الاديب صالح هشام ينعي الشيخة خربوعة بطريقته الخاصة .. يسقط جذع العيطة الزعرية

بقلم الأستاذ : صالح هشام 

تشغل الفنوغراف ،تستل أسطوانة قديمة من غشاء مزين بصورة المرحوم ،وبعنوان جميل بخط عربي مضغوط : [صوط عليه يطيب ] !

لفة ، لفتان ، يكبو الفونوغراف ، يتعثر ، تعلق شوكته بالأسطونة ، يتوقف نبضه الكهربائي تماما ! – ماذا دهاه ، أعلق به غبار الزمن ؟ أ توقف بتوقف أنفاس صاحبه ؟ أدخل في عطالة أو بطالة ؟ في ركن قصي من غرفة المرحوم ،تقبع أشياؤه محروسة لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها ، لا يمسها الجن الأزرق : كمنجة قديمة باهتة دون أوثار، علبة رزينة سوداء ، مزهرية مكسرة ، أزهار بلاستيكية صفراء ، مبعثرة فوق منضدة خشبية ، صورة المرحوم بشاربه المعقوف ،في إطار جميل منقوش ، يشنقها مسمار بارز مهترىء ، أكله الصدأ !

تمسح الأسطوانة بكم قفطانها، تزيل عنها الغبار : -خمس وأربعون لفة ؟ ولا لفة ، ولا دندنة يا لحظي العاثر! تشعر بشوكة حادة ، تذبحها، وتقطع وريدها ، تمنعها من التنفس ، تكاد تختنق : -لا لفة ٠٠لا لفة ٠٠ لا لفة ، توقفت اللفات ، لفظ الفونوغراف أنفاسه الأخيرة ؟ ربما توقف في غفلة مني ، وأنا أتلمظ حلاوة ليال حمراء ،و أنتشي باستمناء الذاكرة ، لكن أهو الغبار أفسد الأسطوانة ؟ أم تسربت الرطوبة إلى أحشاء هذا الفونوغراف الهرم ، فتعطلت حركته ؟

 

حيرة تتشظى في تجويف قلبها ، تزداد نفسها انقباضا، يكاد الدم يتجمد في عروقها المترهلة ، المرتخية ! دمعتان كبيرتان تلمعان براقتان ، تنفلتان من عينيها السوداوين ، تمسحان تقاسيم وجهها المتجعد ، تربتان على خطوط وشم باهت ، تعبران مسافة مهوى القرط منها، تستقران في منحر فيه شيء من جمال قديم ، و نضارة بالية ! تتكسر الذكرى على جدار الذاكرة ،جدار امحت نتوءاته ، تخترق شقوق النسيان ، تسترجع شريط متاهات الزمن الهارب :

– هيه !، هيه ، آه يا زمن ، آه يا أيام ! هناك ، هناك ! في سفح تلك الربوة ، تقبع [سالف عذراء] شامخة شموخ قبائل زعير، تقتات أرضة الأيام من جذعها الصامد ، غير بعيد ، بيوت طينية ترابية ، تلتصق بذلك النتوء : قرادا ، أو جرادا ، أو جحافل نمل أبيض ! يهدهدها حنين المكان ، يدغدغها الشوق ، تستحضر أمجاد [سالف عذراء ] تتذكر ليالي الأنس الخوالي :

عشرات الوجوه ،عشرات المواقف ، عشرات الأعراس ، تعبر ذاكرتها الواهنة ، تمسح المحيط بنظرات زائغة ، تبتلع ريقها بصوت مسموع : -ه …ه..هناك !

