رسالة إلى سكينة بنجلون….

كتبتها: عافية صابر

رسالة إلى سكينة بنجلون….

من عافية صابر سيدة أعمال وصحفية دولية تجرعت مرارة الإعتقال بل كنت سجينة “جرأة قلم” وكنت من زائرات مركز الإصلاح والتهذيب عكاشة …..

سيدتي

أخاطبكِ اليوم لا بصفة عابرة، ولا بكلمات مجاملة، بل بصدق امرأة تعرف معنى العبور من العاصفة إلى الضوء.

أنا يا سكينة بنجلون… امرأة لم تُعرّفها الجدران، ولم يُلخّصها حكم، ولم تُختصر في مرحلة. امرأة مرّت بتجربة قاسية، لكنها لم تسمح لها أن تسلبها اسمها أو رسالتها. أقف أمامكِ اليوم بقلب هادئ، وعينين تعلّمتا أن تريا أبعد من الألم، وبصوت لا يحمل شكوى، بل يحمل يقيناً.

لم أخرج من السجن كما دخلته.

دخلته امرأةً تحمل اسماً، وخرجتُ منه امرأةً تحمل معنى.

لم يكن الاعتقال نهاية، بل كان امتحاناً قاسياً لصلابة الروح. في الزنزانة الضيقة، اتّسعت رؤيتي. بين الجدران الباردة، اشتعل يقيني…. لم يكن السجن قيداً لوعيي، بل كان مساحة صمتٍ أعادتني إلى جوهري، إلى تلك القوة التي لا يصادرها قرار ولا يكسرها باب حديدي.

تعلمتُ هناك أن الحرية ليست جغرافيا، بل موقف.

وأن الكرامة ليست شعاراً، بل ثباتاً حين يحاولون كسر ظهرك.

لم أخرج حاقدة، ولم أخرج منهزمة. خرجتُ أكثر وضوحاً، أكثر إيماناً بأن الطريق الذي اخترته لم يكن نزوة، بل مسؤولية. وما دمتُ قد دفعتُ ثمن الكلمة، فلأن الكلمة كانت تستحق.

السجن لم يُسقطني من عيون الناس، بل أسقط عن عينيّ أوهاماً كثيرة. عرفتُ من يقف حقاً، ومن يصفّق فقط. وعرفتُ أن الإنسان لا يُقاس بما مرّ به من عثرات، بل بما بناه بعدها.

اليوم، أقف أمامكِ لا لأروي معاناة، بل لأعلن ميلاد مرحلة جديدة… مرحلة أختار فيها أن أحوّل الألم إلى مشروع، والتجربة إلى وعي، والجراح إلى قوة تدفعني إلى الأمام.

حين مررتُ بتجربة الاعتقال، بدا الأمر وكأنه لحظة توقّف قسري في مسار حياة مليء بالحركة. لكن ما حدث في العمق لم يكن توقّفاً… بل إعادة ترتيب كاملة للذات.

داخل تلك التجربة تعرّفتُ على نسخة أكثر صلابة مني. خرجتُ وأنا أُدرك أن المعرفة هي الدرع الحقيقي، وأن الاستثمار في الفكر هو أقوى أشكال المقاومة الهادئة. لذلك لم أسمح للمرحلة أن تظل حدثاً عابراً في سيرتي، بل جعلتها نقطة تحوّل.

عمّقتُ اشتغالي الأكاديمي، واستثمرت أكثر في مساري العلمي. صرتُ أنظر للبحث العلمي باعتباره مسؤولية لا لقباً. وها أنا أُحضّر لدكتوراه ….. .، لأنني أيقنت أن التمكين الحقيقي يبدأ من التأسيس النظري الصلب.

وسّعتُ مشاريعي التعليمية، واشتغلتُ بعقل أكثر استراتيجية في إدارة مؤسساتي التربوية. وانطلقت لطوّر تجربتي في الإنتاج السينمائي، وعمّقتُ حضوري الصحافي من خلال جريدتي، ليس فقط كمنبر، بل كمساحة وعي ومسؤولية. كل خطوة بعد تلك المرحلة كانت محسوبة، ناضجة، ومبنية على رؤية واضحة.

لم يعد النجاح بالنسبة لي مجرد تحقيق أهداف مهنية، بل أصبح إثباتاً صامتاً أن المرأة يمكن أن تمر من المحنة دون أن تنكسر، وأن تتحول من موضوع للحدث إلى فاعلة فيه.

التجربة جعلتني أكثر هدوءاً في قراراتي، أكثر استقلالاً في مواقفي، وأكثر ثقة في مساري. لم أعد أتعامل مع الحياة بردّ فعل، بل بخطة. لم أعد أشتغل بدافع العاطفة فقط، بل بوعي سياسي وقانوني أعمق.

