، لا تكشف عن وجهها البشع إلا عند لحظة التمكين، واليوم، في بلادنا هذه، بدأنا نتلمس كيف أن تيارا رجعيا ومنغلقا ومبهما، آخذ في الزحف على مهل للتغلغل في مفاصل الدولة والمجتمع في انتظار قلب الطاولة… وحينها لا قدر الله، على مغربنا السلام..

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

*

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة سياسي الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.