تعدد الأقطاب

تعدد الأقطاب:

سامر أبو القاسم 

يشكل التفكير الافتراضي أحد أسس القدرة على حل المشاكل، عبر التفكير في معالجة المعطيات والمعلومات، وتحليل النقائص والأخطاء الحاصلة، وتوقع النتائج المحتملة لأية استراتيجية أو برنامج عمل أو إجراءات تدبيرية.

فالنزوع إلى فرض السيطرة والتدخل في شؤون البلدان وزرع ألغام التوتر والنزاع في العديد من المناطق مؤداه ما نقف عليه اليوم من آثار سلبية وأزمات مربكة وخسائر مدمرة.

وقد كان حريا بالاقتصادات المتقدمة التوجه نحو تجنب الاضطرابات في الاقتصاد العالمي، والعمل على إعادة التوازن فيما بينها وفي علاقتها بالاقتصادات الصاعدة والبلدان منخفضة الدخل، وتوخي الحرص من السقوط في المخاطر الاقتصادية والمالية والأمنية، وتفادي استمرار المشكلات وتعمقها خاصة تلك التي تواجه الميزانيات العمومية للدول لفترات أطول مما ينبغي وتلك التي ترتبط بخدمة الديون السياسية والمالية.

وما كان الأمر يتطلب التضحية بما يتراكم من رأسمال مادي وبشري في أجزاء كبرى من العالم، وما كان يقتضي غض الطرف عن ضبط أوضاع الماليات العامة للدول ولا تعطيل وتيرة نشاطها الاقتصادي والوقوف في وجه تحقيقها لأهداف التنمية وعدم الاهتمام بمدى قدرتها على تحمل الديون على المدى الأطول.

وبالتالي، فقد أفرزت الأزمة الراهنة نوعا من التشابك في المصالح والعلاقات الدولية، بالشكل الذي فرض واقعا جديدا على المسرح الدولي، وطرح تحديات جديدة، وخلق فرصا للتعامل مع التحولات السياسية والاقتصادية العالمية بإعادة النظر في طبيعة التحالفات أو تغييرها، وهو ما جعل السؤال قائما بخصوص السياسة التي ينبغي اتباعها في عالم متعدد الأقطاب.

فالعديد من الدول ما عادت مطمئنة لوضع تحالفاتها التي دامت لوقت ليس بالقصير، والتي اتسمت بالتعامل الفوقي ومنطق فرض السيطرة والتدخل في السياسات الداخلية للدول واستخدام النفوذ الاقتصادي والمالي والعسكري والتكنولوجي، بالشكل الذي أظهر في السنوات الأخيرة تعبيرات عن الامتعاض والشعور بالإحباط من ازدواجية المعايير في سياسة القطب المهيمن على الساحة الدولية، التي حولت المؤسسات المالية والاقتصادية والمنظمات الدولية إلى أدوات ضغط سياسية تمارس بها عقوبات على باقي الدول.

ولم تستسغ النخبة السياسية داخل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي النقد الموجه إليها بهذا الخصوص، ولم تعر اهتماما لما تتسبب فيه من انحدار العلاقة بمجموعة من الدول، وظلت متشبثة بكونها لا تزال سيدة الموقف، بالرغم مما كان يلاحظ بشكل ملموس من أن النفوذ الاقتصادي سائر في اتجاه إعطاء تطور واستقلال للبعض في الساحة الدولية، ويحرره شيئا فشيئا من سياسة القطب الواحد وضغوطه. إلى أن استفحلت الأزمة وأوجدت لها تعبيرات عسكرية في العديد من المناطق تجهر برفض التعامل الفوقي وبشجب التلويح بأوراق الديمقراطية وحقوق الإنسان وبالبحث عن موازنة العلاقات والمصالح في عالم قد يتسع للمتعدد من الأقطاب.

فأصبحت كل دول العالم تسعى للمحافظة على مكانتها وتعزيزها، في عالم بات قاب قوسين أو أدنى من الانفتاح على تعدد الأقطاب باعتراف من الغرب ذاته.

وكأنه في جزء من هذا السعي تكريس للرغبة في الخروج من ذاك الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها التقليديين في القارة الأوربية، وسعي لتحقيق أمل التوازن المطلوب في العلاقات الدولية عبر مد الجسور مع الصين وروسيا.

ولئن كان هذا السعي يبدو مشروعا؛ سواء من حيث المبدأ أو من حيث الواقعية السياسية الهادفة إلى تحقيق المصالح المشتركة، في ظل هذه الظرفية التي تتطلب استغلال تعدد القطبية لفائدة البلدان وشعوبها، إلا أنه يشكل تهديدا للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، ويجعلها من جديد في قلب ردود أفعال قد تكون غير متوقعة، ولو أنها هي صاحبة شعار المصالح الدائمة بدل الصداقات.

إذ ليس من السهل عليها القبول بالسعي إلى المصالح عبر التحرر من سيطرتها والانحياز إلى الشرق كبديل أصبح متوفرا ومستعدا للاستجابة. خاصة وأنها لا زالت تبحث عن كيفية التعامل مع هذه الديناميات الجديدة التي برزت في العالم، بفعل ظهور روسيا والصين كأقطاب جديدة تعد بالتعامل مع الدول على قاعدة المصالح المشتركة والاحترام المتبادل للسيادة وعدم فرض الهيمنة والرأي وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، بالشكل الذي قد يشجع على التعامل معهما من أجل تنمية العلاقات التجارية والاقتصادية وحتى السياسية والعسكرية.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*