من واشنطن فيصل العراقي يكتب : حين تتكلم الدولة بالصورة لا بالكلام.

من واشنطن فيصل العراقي يكتب :

حين تتكلم الدولة بالصورة لا بالكلام.

لم يكن حفل افتتاح كأس إفريقيا للأمم مجرد لحظة احتفالية تسبق مباراة في كرة القدم، بل كان مشهدًا سياسيًا ناعمًا صيغ بعناية، حيث اختارت الدولة أن تتكلم بالصورة، لا بالخطاب، وبالرمز، لا بالشعارات.

في زمن تتضخم فيه الكلمات وتفقد معناها، تصبح الصورة أداة أكثر صدقية.

وحفل الافتتاح جاء ليؤكد هذا المنطق.

 تنظيم هادئ، سينوغرافيا متزنة هي ورسائل غير مباشرة تقول إن الرياضة هنا ليست فرجة ظرفية، بل جزء من رؤية دولة تعرف كيف تدير صورتها في الفضاء الدولي.

في مثل هذه التظاهرات، لا يُقاس النجاح بكمية الإبهار، بل بمدى التحكم في الرسائل.

الإفراط في الاستعراض قد يخطف الانتباه، لكنه لا يبني الثقة.

ما قُدِّم في الافتتاح كان أقرب إلى اقتصاد الرموز، حيث أن كل تفصيل محسوب، وكل حركة تؤدي معنى.

التنوع الثقافي عُرض دون ادّعاء، والانتماء الإفريقي قُدِّم دون خطاب مباشر، والحداثة حضرت دون قطيعة مع الجذور.

حضور ولي العهد الأمير مولاي الحسن في هذا السياق لا يمكن قراءته كبروتوكول عادي في منطق السياسة الرمزية، بل هو تأكيد على الاستمرارية، ورسالة واضحة مفادها أن هذا المسار ليس مرتبطًا بلحظة أو ظرف، بل يرتبط برؤية طويلة النفس.

حين تُظهر المملكة المغربية وجهها المستقبلي في حدث قاري، فهي تقول إن الرياضة ليست هامشًا، بل رافعة من روافع المكانة والشرعية الناعمة.

 خارجيًا فالرسالة كانت موجهة بدقة، مفادها أن المملكة المغربية تقدم نفسها كفاعل إفريقي من الداخل، لا كمتحدث باسم القارة من خارجها، باعتبارها شريك هادئ وليس وصيًّا؛ منظم قادر، لا مستعرضًا.

هذه اللغة هي جوهر الدبلوماسية الرياضية الحديثة، حيث تُبنى العلاقات بالثقة لا بالضجيج.

أما داخليًا فالجدل الذي رافق الافتتاح بين الإشادة والتحفظ ليس علامة ضعف، بل مؤشر وعي.

لأن المجتمعات التي تفرق بين الصورة والنتائج، وتطالب بتحويل الرمز إلى مضمون، هي مجتمعات تضع الحدث في حجمه الطبيعي.

فالافتتاح، مهما كان ناجحًا، يبقى وعدًا، لا إنجازًا مكتملًا.

القوة الناعمة لا تُقاس بلحظة البث المباشر، بل بما يبقى بعدها.

فهل ستتحول هذه الصورة إلى رصيد دائم؟ هل سينعكس هذا المنطق على التنظيم، على الأداء الرياضي، وعلى بناء منظومة أكثر احترافية؟ هنا فقط يُختبر صدق الرسالة.

في النهاية، ما جرى في حفل الافتتاح لم يكن استعراضًا للقدرة، بل تلميحًا لها.

ولم يكن خطابًا عن المكانة، بل ممارسة لها.

وحين تختار الدولة أن تقول القليل، وتترك للصورة أن تؤدي المعنى، فهي تراهن على شيء نادر في زمن المبالغة: الاحترام قبل الإعجاب.

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*