اليوم، حين أنظر إلى تلك المرحلة، لا أراها سجناً، بل مختبراً أعاد صياغتي. خرجتُ منه بأفق أوسع، ورؤية أكثر نضجاً، وإصرار على أن يكون عطائي أقوى من أي محاولة لتقزيمي.

لهذا أكتب لكِ… لأن بعض التجارب لا تُروى لتثير الشفقة، بل لتُفهم كمحطات تأسيس.

سكينة،

السجن لم يؤثر على عملي، ولم يُغيّر نظرة المجتمع لي كما قد يتصور البعض وكما تقولين……..

حين خرجتُ، عدتُ إلى مؤسساتي التعليمية أكثر حضوراً، وأكثر قدرة على الإدارة والتطوير. لم يتراجع عطائي، ولم يتوقف مساري. على العكس، وجدّتُ في عملي سنداً وقوة، وتفاعلاً أكبر ممن يعرفونني عن قرب. المعيار الحقيقي في نهاية الأمر ليس حدثاً عابراً، بل تراكم السيرة والجدية والنتائج.

المجتمع قد يُفاجأ، قد يتساءل، لكنّه في النهاية يحكم على الاستمرارية. وأنا استمررت. استمررتُ بعلمي، بمشاريعي، بجديتي، بمسؤوليتي. لم أسمح لواقعة واحدة أن تختزل تاريخاً كاملاً من العمل والاجتهاد.

اكتشفتُ أن الصورة التي يبنيها الإنسان على مدى سنوات لا تمحوها لحظة. الثقة تُبنى بالتراكم، والسمعة تُصان بالفعل لا بالدفاع عنها. لذلك لم أنشغل بتبرير ذاتي، بل انشغلتُ بالإنجاز.

اليوم، أنا أكثر حضوراً من ذي قبل، أكثر ثباتاً، وأكثر قناعة أن القيمة الحقيقية لا يمنحها تصفيق ولا يسلبها عارض.

تلك التجربة لم تنقصني شيئاً… بل أظهرت لي أنني كنت أقوى مما أتصور……

سيدتي،

قبل أن أختم رسالتي إليكِ، أود أن أخبركِ بشيء أعتبره ثمرة تلك التجربة لا مجرد نتيجة لها؛ بعد خروجي، لأنني لم أتوقف عند حدود التعافي، قررت أن أُحوِّل التجربة إلى علم ومعرفة. اليوم، أنا طالبة كوتشينغ إلى جانب متابعتي لماستر في علم النفس، لأنني أدركت أن الألم إذا لم نفهمه سيُهزمنا، وإذا درسناه سيُعيد تشكيلنا قوةً ووعياً…..

لم أعد فقط امرأة نجت من السجن، بل أصبحت امرأة تدرس الإنسان… هشاشته وقوته، سقوطه ونهوضه. اخترت أن أكون سنداً لكل من يمرّ بالعتمة، وأن أُحوِّل ما عشته إلى أدوات فهمٍ ومرافقةٍ ومساندة…..

سكينة،

لم يكن السجن محطة كسر، بل كان بداية إعادة بناء. وأنا اليوم أبني نفسي بعلمٍ أعمق، وبقلبٍ أكثر رحمة، وبوعيٍ يجعلني أقوى مما كنت.

درستُ الإنسان بعد أن عشتُ هشاشته.

فهمتُ السقوط بعد أن اختبرتُ النهوض.

وتعلّمتُ أن أقسى التجارب يمكن أن تتحول إلى رسالة.

أنا اليوم لا أمثل تجربة سجنٍ عابرة، بل أمثل وعياً وُلد من رحم الشدّة. لم يهزمني السجن، لم يُسقطني من مهنتي، ولم يُغيّر نظرة المجتمع إليّ، بل زادني ثباتاً ورسّخ اسمي أكثر. خرجتُ أكثر علماً، أكثر إدراكاً، وأكثر إصراراً على أن أكون سنداً لكل امرأة تمر بالعتمة.

و متعتي سكينة أجدها أيضا في قلمي أنيسي ومستمتعي، أحمله لأكتب الرواية والقصة وابدع شعرا وزجلا ….

سكينة… أدعوكِ أن ننتمي معاً إلى عالم النساء اللواتي لم يهزمهن السجن.

عالم النساء اللواتي حوّلن القيود إلى مفاتيح، والجدران إلى منصّات انطلاق، والجراح إلى قوة تأثير.

تعالي نصنع من التجربة موقفاً، ومن الألم مشروعاً، ومن الصمت صوتاً له وزن.

فنحن لسنا ضحايا مرحلة… نحن صانعات مرحلة جديدة.

هذه رسالتي إليكِ…

وهذا وعد امرأة لم تنكسر………

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*