تجثو [ سالف عذراء] في خشوع تقبل أقدام الرابية ، يستظل بظلالها الوارفة السخية الحجر والبشر٠٠٠ الظلف والخف ولا تتأفف ،تحت أغصانها تحلو ليالي الأنس و السمر، من غياب أول شعاع إلى إيابه عند طلوع الفجر : * أغصان سالف عذراء ! * مسدولة سوالف غيداء! * نضرة نضارة حسناء ! من الجهة الشرقية، تنتشر خيام العز و التبوريدة : شامات سوداء على خدود كواعب حسان ٠٠ تدندن زهرة : وجبة ، [جعيدان] عصية متمنعة ،لا تتقنها إلا متمرسة محنكة في فن العيطة الزعرية :

– آجعيدان ، بان ،بان ! -آ هيه ، آجعيدان ،بان! تكرر اللازمة ، تنفلت من بين شفتيها حروفا ضعيفة متكسرة، يتمنع عليها وتراها الصوتيان، يشدها طيف المرحومة لكبيرة ،تتذكرها ،تلسعها لسعة العقرب ،تغرز أظافرها في فخذها عندما تسيء أداء وجبة [جعيدان ] فتغني لا مخيرة وتبكي مجبرة ، وتشجعها قائلة:

-يا زهرة ، يا زهرة الزهرات ، يا جميلة الجميلات ، تتقنين كل سواكن العيطة : [خربوشة] ، [حاجتي في كريني ] فما لك ووجبة [ جعيدان ] و [حوز القصبة ] ؟ تعلمي أداء هاتين الوجبتين و سأبصم لك بالعشرة ، سأقلدك وسام شيخة الشيخات وسأشهد لك بالريادة في فن العيطة ! تعيد الوجبة ،مرات ومرات ولكنها تتعثر دائمافي اللازمة ! يتهدج صوتها ، يخرج مبحوحا ، تتشظى حروفها وتتكسر وتفسد جمال الأداء ، تجهش في البكاء ، تشعر بأن الزمن أرخى حبالها الصوتية وكسر النغمة على شفتيها : وجبة [صوط عليه يطيب ] أحب إليها من وجبة [جعيدان] :

لا تتمنع حنجرتها الذهبية ، لا تعلن العصيان ، لا ترفض الانصياع : -ما باله هذا الزمن الأغبر ، لا لفة أسطوانة ، لا فو نوغراف ، لا صوت لاشيء،لا شيء ما بال حظك عاثر معوج يا زهرة؟ تخترق أسراب الخيول ذاكرتها : ها هم الفرسان بشموخ يتأهبون لإطلاق الطلقة الأولى وهي ترقص جدلى منتشية بندهات مقدم السرب : -آ الخيل ، آ المكاحل ! آ شد عودك ! ينطلق السرب ، برشاقة ، يسابق ريح الريح ، وسط غيمة كبيرة من الغبار! يستقبلون القائد ، ليعلن بداية موسم أعراس قبائل زعير :

أسراب الفرسان بجلابيبهم بيضاء وسود اء الأطراف كطيور اللقالق ، وأ سراب الحسناوات يغزلن قوس قزح من ألوان ناصعة رائعة ، تتقدمهن الشيخة زهرة ،يشق البارود عنان السماء ، يمزق صمت المكان ! تخشخش الخلاخل في الأقدام ، والأساور الذهبية تشد المعاصم ، تدك الأرداف الثقيلة المكتنزة الأرض دكا ! تعض عذرا وات ، بسيطات ، محرومات من عز الذهب على البنان : خلخال ذهب حلم ممنوع ، وعشق سوار مستحيل : عشق زليخة/ العزيز لنبي الله يوسف ! القائد ملك بلا مملكة ، تحفه حاشية من البسطاء : تفرش له الابتسامة بساط ترحيب مزيف ، يبوسون يديه وكتفيه ، ويتوددون له ! في عراء المكان يتكئ على زربية مزركشة ، تحيط به وسائد حرير ية : عين على سرب الفرسان ، و عين تتملى بجمال الراقصات يعانقن الفراغ بالصدور المصقولة ، ويمسحن الأرض بالمؤخرات في شطحات مجنونة ! يتمنطق بشكارة حريرية الحزام ، مطرزة الحواشي ، مشنوقة على خاصرته اليسرى ، تفوح منها روائح أوراق نقدية

