انتخابات بدون ناخبين

انتخابات بدون ناخبين

   عبد السلام ألمساوي 

  1_ ثمة مفارقة مقلقة وتزيدها الأرقام تأزيما : هناك طلب متزايد على الديموقراطية ، زبناءها كثر وقاعدتها الاجتماعية واسعة ، لكن روافعها ما تنفك تتاكل يوما بعد آخر ، ان الذين يرفعون شعار الديموقراطية الان وهنا من المواطنين ، هم أنفسهم من يجعل هذه الديموقراطية تمشي عرجاء على رجل واحدة : مطالب والحاجات ، دون انخراط في توفير بيئتها الثقافية والنفسية الحاضنة .

   في وقت قريب وسابق أعلنت المندوبية السامية للتخطيط عن معطيات رقمية صادمة ، عدد النشيطين المشتغلين المنخرطين في النقابات لا يتعدى 3 ، 4 في المئة فقط . وبالرغم من الوفرة في الاطارات النقابية فإن7 ، 95 في المئة من النشيطين المشتغلين غير منخرطين في أي نقابة أو منظمة مهنية .

   رافعة أخرى للديموقراطية تفقد قواعدها ، فقد كشفت نفس المندوبية عن أرقام أخرى محبطة فيما يتعلق بالانتماء إلى الأحزاب السياسية ، احصائيات المندوبية كشفت أن 70 في المئة من الشباب لا يثقون في جدوى العمل السياسي ، و 5 في المئة يؤمنون بالعمل الحزبي ، و1 في المئة فقط يزاولون الفعل السياسي من داخل الهيئات السياسية ، بينما يشكل الشباب 40 في المئة من الكتلة الناخبة .

   وفي المشاركة الانتخابية لا يقل الوضع سوءا ، حوالي تسعة ملايين ناخب يقاطعون التسجيل في اللوائح الانتخابية ، وقرابة 8 ملايين ونصف ناخب تكون أصواتهم ملغاة رغم الادلاء بها .

ان ذلك يقودنا إلى النتيجة الطبيعية: نسب مشاركة هزيلة ، ومرشحة لأن تزداد تراجعا .

   ويتواصل النزيف في واحدة من أبرز دعامات وروافع الممارسة الديموقراطية ، سوق الصحافة تتراجع بشكل رهيب ، ومن سنة إلى أخرى تتراجع مبيعات الصحف ، والبرامج الحوارية في التلفزيونات العمومية لا تستقطب نسب مشاهدة معقولة مقارنة ببرامج التسلية والترفيه ، في المقابل يهرب الناس الى المجالات غير المهيكلة لصناعة الرأي العام ، لقد أصبحت وسائل التواصل. الاجتماعي سوقا عشوائية لتشكيل المواقف والقناعات .

   من الواضح أن السياسة كما تقترف في المغرب صارت عبئا على الديموقراطية بدلا من أن تكون مغذيا منعشا لها .

   يلاحظ هاروك جيمس ، المؤرخ والأستاذ بجامعة برينستون ، أنه ” لم يعد هناك من ينكر أن الديموقراطية معرضة للخطر في جميع أنحاء العالم ، اذ يشكك كثير من الناس في ما إذا كانت الديموقراطية تعمل لصالحهم ، أو أنها تعمل بشكل صحيح أصلا .

ولا يبدو أن الانتخابات تسفر عن نتائج حقيقية ، باستثناء تعميق التصدعات السياسية ، والاجتماعية القائمة . ان أزمة الديموقراطية هي ، الى حد كبير ، أزمة تمثيل ، أو بتعبير أدق ، غياب تمثيل . ” 

   نحن قريبون من هذه الصورة ، سوى أن هناك فارقا جوهريا ، في الغرب تعيش الديموقراطية لحظة خطر لكن الثقافة الديموقراطية منتشرة على أوسع نطاق حتى أنها تسمح للخصوم السياسيين والمواطنين بالتكتل ضد فوز اليمين المتطرف بالأغلبية في الانتخابات ، وفي حالتنا الخطر مزدوج : ديموقراطية ناشئة مهددة بهشاشة قواعدها الاجتماعية ، وفراغ في الثقافة الديموقراطية يسمح بانتعاش ايديولوجيات غير ديموقراطية .

