البيئة في المغرب والتنمية المستدامة: قراءة علمية شاملة للتحديات والفرص

البيئة في المغرب والتنمية المستدامة: قراءة علمية شاملة للتحديات والفرص

اعداد بدر شاشا 

المغرب يواجه في الوقت الراهن تحديات بيئية كبيرة ومعقّدة، تتداخل فيها الأبعاد المناخية، المائية، الزراعية، والطاقية مع تطلعات النمو والتحديث.

إن قراءة هذه التحديات بصورة علمية تتطلب فهماً عميقًا للنظم الطبيعية، وكذلك للسياسات العامة التي وُضعت لمواجهتها في إطار النموذج التنموي الجديد الذي يضع الاستدامة البيئية في صلب الأولويات الوطنية.

القطاع الزراعي والفلاحي والحيواني يشكّل ركيزة أساسية في الاقتصاد المغربي، ويعتمد على البيئة مباشرة كمصدر للعيش والإنتاج.

لكن هذا القطاع يتعرّض لضغوط هائلة بفعل التغير المناخي المستمر وتراجع الموارد المائية المتجددة بسبب التناقص التدريجي لهطول الأمطار والارتفاع الحاد في درجات الحرارة، وهو ما يؤثر سلبًا على إنتاجية الأراضي وعلى استقرار المجتمعات الريفية.

تشير الدراسات إلى أن الموارد المائية المتجددة في المغرب قد انخفضت من نحو 2000 متر مكعب للفرد في السنة في سبعينيات القرن الماضي إلى ما يُحتمل أن يصل إلى مستوى ندرة المياه المطلقة حوالي 500 متر مكعب بحلول عام 2030، وهو مستوى يُعدّ مؤشرًا حرجًا على ندرة المياه وفق التصنيفات الدولية .

الزراعة تستهلك الجزء الأكبر من الموارد المائية في البلاد، إذ تصل مساهمتها في السحب الكلي للمياه إلى ما يزيد عن 80%، بينما تشكّل الاستخدامات المنزلية والصناعية نسبة ضئيلة نسبيًا .

هذا الاعتماد الكثيف على الموارد المائية في بيئة تعاني من الجفاف يزيد من هشاشة القطاع الزراعي ويضعف الأمن الغذائي، ويدفع نحو إعادة تقييم السياسات الزراعية، وتحويلها نحو ممارسات أكثر كفاءة في استهلاك المياه، مثل الزراعة الذكية المناخ والاستخدام الواسع للري بالتنقيط مدعومًا بالطاقة المتجددة.

في مواجهة هذه الضغوط، جاءت السياسات الوطنية لتعزيز إدارة المياه والمناخ في قلب الاستراتيجيات الحكومية.

دعا المغرب إلى بناء وتوسعة مشاريع تحلية مياه البحر لتلبية حاجيات المدن والقطاع الزراعي، بهدف تأمين ما يصل إلى 60% من المياه الصالحة للشرب من التحلية بحلول عام 2030، مع التركيز على رفد هذه المشاريع بالطاقة المتجددة لتقليل الانبعاثات الكربونية والتكاليف التشغيلية . وسيُؤدي الاعتماد على الطاقة النظيفة في تشغيل محطات التحلية إلى تخفيف الضغط على خزانات السدود، ويتيح توجيه المياه المحصّلة عبر السدود نحو الزراعة الداخلية.

السدود في المغرب تشكل جزءًا مهمًا من بنية إدارة الموارد المائية، إذ تساعد على تنظيم مياه الأمطار والري وتلبية الاحتياجات الحضرية.

ومع ذلك، تتأثر السدود بشكل مباشر بضعف التساقطات وتزايد معدلات التبخر نتيجة ارتفاع درجات الحرارة، ما يستدعي تطوير تقنيات حديثة لتحسين كفاءة التخزين والتقليل من الفاقد، ومنها تركيب أنظمة طاقة شمسية عائمة فوق مياه السدود لتخفيف التبخر وتحسين الكفاءة الكلية للنظام المائي .

في الوقت نفسه، يشهد المغرب تغيرات مناخية واضحة تشمل ارتفاع درجات الحرارة، تزايد موجات الجفاف، وتقلبات غير منتظمة في هطول الأمطار، مما يؤثر على التنوع البيولوجي وصحة التربة وقدرة الأراضي على الإنتاج. تؤدي هذه التغيرات إلى شح في مصادر المياه، ونقص في الطاقة المائية المتولدة من السدود في سنوات الجفاف، مما يضع ضغوطًا مضاعفة على الشبكة الكهربائية الوطنية والقطاعات المستهلكة للطاقة .

الطاقة المتجددة أصبحت محورًا رئيسيًا في السياسات الوطنية لمواجهة تحديات المناخ وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد.