يتمنطق بشكارة حريرية الحزام ، مطرزة الحواشي ، مشنوقة على خاصرته اليسرى ، تفوح منها روائح أوراق : قرفية ، خضراء ، زرقاء وبكل الألوان ، ورقة معجزة / مباركة : بين الأعداء تلطف الأجواء ! وتشق الطرق في فراغ السماء ! تتسابق الخيول ، تعلق أجساد فتية غضة ، بين السماء والأرض ٠٠٠

وجبة زعرية رائعة يعشقها القائد [ صوط عليه يطيب ]، تعزف على شرف شكارته السخية المتخمة بالمال ! موسم الحصاد ضرع مدرار: حقول تحبل بحبيبات الخير و البركة ، عجول تملأ الحظائر خوارا ،يعم الخير ، تنثر حبيبات القمح في السهول و على رؤوس الجبال ، فلا طير يجوع ، تكثر الأعراس ، تعم الاحتفالات ، تتمايل سوالف [سالف عذراء ] انتشاء وطربا : تتنوع الفرجة : أسراب الخيول ، جمال الأجساد : نحيب الكمان الممزوج بعذوبة صوت الشيخة زهرة الشجي : عيطة زعرية رائعة ،قطعة شعبية ملتزمة ، تستنهض همة مقاوم، تنتقد ظلما يعيث في البسطاء فسادا ٠٠ يفتح القائد شكارته ، يطلق سراح أسراب حمام بأجنحة زرقاء ،يعلقهاعلى جيوب الشيخات ،و بعضها على لجين نحورهن، تشتعل جذوة الطرب حد الفوضى ، تغرد زهرة تغريدة بلبل منتش بمقدم الربيع ، تجلد أقدام عريضة متشققة قعدة حديدية ، طمعا في قليل من رضى القائد : تنتشي [سالف عذراء ] تطرب ، تسكر ، تعانق أغصانها الباسقة الفراغ .. وتتمايل سكرانة وما هي بسكرانة ، على إيقاع أهازيج ونغمات شعبية وطلقات البارود! أفواه جوعى ،تتقرب من القائد ، تطمع في قليل من كرمه، ينتشي ، يطرب ،يجعل شكارته مزارا للأنامل الناعمة ، يصل إلى قمة الانتشاء ، يأخذ بندقيتة ، يدس فوهتها في سوالف الراقصات المنسدلة ، يسدد و يطلق البارود ببراعة الرماة ، تشق زغاريد النسوة سماء [سالف عذراء] ،تصدح الكمنجة ، تتحد بروائع العيطة ٠٠ ولحظة ، لحظة يستمتعون بنكتة من خفيف ظل, أو طرافة من طرائف القائد ومستملحاته ! يخترق شريط الذكرى الذاكرة ، يكاد ينخرم، صور باهتة متلاحقة : القائد ٠٠٠لمعلمة لكبيرة ٠٠٠سالف عذراء٠٠٠ المرحوم ٠٠٠كلهم أصبحوا طي النسيان٠٠٠ ذكرى تبهت ،تخبو ٠٠ثم تنطفئ٠٠ وبفخر تتذكر الحاكم الفرنسي المقيم يعتقلها ، يضع الأصفاد في معصميها ، وهي تغني : -يحيى الملك يحيى الدين ! يحيي الملك يحيى الدين ! ٠٠٠يسقط الناس الخاينين ! ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠اسمع يا المقول! ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠هذا البند الأول ! ٠٠٠٠٠٠٠٠٠الملك كان محول! ٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠شعبه بقى مهول ! تتسارع هذه الذكريات ، تضمحل ، تتلاشى ،ثم تستوي عليها صفحة الماء ! زهرة : زهرة ليلك ذبلت ، زهرة جمال محاه الزمن العابر! بخطى متثاقلة ، متعبة ، تقتفي أثر الذكرى ، تبحث عنها في ذاكرة امحت نتوءات جدارها، تبغي القبض على طيف زمن ،جميل ، هارب، زمن أشباح ، لم يبق منه غير عيطة زعرية ، محفورة على جدار الذاكرة ! وحدهاسوالف [ سالف عذراء ] تقاوم الزمن ،تزداد نضارة و اخضرارا ، باسقة تترامى في فضاء رحب كما كانت ٠٠٠ ،وحدها قبائل زعير تزداد عنفوانا وشموخا ! تقطف زهرة باقة من زهيرات شقائق النعمان ،و وريدا ت برية صفراء ،و حمراء ، كان يعشقها المرحوم ، ستضعها في مزهريته التي أثقلتها ورود بلاستيكية لا حركة ولا حياة فيها ! يفزعها نداء من دار القائد ، ينتشلها من إبحار عميق في متاهات زمن مضى ، ترتجف ، ترتعد ، ذكرها هذا النداء بصوته الجهوري ، إنه ابنه البكر ، نسخة منه : – آ الحاجة زهرة ،الجماعة في انتظارك ! تدخل غرفة الضيوف : لا زالت فسيحة ، عريضة ، لم يتغيرفيها شيء ، فقط تغيرت الوجوه والأفرشة ، وترتيب الأثاث ٠٠٠ تسلم ، وتجلس بين الحشود المرحبة ، لا وجه منهم تعرفه ، كلهم غرباء عنها فقط صورة القائد معلقة على جدار الغرفة لم يعبث بها الزمن ، ولم تنساها ، تعود من جديد للإبحار في مغارات الماضي السحرية ! يرحب بها ابن القائد في تودد : -أنت بين أهلك يا زهرة الزهرات ،ما مات من ترك خليفته! ويسألها أحدهم بجرأة ولكنة وقحة : – هل عندك أ ولاد يا حاجة ؟ تلمع عيناها وتبرقان وتذرفان دموعا ساخنة : -عندي الله ، يا ولدي ، عندي الله ، الله كبير ! تروح في نوبة نحيب ، يطأطيء الحاضرون رؤوسهم حرجا ،يربت ابن القائد على كتفيها ،ويبوس يديها ورأسها و يعتذرعن عدم اختيار السؤال المناسب ! بقلم الأستاذ :صالح هشام الأحد ٢٦ ~مارس ~ ٢٠١٧