   الى اين نسير بديموقراطية تستند إلى روافع تخترقها التصدعات ؟ جانب من الأجوبة كان واضحا في انفلاتات التعبيرات الاجتماعية الجديدة في أكثر من مدينة مغربية ، وهو أكثر وضوحا في حوادث السير التي تحدث في فضاءات التواصل الاجتماعي ، وأشكال الصحافة الجديدة ، ومن الواضح أيضا أنه كلما اهتزت روافع التأطير الديموقراطي لصالح التعبيرات العشوائية ، كلما دخلت الدولة والمجتمع في صدامات أمنية والتباسات حقوقية ، وفي لعبة كر وفر منهكة للطرفين .

   هل تعي طبقتنا السياسية هذه المخاطر المحدقة بنا ؟ ربما.

   هل تعمل على تدارك الوضع ؟ لست أدري .

   هل المستقبل الديموقراطي في بلدنا أكثر مأساوية في هذا الجانب ؟ ممكن .

   هل يفرض هذا الوضع حالة استعجال واستنفار سياسي ؟ ذلك مؤكد .

   القاعدة الكلاسيكية تقول : لا ديموقراطية بدون ديموقراطيين ، وفي واقعنا الحالي يمكن إضافة تحوير بسيط : لن تكون هناك لا ديموقراطية ولا ديموقراطيين من دون قاعدة اجتماعية موسعة حاضنة للمشروع الديموقراطي ، وغير ذلك سيكون الخطاب السياسي الرسمي والحزبي حول الديموقراطية ومفاتنها كمن يبني قصور الامل فوق الرمال .

 2_ يبدو لي أن الظرفية السياسية التي نعيشها والرهانات الكبرى التي تكتنف استحقاقات 2026 تضعنا فعلا وحقيقة لا مجازا أمام تحديات وأوضاع في غاية الدقة ، .

   حقيقة لا مجازا نحن في حاجة الى ضبط الحسابات السياسية على عقارب زماننا ، وأكثر من أي وقت مضى .

   نحن في حاجة الى الانتباه لمخاطر عودة سيطرة الوجوه القديمة والمستهلكة الى واجهة المؤسسات … .

   نحن في حاجة الى الانتباه الى مخاطر ترك الحبل على الغارب ، في موضوع حالة الانفصام والانفصال والاغتراب بين نبض الشارع وذبذباته وبين حياة المؤسسات وديناميتها الخاصة … .

   نحن في حاجة الى الاقتناع الجماعي بالحاجة الى اعادة بناء الثقة بين الفرقاء الأساسيين ، بين الدولة والمجتمع ، باعتبارها اضمن وأقوى تأثيرا على النفوس من أية قوة عارية قد تتصور أو يتصور أصحابها انهم قادرون على الحسم في كل الظروف .

   في حاجة الى القناعة الجماعية ، بعد التقاط اشارات الحراك الشعبي ، بأن انتحاريي الريع والذين يضعون مصالحهم فوق مصالح البلد كيفما كانت الظروف ، يجرون البلاد الى مأزق وانحباسات خطيرة .

   نحن في حاجة الى الوعي بخطورة هؤلاء ومخاطر ما يدفعون اليه ، وأكثر من أي وقت مضى . 

   نحن في حاجة الى التصرف والعمل بعيدا عن المنطق الضيق ، الذي قد يدفع البعض الى تصور اننا تجاوزنا المطبات الهوائية ، كما تتجاوز الطائرة في السماء العالية قبل ان تستقيم في سيرها ، لأن مطبات السياسة اخطر من مطبات الهواء . 

   نحن في حاجة الى فتح المسالك الاستراتيجية أمام تطور البلد ، بعيدا عن لعبة الكر والفر ، او لعبة العودة الى أساليب زمان بعد هدوء العاصفة …نحن في حاجة الى منطق ومقاربة جديدتين ، وأكثر من أي وقت مضى .

   نحن في حاجة الى ان لا نستمع اطلاقا الى اولئك الذين يجعلون من مقولة الاستثناء المغربي مسوغا للجمود ، جاعلين من هذا الاستثناء جواز مرور لمعاكسة دينامية التطور وضرورات الانتقال .

نحن في حاجة الى عدم الاستماع اطلاقا لهؤلاء .

   نحن في حاجة الى الاقتناع الجماعي بأن السياسة اذا غاب عنها الجمهور وتقلصت المشاركة في الانتخابات الى لعبة نخب حضرية وقروية ، بعيدا عن الكتلة الشعبية الواسعة ( الماينستريم بلغة العلوم السياسية ) تصبح ممارسة مقرفة وتتحول الانتخابات الى محطة تزيد في تنفير الناس من السياسة والسياسيين .

   نحن في حاجة اليوم الى الاقتناع بمخاطر غياب الجمهور عن السياسة .

