نوفل بلمير: التحكم هو نتاج سيرورة تاريخية مليئة بالألم و الانتكاسات، الخيانة و الغدر


أخر تحديث : الثلاثاء 28 يونيو 2016 - 2:28 صباحًا
نوفل بلمير: التحكم هو نتاج سيرورة تاريخية مليئة بالألم و الانتكاسات، الخيانة و الغدر

بقلم: نوفل بلمير

دروس في التحكم

طفى مؤخرا على السطح مصطلح “التحكم” و كثر استعماله و توظيفه بشكل سطحي لتفزيع “الآخر”، هذا “الآخر” الذي عاد في زماننا أكبر فاعل سياسي حاضر الوجدان و مستتر الكيان.

يتخيل للبعض أن ذاكرتنا قصيرة، و أن تغيير المفردات و تكييفها مع ما تقتضيه الظرفيات، قد يغير الماضي و يمحي المواقف السابقة ..

المصداقية لا تكتسب بالتجني و لا بالضوضاء الصاخبة لا تكتسب على حساب الشرفاء من أبرار هذه البلاد ..

فالبقاء يعود للمواقف التاريخية و إن حاول البعض إخفاءها.

الغريب في الأمر، أن هؤولاء من يستعملوا مصطلح “التحكم” شاركوا بكثافة و قناعة في حملة التصويت بنعم على دستور 2011 و جعلوا من هذا الإبداع المنقطع النظير في الديمقراطية و حقوق الإنسان كتابا مقدسا و مرجعا أساسيا يستندون إليه في كل اللحظات (بلاغات حزبية، خطابات سياسية، حملات إنتخابية، خرجات إعلامية …)

هللوا و صفقوا بشدة و بكل إمتنان و إخلاص لما حمله من نعمة و خير على هذا البلد.

لا بد و أن تقارير هيئة الإنصاف و المصالحة شاهدة على ضحايا الاستبداد، من ربطوا استقلال البلاد بضرورة إقرار الدولة الوطنية الديمقراطية، من رفضوا إخضاع حزب الاستقلال لوصاية الأقليات و أسسوا الجامعات المتحدة في 25 يناير 1959.

الحديث اليوم عن “التحكم” لا ينسينا مرارة غدر الإخوة الأعداء، من تحالف مع الاستبداد ضدا على المشروع الديمقراطي الذي حملته الحركة الاتحادية، لا ينسينا أن حكومة محمد الخامس في 27 ماي 1960 التي حلت محل حكومة عبد الله إبراهيم – أول تجربة إنتقالية تم إجهاضها- كان محمد الدويري وزيرا للإقتصاد و المالية فيها.

كيف ننسى أن حكومة أحمد عصمان التي تلت إنتخابات 1977 المزورة، كان محمد بوستة وزيرا للخارجية فيها.

التحكم لا يخلق بين عشية و ضحاها التحكم هو نتاج سيرورة تاريخية مليئة بالألم و الانتكاسات، الخيانة و الغدر، محطات تاريخية لم يكن الوعي الديمقراطي حاضرا فيها بالنسبة لهؤولاء، حيث انزووا إلى الوراء جبنا و وهنا، تاركين الشرفاء يناضلون من أجل هذا الوطن و يواجهون مصائرهم المجهولة، اختطافات، اعتقالات و اغتيالات.

لا بد و أن ثاني إنتكاسة للإنتقال الديمقراطي في المغرب، تتعلق بحكومة 2002 حين تم الإخلال بالمنهجية الديمقراطية و كان لحزب الاستقلال نصيبا كبيرا في هذا التراجع. ألم، يكن ذلك ليساهم في تقوية نزعة التحكم؟

ألم تكن الإنتخابات الجماعية 2003 محطة التحالف مع أحزاب التحكم على المستوى المحلي و هو ما فلت على الأحزاب الوطنية تسيير مدن كالدار البيضاء و الرباط.