لقد نجح المغرب في تحويل جزء كبير من إمدادات الطاقة نحو المصادر النظيفة، إذ ارتفعت مساهمة الطاقات المتجددة في الإنتاج الوطني بشكل ملحوظ خلال العقود الماضية، وأصبح المغرب من الدول المتقدمة في أفريقيا والعالم في الاستفادة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدرو، مما دفعه إلى تحسين ترتيبه في العديد من مؤشرات الاستدامة البيئية عالميًا .

وقد جاءت هذه الإنجازات ضمن استراتيجية وطنية بدأت منذ أوائل الألفية، هدفت إلى تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري الذي كان يُشكل نحو 89% من مجموع الطاقة المستهلكة، إلى نسبة أقل بكثير مع زيادة مساهمة الطاقات النظيفة إلى ما يقرب من نصف الاحتياجات الفعلية .

من بين التوجهات الأبرز في سياق التحول الطاقي مشروع الهيدروجين الأخضر الذي بدأ المغرب في تطويره استنادًا إلى إمكاناته في الطاقة الشمسية والريحية، وجغرافيته الاستراتيجية التي تربطه بالقارة الأوروبية وشبه القارة الإفريقية.

يستهدف المغرب أن يصبح منصة إنتاج عالمية للهيدروجين الأخضر، مستفيدًا من مساحات واسعة من الأراضي لإقامة المشاريع وإنتاج الأمونيا الخضراء والوقود الصناعي المستدام، وهو ما يُعد فرصة لتحفيز قطاعات صناعية جديدة وخلق فرص عمل عالية القيمة، على الرغم من التحديات التقنية والمالية المتعلقة بتكلفة الإنتاج والتحكم في المشاريع .

ويأتي هذا التوجه ضمن رؤية متكاملة تربط بين إنتاج الطاقة النظيفة والاستخدام المستدام للمياه والزراعة الحديثة، إذ تشير الدراسات إلى أن الطاقة المتجددة يمكن أن تُستخدم لتشغيل نظم الري والتحلية ومرافق المعالجة المائية، ما يعزز الأمن الغذائي والمائي في آن واحد، ويحدّ من انبعاثات الغازات الدفيئة الناتجة عن استخدام الطاقة الأحفورية في هذه العمليات .

من جانب آخر، تؤكد بعض التحديات في عملية الانتقال الطاقي أنه لا يمكن الاعتماد فقط على الطاقات المتجددة دون وجود بنية تحتية قوية تتكامل مع قطاع الغاز الطبيعي كجسر يضمن الاستقرار الطاقي وحتى القدرات الصناعية اللازمة لدعم التنافسية الاقتصادية. هذا التكامل بين مصادر الطاقة المختلفة يساهم في تسريع التحول الطاقي دون خلق فجوة في الإمدادات الوطنية .

تكمن أهمية الربط بين الطاقة والمياه والزراعة في التأثيرات المتبادلة بين هذه القطاعات: نقص المياه يؤثر سلبًا على الزراعة، ما ينعكس على الاقتصاد الوطني، وفي المقابل يمكن للطاقات المتجددة أن تدعم النظم المائية والزراعية من خلال تقديم طاقة نظيفة لتحلية المياه وتشغيل المضخات وتحسين كفاءة توزيع المياه، وهو ما يتطلب سياسات تكاملية متقدمة بين القطاعات.

إن النموذج التنموي الجديد في المغرب، الذي يضع الاستدامة البيئية في قلب خططه، يعكس إدراكًا عميقًا بأن التنمية لا يمكن أن تُبنى على استنزاف الموارد الطبيعية. يتضمن هذا النموذج سياسات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، تشجيع الاقتصاد الأخضر، دعم البحث العلمي في تقنيات الطاقة الحديثة مثل الهيدروجين الأخضر، وتبني الزراعة الذكية المناخ.

كما يشجع النموذج على رفع الوعي البيئي لدى المواطنين والمجتمعات المحلية، لخلق ثقافة مجتمعية تدعم الاستدامة البيئية والاقتصادية على المدى الطويل.

التحديات البيئية في المغرب ليست معزولة عن السياق الإقليمي والعالمي؛ إذ يتأثر المغرب بشكل مباشر بالتغير المناخي في المنطقة المتوسطية بأسرها، حيث يُعاني هذا الإقليم من موجات الجفاف الممتدة، وارتفاع درجات الحرارة، ومخاطر التصحر، وهو ما يتطلب تعاونًا إقليميًا وشراكات متعددة الأطراف لمعالجة هذه القضايا بشكل فعال.

إن الربط بين الإنتاج الزراعي، إدارة الموارد المائية، الطاقة النظيفة، والتحول الطاقي الكامل، هو أساس تحقيق النموذج التنموي المستدام في المغرب.

يتطلب هذا ليس فقط التوسع في مشاريع الطاقة المتجددة وتحلية المياه، بل أيضًا تحديث السياسات الزراعية، حماية التنوع البيولوجي، تعزيز البحث العلمي، وتحسين التكامل بين القطاعات المختلفة لضمان بيئة صحية ومستقبل مستدام.

 

دينامية وتدبير البيئة 

بدر شاشا 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*