الوساطة الأمريكية في لبنان بين زمنين..من فيليب حبيب إلى توم براك
بقلم: عادل بن حمزة
في الوقت الذي كان علي لاريجاني يزور بيروت كضيف ثقيل، كان رئيس الأركان الإسرائيلي أيال زامير يقوم بزيارة لجنوب لبنان، أكد فيها أن إسرائيل لن تعود إلى الوراء ولن تسمح بعودة التهديدات لتنمو من جديد، مضيفا أن سبب وجود قوات إسرائيلية في الجنوب اللبناني، راجع إلى أن إسرائيل استطاعت أن تغير الواقع الأمني في الجبهة الشمالية وأن الإنجازات في القطاع الشمالي غير مسبوقة، أمام عجز تام لحزب الله.
اختيار رئيس الأركان الإسرائيلي الجنوب اللبناني لتقديم هذه التصريحات، هو رد مباشر على زيارة لاريجاني إلى بيروت ورسالة مفادها، أننا هنا وأن إيران وحزب الله عاجزان عن تغيير هذا الواقع، تصريحات زامير ضمنيا هي أيضا رسالة إلى النظام الرسمي اللبناني، مفادها أن سحب سلاح حزب الله هو الاختيار الوحيد أمام لبنان لتفادي ما هدد به سابقا نتنياهو بإعادتها للعهد الحجري.
الوساطة الأمريكية في لبنان عرفت محطات تاريخية حاسمة، لعبت فيها واشنطن دورًا محوريًا في توجيه مجرى الأحداث، لا بوصفها وسيطًا محايدًا، بل كقوة فاعلة لها أجندتها ومصالحها في المنطقة.
وإذا كانت وساطة فيليب حبيب عام 1982 قد أثمرت اتفاقًا أدى إلى خروج ياسر عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، فإن الوساطة الحالية التي يقودها توماس براك تأتي في ظرف أكثر تعقيدًا، وتحمل في طيّاتها رهانات ومخاطر كبرى على مستقبل لبنان والمنطقة.
حين اندلعت الحرب الإسرائيلية على لبنان في صيف 1982، كانت منظمة التحرير الفلسطينية هدفًا واضحًا لتل أبيب، التي أرادت إخراجها من لبنان وإضعافها سياسيًا وعسكريًا. دخل فيليب حبيب، المبعوث الأمريكي اللبناني الأصل، على خط الأزمة بوصفه الوسيط بين إسرائيل من جهة، ومنظمة التحرير والحكومة اللبنانية من جهة أخرى. بعد أسابيع من القصف والدمار، استطاع حبيب التوصل إلى اتفاق ضمن خروج عرفات ومقاتليه من بيروت إلى تونس، بضمانات دولية وأممية.
ورغم أن تلك الوساطة أوقفت الحرب آنذاك جزئيا، إلا أنها حملت تداعيات عميقة: ففراغ القوة الذي تركه انسحاب منظمة التحرير ساهم في صعود قوى جديدة، أبرزها “حزب الله” الذي ظهر عام 1985 كحركة مقاومة للاحتلال الإسرائيلي، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى لاعب إقليمي يملك قوة عسكرية تضاهي جيوش دول خاصة بعد عام 2000، تحارب خارج الحدود في اليمن وسوريا والعراق لخدمة أجندات خارجية بيافطات طائفية بعيدا عن شعار مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.
اليوم، بعد أكثر من أربعة عقود، يعود المشهد نفسه ولكن في سياق مختلف.
توماس براك، وهو رجل أعمال أمريكي من أصول لبنانية من زحلة ومقرّب من دوائر القرار في واشنطن، يؤدي دورًا شبيهًا بما قام به حبيب، ولكن هذه المرة في محاولة لنزع فتيل التصعيد بين “حزب الله” وإسرائيل، والتي يمكن أن تتحول إلى مواجهة شاملة.
الوساطة الحالية تدور حول مطلب مركزي: يتعلق بسحب سلاح الميليشيات وعلى رأسها حزب الله، كشرط لاستمرار وقف النار وضمان الأمن على الحدود، وفك العزلة المالية والاقتصادية عن لبنان بعودة بيروت إلى محيطها العربي والدولي، وفقا للتحولات الجيوستراتيجية التي عرفتها المنطقة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023. ذلك أن نزع سلاح حزب الله هو مطلب أمريكي ـ لبناني/عربي- إسرائيلي قديم، لكن ظروف طرحه اليوم تأتي في ظل تصاعد الضغط الإقليمي والدولي، وتراجع النفوذ الإيراني، وتغير النظام السياسي في سورية، والرغبة في إعادة تشكيل توازنات القوة في لبنان.
ثمة تشابه شكلي بين الوساطتين: في الحالتين، المطلب هو إخراج قوة مسلحة غير لبنانية بالكامل أو ذات ارتباط إقليمي (منظمة التحرير سابقًا، “حزب الله” حاليًا) من المعادلة اللبنانية. لكن الفرق الجوهري أن “حزب الله” ليس ضيفًا أو قوة وافدة كما كانت منظمة التحرير، بل هو جزء من النسيج اللبناني، وله قاعدة اجتماعية وشعبية واسعة، ووجود سياسي رسمي داخل الدولة ومؤسساتها.
النظام السياسي الرسمي اللبناني من خلال قرارات مجلس الوزراء التاريخية الرامية إلى احتكار الدولة للسلاح ولقرار السلم والحرب وتفعيل ما أسقط عمدا من اتفاق الطائف، يوضح حجم الإصرار غير المسبوق الذي تبديه المؤسسات الدستورية على القيام الفعلي للدولة، بتوافق بين الرئاسات الثلاث، بما في ذلك الرئيس نبيه بري، وما يمثله كحالة لبنانية شيعية بنفس محلي خالص، عكس ما يمثله حزب الله من حالة اغتراب لا تناقض البدايات، فأول بيان رسمي أصدره الحزب في 16 شباط/فبراير 1985 جاء فيه :”نحن لسنا حزباً ولسنا أمّة بل نحن جزء من أمّة نشر الله طليعتها في إيران”…
لذلك فإن هدف نزع سلاح حزب الله وتقليص نفوذه، يحتاج بداية إلى إعادة تعريف الحزب، والقبول بحقيقة كونه لا يشبه منظمة التحرير، وأنه بخلاف الأحزاب اللبنانية الأخرى التي شكلت في سياقات تاريخية معينة أجنحتها المسلحة، فحزب الله منذ البداية كان كومة سلاح إيراني بنفس عقائدي مرتبط بالثورة الإيرانية وبالولي الفقيه يبحث عن من يستعمله، وفي مرحلة لاحقة كان على نفس السلاح أن يفض الشراكة في الطائفة مع حركة أمل، لذلك كان “سهلا” تخلي الأحزاب اللبنانية عن سلاحها والعودة إلى طبيعتها الأولى كأحزاب سياسية، بينما يمثل ذلك في حالة حزب الله مسألة وجودية يجب تقديم جواب عنها بشكل يساعد الحزب، أو على الأقل جناح منه، على بناء هوية جديدة تنجح في إخراج نسخة لبنانية خالصة لحزب الله.
السؤال هو هل يملك لبنان ترف الوقت الذي تحتاجه عملية تحول بنيوي داخل حزب عقائدي كحزب الله؟ الجواب قطعا هو لا، وهذا ما يجعل الوساطة الحالية أكثر تعقيدًا، وأشد خطورة من وساطة فيليب حبيب.