ألم يقدم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية مذكرة الاصلاحات الدستورية، قبيل إنتخابات 2009، مطالبا باقرار الملكية البرلمانية تماشيا مع مقررات مؤتمره الثامن، و صدر أول جواب رسمي على هذه المذكرة، في برنامج على القناة الثانية، من طرف عباس الفاسي شريكنا أنذاك في الكتلة و وزير أول يتهم فيه الاتحاد بالابتزاز السياسي، في غياب تام لأدنى عبارات اللباقة و المروءة.

الاعتراف بالتحالف مع التحكم في مرحلة من المراحل ليس عيبا، و العيب في انتحال صفة المحارب الصنديد من خرج من الحكومة ضدا على التحكم و عاد للتحالف معها لأنها عادت لجادة الصواب بعدما اكتشف أن العيب لم يكن فيها بل في وزرائه. صحيح أن المغرب لم يتخطى بعد الشرط الديمقراطي المتعلق بفصل السلط و فصل الدين و الثروة عن السياسة و إحترام حقوق الإنسان، صحيح أن الوافد الجديد عبارة عن تجمع للمصالح و حزب خلق في ردهات وزارة الداخلية، لكن هذا لا ينسينا الأحزاب التي خلقت من كنف نفس الوزارة و الوافدون الجدد السابقون من عرفوا بتعاملهم مع الكومسير الخلطي و كانوا أداة في يد التسلط لمحاربة اليسار و التقدميين في هذا البلد، من ناصروا إخوان عبد الكريم مطيع أثناء محاكمتهم إثر إغتيال عمر بن جلون.

لذلك فالتحكم هو جزء من الممارسة السياسية التي هيئت و وفرت الشروط لوجوده، فمن يعتبر الدستور الحالي متقدما على سابقيه و يصادق على أول قانون متعلق بالتعيينات في المناصب السامية و يتخلى على إختصاصاته، ألا يحن للتحكم؟

من يترأس حكومة الدستور الجديد و لا يشرف على الانتخابات تاركا لأم الوزارات صلاحية تحضير القوانين، ألا يشتاق للتحكم؟ من يتمسك بالأحكام الزجرية ضدا على الحريات الفردية ألا يتمسك بقوانين تقليدية تشرعن التحكم و التدخل في حياة الأفراد و الأقليات؟

لا بد و أن للتحكم جذور و ذهنيات، متجدرة في الموروث الثقافي و السياسي للأحزاب المحافظة، و استعمال هذا المصطلح اليوم دون استحضار المشروع الديمقراطي في شموليته يفقد لهذا التذمر – المتأخر- معناه الحقيقي.

لا زالت الإمكانية متاحة لاستدراك هذه التعثرات الديمقراطية التي طالت الممارسة السياسية، لمحاربة التحكم الديني و المالي و الإداري و الحزبي، لكن هذا المراد لن يتحقق إن حاول كل طرف الإفلات بجلده و التنصل من مسؤوليته لنيل الغنيمة الانتخابية، لن يتحقق إن أصبح مصطلح التحكم بدون معنى، من يريد محاربة الاستبداد يدافع على دمقرطة الدستور و تعديله و إقرار قوانينا و مراسيما ديمقراطية و يمارس السلطة التنظيمية بشكل تشاركي يدفع بالبلاد إلى تحقيق مزيدا من المكتسبات نحو الديمقراطية.

الحركة الاتحادية أرقى من هذه المغالطات السوفسطائية و فخورة بإنتمائها المرجعي و المتجانس مع قناعتها التي تصبو دائما إلى تحقيق الديمقراطية مما يجعلها حية ترزق لأن الفكرة لا تمت كما تنذثر فزاعات الأفلام الكارتونية.

اتـرك تـعـلـيـق 0 تـعـلـيـقـات

* الإسم
* البريد الألكتروني
* حقل مطلوب

البريد الالكتروني لن يتم نشره في الموقع

شروط النشر:

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

*

ان كل ما يندرج ضمن تعليقات القرّاء لا يعبّر بأي شكل من الأشكال عن آراء اسرة سياسي الالكترونية وهي تلزم بمضمونها كاتبها حصرياً.