أين نحن من أبى وأمى

نوال السعداوي

 

هل يمكن لرجل أو لامرأة أن تتحرر، وهى تعيش عالة على غيرها؟ وهل يمكن لدولة أن تستقل وهى تعيش على معونات من خارجها؟ هذا السؤال، يدور فى رأسى، كلما تفجرت قضية اللامساواة بين المرأة والرجل، وكلما انفجر دمل المعونة الأمريكية المزمن، منذ أصبح «السادات» رئيسا لمصر.

 

 

أتذكر مقولة أبى، فى طفولتى: لا يأكل الرجل أو المرأة الحرة إلا من إنتاجها وعرق جبينها «، وكان أبى ناقدا للمقولات الموروثة ومنها: «المرأة الحرة لا تأكل بثدييها» وهى عبارة متناقضة خادعة، تؤكد انتماء المرأة لفصيلة الثدييات، رغم كونها من فصيلة الإنسان، وتظل حقوق المرأة غائبة عن وثائق حقوق الإنسان حتى اليوم. ولد أبى فى العام الأول من القرن العشرين، وكان متفوقا فى دراساته بالأزهر ودار العلوم والقضاء الشرعى وكلية المعلمين، وكان مرشحا للسفر الى فرنسا، لكن زميلا أقل كفاءة منه وأكثر قربا من الحكام، اقتنص مكانه فى البعثة، وسافر ثم عاد من باريس، ليصبح وزيرا مرموقا أو مفكرا عظيما.

 

 

كان يمكن لأبى أن يشتهر فى التاريخ، لو أنه أطاع السلطات العليا، لكنه عاش منسيا منفيا، معارضا للحكم الملكى وسطوة الإنجليز، وناقدا لمناهج وزارة المعارف والمؤسسات الدينية، وكان شيخ الأزهر يشيد بالملك الصالح، ويدعو له فى الصلوات بطول العمر، وأن يحفظه الله ذخرا للبلاد. وتم إقصاء أبى عن مكانه ليكون قاضيا بالمحاكم الشرعية، فتصدى لجماعات النص القطعى الثابت، غير القابل للاجتهاد أو التجديد، والذين لا يعلو صوتهم إلا فيما يتعلق بالنساء وقد نشأ أبى بالريف، وشاهد المرأة تزرع الأرض بفأسها، تنتج الطعام بعرقها، وتتولى الإنفاق على أسرتها مع الرجل، أو وحدها، حين يموت زوجها بالبلهارسيا، أو يطلقها شفهيا، ناطقا كلمة طالق، وهو يتجشأ بعد العشاء، أو يتزوج بغيرها لنزوة طارئة، مثنى وثلاث ورباع، أو ينتقم منها، أو من أهلها، فينكر نسبه لابنه أو ابنته، وكم من أهوال وأحوال، تصبح فيها المرأة هى المعيلة الوحيدة للأسرة، أو منبوذة من أهلها. تتغاضى الإحصاءات عن عمل الفلاحات وربات البيوت، وغيرها من أعمال السخرة المفروضة على النساء دون أجر، رغم أنهن عماد الإقتصاد الرأسمالى، منذ نشوء النظام الطبقى الأبوى أو العبودية، تتجاهل الدولة حقوق النساء فى قانون الأحوال الشخصية، وقانون العقوبات، وغيرها من القوانين، لأنهن بلا قوة سياسية منظمة، وليس لهن اتحاد نسائى قادر على الضغط والتظاهر، مثل اتحاد العمال، أو اتحادات العبيد فى عصور الرق، وتتجاهل جماعات النص الثابت القطعى، مآسى الإرث والنسب والطلاق الشفهى وتعدد الزوجات وغيرها، مما يدمر الأسرة ويؤدى الى الانفحار السكانى، الذى يشكو منه الجميع. منذ خمسة وثمانين عاما، دافع أبى فى المحاكم الشرعية (قبل إلغائها) عن حق المرأة فى الإرث، التى يطلقها زوجها شفهيا، بعد أن تشتغل معه بالأرض سنوات شبابها، كيف يحرمها القانون من حقها فى الأرض لمجرد أن زوجها نطق كلمة «طالق» قبل موته؟.

ودافع أبى عن حق المرأة فى خلع زوجها، وأكد فى المحكمة، قبل أن يصدر قانون الخلع بأكثر من نصف قرن، أن هذا الحق مكفول لها شرعا. الزواج من إنسان عظيم الأخلاق (غير مسلم) كان مستعدا لاعتناق الإسلام، لكن أبى قال له: «الأساس هو جوهر الإنسان، وأنا أثق فى ابنتى، وأومن بحريتها فى الاختيار، كما أن الإيمان بغرض الزواج باطل مثل الإيمان بالوراثة»، وكان زميلى طبيبا بمستشفى الأمراض الصدرية، إنتقلت إليه عدوى الدرن الرئوى من المرضى، الذين يسهر على رعايتهم، ومات ينزف الدم قبل أن نعيش معا.

هذا اليوم البعيد من عمرى، ورد فى كتابى «أوراقى حياتى» المنشورمنذ أربعة وعشرين عاما، وعاد الى ذاكرتى بالأمس، وأنا أتابع الانتصار المبهر لنساء تونس، لتحقيق المساواة بين الجنسين، طبقا للدستور التونسى الذى بعتبر اختيار المرأة لزوجها من صميم حريتها الشخصية وحرية الضمير، بصرف النظر عن دينه أو جنسه أو جنسيته، وتذكرت أبى الذى مات منذ ستين عاما، والذى شجعنى هو وأمى، على الصدق والتركيز على جوهر الإنسان، وصرف النظر عن الظواهر والتفرقة الموروثة.

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*