صلح الحديبية بين حسن البنا وسليمان العمراني

محمد رضا الرحماني: متخصص في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين

أثارت الخرجة الأخيرة “للقيادي” الإخواني في حزب العدالة والتنمية سليمان العمراني، مجموعة من ردات الفعل وأسالت الكثير من المداد وتفاعل معها العديد من المدونين على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.

وإذا كانت أغلبية ردات الفعل قد تفاجأت من محتوى التصريحات التي ربطت التحالفات السياسية المحتملة مع بعض التقعيدات الفقهية وصلت إلى حد اعتبار التنازل على بعض المواقف والتراجع على بعض الثوابت التي سطرها الحزب في رسم تحالفاته ب”صلح الحديبية”، فإننا، وبحكم ارتباطنا بالظاهرة الإخوانية لسنوات عديدة، نرى أن المدعو سليمان العمراني لم يخرج عن النسق الإخواني الذي يحكم علاقة تيار الإخوان المسلمين مع “الآخر” الذي غالبا ما تنتفي فيه صفة الإيمان ويسقط عنه لقب الإسلام.

لقد سبق حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين ومرشدها الأول، أن أحال على صلح الحديبية في سياقات لا تختلف كثيرا عن السياقات التي أشار إليها المدعو سليمان العمراني. وفي في هذا السياق، يقول حسن البنا: “ومع هذا فقد رحب الإسلام بالوسائل السلمية وإنهاء الخصومة متى أدت هذه الوسائل إلى الاعتراف بحق الكمال لأصحابه، (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) (لأنفال:61) . وما خير النبي صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن محرماً , ومن السلم المفاوضة إذا أوصلت إلى الحق الكامل , وقد فاوض رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية، ومن السلم التحاكم إذا أدى إلى هذا الحق أيضاً . وإن كنا لا نعلم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم – أو أحد من الخلفاء الراشدين المهديين رضي بتحكيم كافر . ولكنه مقتضى عموم الآية , ولازم الاتفاق على الخير ، الذي لا يمنعه الإسلام بين المسلمين وغيرهم متى كان فيه مصلحة لهم وليس فيه ضرر عليهم . ص 221

إن استدلال المدعو العمراني بصلح الحديبية بين الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وبين كفار قريش وإسقاطها على واقعة سياسية مرتبطة، فقط، برسم بعض التحالفات المرحلية لتشكيل حكومة يفترض أن تبقى في نطاق تقريب البرامج السياسية والاقتصادية لما يخدم مصلحة المواطن المغربي بالأساس، يجعلنا نزداد اقتناعا ويقينا على تشبع قيادات حزب العدالة والتنمية بالعقيدة الإخوانية في مناهج التحرك ومنابع التلقي.
من خلال هذا التوصيف، يضع العمراني نفسه وحزبه في مصاف الصحابة الكرام في مواجهة مجتمع جاهلي وكافر يُفترض التعامل معه وفق التقعيدات الفقهية التي أطرت لتعامل رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الكفار في صدر الإسلام. وهنا نجد حسن البنا، مؤسس الجماعة، يركز دائما على هذا المعطى في تعامله مع باقي الفرقاء السياسيين في مصر فيقول في رسائله: “نحن أيها الإخوان ولا فخر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه منزلتكم فلا تصغروا أنفسكم فتقيسوها بغيركم، فمن اتبعنا فقد فاز بالسبق، ومن رغب عن دعوتنا فإن الله سيقذف بحقنا على باطله فيدمغه» (رسائل حسن البنا ص 88).

ويستمر حسن البنا في إضفاء طابع من القدسية على حركته وأتباعه بالقول: “قد يقول الناس لكم لا زلتم غامضين فقولوا لهم نحن الإسلام أيها الناس”. ويقول في موضع آخر: “من أراد أن يفهم الإخوان فليمسك بمصحفه وليجرد نفسه من الهوى وليرى ما عليه القرآن فهذا هو الإخوان”.
إن هذه الإحالات تفيد بمنطق الاستعلاء القطبي الذي يحكم جميع الممارسات السياسية لقيادات حزب العدالة والتنمية، على اعتبار أنهم يعتبرون أنفسهم “الفئة الناجية” و”جماعة المسلمين” التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وعلى الباقي الخضوع لإملاءاتهم وتوجيهاتهم إذا أراد البقاء ضمن خانة “المسلمين”.

إن المقياس والمرجع عند حزب العدالة والتنمية ليس البرامج أو الرؤى السياسية والاقتصادية التي يمكن بلورتها ضمن نطاق تحالفات موضوعية تكون، بالضرورة، قاعدة التحالفات السياسية، وإنما المقياس عندهم هو رؤيتهم وتأصيلهم وتوجيههم على اعتبار أنهم يمثلون الإسلام الحق في مواجهة باقي الفرقاء السياسيين الخارجين عن دين الله وملة رسوله الكريم. وفي هذا يقول حسن البنا: “وموقفنا من الدعوات المختلفة التي طغت في هذا العصر ففرقت القلوب وبلبلت الأفكار أن نزنها بميزان دعوتنا فما وافقها فمرحبا به و ما خالفها فنحن براء منه و نحن مؤمنون بأن دعوتنا عامة محيطة لا تغادر جزءا صالحا من أية دعوة إلا ألمت به و أشارت إليه” (الرسائل ص 8).

إن أسلوب الخطاب عند المدعو سليمان العمراني، الذي تأخون بالأمس، لا يخرج عن قناعة باقي قيادات حزب العدالة والتنمية بمن فيهم السيد رئيس الحكومة المكلف السيد سعد الدين العثماني الذي لازال يؤمن بثنائية دار الإسلام ودار الحرب ويؤكد في جميع المداخلات التي تابعناها عن النبع الإخواني الذي ينتمي إليه، حتى أن أحد الدعاة المصريين المشهورين ويدعى محمود عبد الرزاق الرضواني يكشف في إحدى برامجه على أن السيد سعد الدين العثماني هو المراقب العام لجماعة الاخوان المسلمين في المغرب. هذا التقسيم للعالم الذي لازال يتبناه السيد سعد الدين العثماني، نجده نصا عند مرشد الجماعة ومؤسسها حسن البنا حين يقول: “ولهذا المعنى أيها المسلمون نفر المسلمون , بعد أن اختار نبيه – صلى الله عليه و سلم – الرفيق الأعلى في أقطار الأرض , قرآنه في صدورهم و مساكنهم على سروجهم و سيوفهم بأيديهم , حجتهم واضحة على ألسنتهم يدعون الناس إلى إحدى ثلاث : الإسلام أو الجزية أو القتال , فمن أسلم فهو أخوهم له ما لهم و عليه ما عليهم , و من أدى الجزية فهو في ذمتهم و عهدهم يقومون بحقه و يرعون عهده و يوفون له بشرطه , و من أبى جالدوه حتى يظهرهم الله عليه , (وَيَأْبَى اللهُ إِلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ) (التوبة:32) . (الرسائل ص30).

خلاصة القول، أن ما صرح به المدعو سليمان العمراني يؤكد بالدليل القاطع والحجة الثابتة، تماهي أطروحات حزب العدالة والتنمية، الذراع السياسي لحركة التوحيد والإصلاح، مع أدبيات الحركة الأم في مصر، على اعتبار تبنيهم لنفس الاستراتيجية في الانتشار الجماهير والاختراق المؤسساتي في أفق الوصول إلى ما يصطلح عليه في أدبيات التنظيم ب”مرحلة التمكين”.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*