  نحن في حاجة الى الاقتناع من كون الأمر يتعلق بوطن . والوطن هنا ليس مجرد رقعة جغرافية لتجمع سكني ، بقدر ما يعني انتماء لهوية ولحضارة ولتاريخ .

والمرحلة تاريخية سيكون لها ما بعدها .

سواء بنجاح ينخرط فيه الجميع ، او بتفويت ، لا قدر الله ، لمناسبة زمنية سيحاسب فيه الجميع في المستقبل القادم .

   لا يمكن لعاقل ان ينكر ما بلغه المغرب من تطور في مجموعة من المجالات . ولا يمكن انكار ما تحقق .

لكن الممكن أحسن مما تحقق لا محالة .

لكن أيضا لا يمكن انكار حجم المشاكل التي يتخبط فيها المغرب ، وهي مشاكل تتعلق بالمؤسساتي وبالعلاقات المجتمعية وبالانتماء والمواطنة التي تتصل أساسا من أخذ وعطاء

   هناك مشاكل اجتماعية تتعلق بعيش الناس أولا وبوجودهم .

وهناك ثقة مفقودة في جملة من المؤسسات . وهناك هدر للزمن بانتظارية غير مفهومة . وهناك حيف وغياب عدالة مركزية ومجالية .

وهناك شوائب عالقة من فساد وغش واستغلال . وهناك تفاوت طبقي خطير بين قلة تملك كل شيء وأغلبية تصارع الأيام من أجل قوتها اليومي .

وهناك خلل في الحكامة . وهناك تأفف في كل موقع اقتصاديا كان او ثقافيا او رياضيا . وهناك رغبة من الجميع في التغيير .

   المغرب ، اليوم ، ليس في حالة ميؤوس منها ، لكن هذا لا ينفي حجم المشاكل وتعقيداتها . وهذا موجود في كل التقارير الدولية والوطنية التي درست المغرب .

يبقى الحل بيد المغاربة في خلق المناخ الملائم والصالح لهم.

   طبعا هناك مسؤوليات خاصة بكل جهة ؛ الدولة عليها تحملات لا يمكن ان تتنصل منها .

وهناك التزامات عليها ان تتحملها بكل ما تتطلبه من امكانيات مادية وبشرية .

الدولة لا يجب ان تنفض يدها من قطاعات اجتماعية في الصحة والتعليم مثلا .

كما تتحمل مسؤولية خلق المناخ الملائم للاستثمار ولصيانة المؤسسات والسهر على تطبيق القانون وخلق اليات للمراقبة والمتابعة والتقييم . 

   نحن في حاجة الى رفع يد الدولة عن الحياة الحزبية ، وبالتالي الايمان العميق باستقلاليتها وقدرتها على العيش بدون موجبات السقوط او النجاح الخارجة عن قدرتها الذاتية ، و الايمان العميق بقدرتها على الفعل والايمان بدورها كقاطرة ديموقراطية لا يمكن ابدا البحث عن بدائل لها ، أو بدائل منها للعب دور غير دورها ….

   والمجتمع بكل مكوناته مطالب بان يسهر على ايجاد اليات التطور والمشاركة والمساهمة في السياسة العمومية ومراقبتها وفرض المحاسبة بخصوص تحسينها وخدمتها للصالح العام … .

   كل هذا يتطلب ثورة ثقافية تقوم على حب الوطن وخدمته والاصرار على اشتغال المؤسسات من هذا المنطلق اي خدمة الصالح العام .

   نحن في حاجة الى مغرب يقوم على قيم واضحة للجميع انطلاقا من مجتمع الديموقراطية وحقوق الانسان . ديموقراطية تنتفي فيها القبلية والدموية والمحسوبية والبيروقراطية القاتلة ، ويحتكم الناس الى القانون . ديموقراطية تكون فيها القوانين مسايرة لتطور المجتمع ولتطورات العصر .

وحقوق الانسان كما هي متعارف عليها دوليا انطلاقا من المرجعيات الدولية الموجودة في هذا الصدد .

   نحن في حاجة الى مغرب دولة المؤسسات ودولة الديموقراطية التشاركية ، لكن انطلاقا من قيم الديموقراطية كما هي معروفة ، وليس ديموقراطية صناديق الاقتراع الشعبوية ( توظيف الدين والمال ) ، وأكثر من أي وقت مضى .

   المغرب الذي نريد ؛ يعيش فيه الناس باختلاف وتسامح وبحقوق مضمونة .

لكن أيضا بتنمية تحقق للمغرب مكانته الوطنية والاقليمية والدولية ، واكثر من أي وقت مضى…

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*