“كيف نشفى من حب تونس”


أخر تحديث : الجمعة 20 مايو 2016 - 4:43 مساءً
“كيف نشفى من حب تونس”

محمد احداد
مرت سنوات كثيرة عن آخر جملة تلفظ بها الرئيس التونسي الهارب زين العابدين بنعلي: أنا فهمتكم، ومضى التونسيون، بالمقابل في التأسيس لتجربتهم التي تبدو مختلفة في المحيط الإقليمي الغارق في الدماء والتناحر الطائفي والقبلي. اختار الساسة التونسيون أن يقنعوا قواعدهم المنهكة من تجربة بنعلي الموسومة بالحديد والنار، بأن الحوار هو الوسيلة الوحيدة كي لا يتحول ما كان ربيعا تونسيا إلى خريف ينذر بتفكك بنيات الدولة على مختلف المستويات.

بطبيعة الحال، للحوار كلفة، ولبناء تجربة ديمقراطية جديدة مؤسسة على التوافق وإصدار دستور جديد، وبناء مجلس تأسيسي وتشكيل حكومة منتخبة كلفة أيضا، لكنها ليست أكثر فداحة من كلفة الاستبداد، الذي يمتلك حراس وحواريين يدافعون عن وجاهة بقائه، بل وتحس أن جزء لا بأس به من الشارع التونسي بدأ يقتنع أن مرحلة بنعلي كانت أفضل على المستوى الاقتصادي خاصة بعد تراجع القطاع السياحي بسبب الأحداث الإرهابي واتجاه الدولة إلى مزيد من الحذر الأمني.

منذ القدم كان الصراع بين الاستقرار والاستبداد، أما بنعلي فكان يريد أن يثبت للجميع أن هذه الوصفة يمكن أن تتآلف في نظام واحد دون أن يؤثر الواحد على الآخر، وإذا كان هذا الاعتقاد قد نجح في السيادة لمدة طويلة، فإن متغيرات الربيع الديمقراطي استنبتت شروطا جديدة مسنودة بقوة جديدة تتمثل في شبكات التواصل الاجتماعي، مستعيضة عن الاستبداد المستحكم في نفوس طبقات مسحوقة وغير متعلمة اطمأنت لوقت طويل للوصفة “البنعلية”.

ما الذي يعنيه أن يقول سائق طاكسي أو عامل في فندق أو حارس أمن في ملعب، أن الحنين إلى مرحلة ما قبل الثورة التي فجرها البوعزيزي أصبح حقيقة يؤمن بها تونسيون أنهكهم الفقر وقلة ذات اليد وتراجع سعر العملة وتراجع القطاع السياحي وارتفاع نسبة البطالة؟ معناه شيء واحد هو أن الصراع مع الاستبداد والتحكم الذي يحوز وسائل كثيرة منها الإعلام والمؤسسات الاقتصادية الكبرى ليس بالسهولة التي تصورها الثوار المأخوذين بحماسة إسقاط نظام بنعلي.

الحوار في تونس قطع أشواطا مهمة جدا، والفرقاء السياسيون، مهما وصلت خلافاتهم، أدركوا أن التنازل هو المخلص الوحيد من أزمة وشيكة ستوفر مشتلا خصبا للجماعات الإرهابية من جهة ثم تفتح الباب أمام مصراعيه أمام أحفاد “بنعلي” للتحكم في مفاصل السياسية والاقتصاد من جديد. لذلك، لا غرابة أن ينصت الإسلامي للعلماني والنقابي للسياسي، فما كان في فترة سابقة يشكل خطا أحمر بالنسبة لحزب النهضة ضد العلمانيين التونسيين بسبب “إرث” الحبيب بورقيبة صار قابلا للتفاوض، وعلى هذا الأساس وجد الرباعي التونسي الفائز بجائزة نوبل للسلام ظروفا صحية قبل انطلاق الحوار التونسي- التونسي، ووجد شخصيات سياسية آثرت أن تحكم العقل بدل العاطفة من مثل منصف المرزوقي ورشيد الغنوشي.

كلما تأخرت التجربة التونسية في منح الاطمئنان للطبقات المتضررة من تراجع الاقتصاد كلما اتسعت دائرة الغاضبين من الثورة ومن مآلاتها، فالمواطن العادي، وإن كان سعيدا برحيل بنعلي لكنه لا يفهم تعقيدات السياسة، وكل ما يعرفه أن على حدوده دولة ليبيا غارقة في أوهام أعراقها الصافية وقبائلها المتناحرة، ولا يريد أن ينتهي بلدهم إلى نفس المصير التراجيدي.

مع ذلك، فإن الثورة التونسية، ما تزال ملهمة للشعوب التواقة للتحرر من معاقل الاستبداد، وما تزال حلما ملفوفا بكثير من الرومانسية. في مسيرة محمود درويش بكى مرتين، وفي إحدى تلك المراتب كان يقرأ قصيدته الشهيرة”كيف نشفى من حب تونس”:

كيف نشفى من حب تونس الذي فينا مجرى النفس

لقد رأينا في تونس من الألفة و الحنان والسند السمح ما لم نره في أي مكان آخر

لذلك نخرج منها كما لم نخرج من أي مكان آخر

نقفز من حضنها إلى موطئ القدم الأول

في ساحة الوطن الخلفية

*صحافي في “المساء”

medalmassae@gmail.com

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

*

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة سياسي الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.