هوامش للتوضيح :-

سالف عذراء : اتركها توضيحها للسياق ! -صوط عليه يطيب : عنوان لأغنية شعبية من فن العيطة ، ويقصد بها انفخ النار تحت براد الشاي لينضج ، مرتبطة بالمسامرات الليلية اذ يحتفى فيها بالشاي ! -اللفة : دورة الاسطوانة التي كانت تشمل ٣٣او٤٥او٧٨ لفة ، قبل ان تنقرض ويحل محلها القرص المدمج ،، في عصر تقدم تكنولوجيا المعلوميات ! -جعيدان : بتسكين الجيم وفتح ما بعد ، من اصعب اغاني العيطة من حيث الاداء -خربوشة ، حاجتي في كريني ، حوز القصبة ، من اروع الوجبات الغنائية في فنون العيطة ، -زعير : من اهم المناطق المغربية ،المعروفة بالفلاحة ، وتبعد عن الرباط شرقا بحوالي ٨٠ كلمترا . -التبوريدة ، الفنتازية ، من الفلكلور المغربي ، يتربع فيها الفرس والفارس عرش الفرجة ، وهي فلكلور مشهور ،خصوصا بالمغرب ! -يحيى الملك ،،،،،،،،،،الى شعبه مهول : مقطع من قصائد طويلة جدا تهدف الى استنهاض الهمم ، للتصدي للاحتلال الفرنسي ، وكانت العيطة كفن شعبي سريع الانتشارفستعمل للرقص الرجالي والنسائي )

قد يعجبك ايضا المزيد عن المؤلف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*