تهميش مغاربة العالم: تناقض بين الخطاب والممارسة في ظل التجارب الدولية والمقتضيات الدستورية

تهميش مغاربة العالم: تناقض بين الخطاب والممارسة في ظل التجارب الدولية والمقتضيات الدستورية.

كتبها: جمال الدين ريان 

منذ اعتلاء الملك محمد السادس عرش المغرب في عام 1999، شهدت البلاد سلسلة من الخطابات الملكية السامية التي أكدت على أهمية إشراك مغاربة العالم في التنمية الشاملة للوطن، وضمان تمثيلهم داخل المؤسسات الدستورية.

ورغم هذه التوجيهات السامية التي تعكس رؤية تقدمية وشاملة، فإن الواقع السياسي للحكومات المتعاقبة يعكس تناقضاً صارخاً، حيث تم تهميش ملف تمثيلية الجالية المغربية بالخارج بشكل متكرر، مما يثير تساؤلات حادة حول مدى احترام هذه الحكومات للتوجهات الملكية وأولويات الدولة.

إن مغاربة العالم يشكلون شريحة أساسية في النسيج الوطني، سواء من حيث عددهم أو من حيث الدور الاقتصادي والاجتماعي الذي يلعبونه عبر التحويلات المالية والاستثمارات ودورهم في ترويج صورة المغرب بالخارج. ومع ذلك، نجد أن الحكومات المغربية، على اختلاف توجهاتها، لم تترجم الالتزامات الدستورية والخطابات الملكية السامية المتعلقة بهم إلى سياسات عملية.

فبدلاً من السعي لخلق آليات تضمن تمثيلاً حقيقياً وفعالاً لهذه الفئة في البرلمان، يتم التعامل مع هذا الملف وكأنه “طابو سياسي”، مما يعكس غياب الإرادة السياسية الحقيقية.

التجارب الدولية المقارنة: إشراك المغتربين في صنع القرار:

لتوضيح مدى التقصير المغربي في هذا الملف، يمكن الاستفادة من التجارب الدولية المقارنة التي نجحت في دمج مواطنيها المقيمين بالخارج في العملية السياسية.

على سبيل المثال:

1. فرنسا: تعتبر فرنسا واحدة من الدول الرائدة في إشراك مواطنيها بالخارج، حيث خصصت 11 مقعداً في البرلمان لممثلي الجاليات الفرنسية حول العالم.

إضافة إلى ذلك، يحظى الفرنسيون بالخارج بتمثيل مباشر في مجلس الشيوخ من خلال هيئات تم انتخابها خصيصاً لهذا الغرض.

2. إيطاليا: خصصت إيطاليا 12 مقعداً في مجلس النواب و6 مقاعد في مجلس الشيوخ لتمثيل الجاليات الإيطالية المقيمة بالخارج. يتم انتخاب هؤلاء الممثلين مباشرة من طرف الإيطاليين المغتربين، مما يضمن صوتاً حقيقياً لهم في السياسات الوطنية.

3. البرتغال: لدى البرتغال نظام تمثيلي مشابه، حيث يمنح البرتغاليون المقيمون بالخارج حق التصويت وإمكانية الترشح في الانتخابات البرلمانية. كما توفر الدولة آليات لدعم مشاركتهم في صنع القرار السياسي.

هذه الأمثلة توضح أن إشراك الجاليات المقيمة بالخارج ليس مسألة مستحيلة أو معقدة.

بل هو حق ديمقراطي أساسي تضمنه الدول التي تحترم دستورها ومواطنيها، مهما كانت مواقعهم الجغرافية. السؤال الذي يطرح نفسه هنا: لماذا لا يحذو المغرب حذو هذه الدول، خصوصاً أن دستوره لسنة 2011 يقر بوضوح حقوق المشاركة السياسية لجميع المغاربة؟

الأبعاد الدستورية: التزامات مغيبة:

الدستور المغربي لعام 2011 جاء في سياق حراك ديمقراطي شعبي، وكان من أبرز أهدافه تعزيز المشاركة السياسية والتمثيل العادل لكل فئات المجتمع، بما في ذلك الجالية المغربية بالخارج. نص الفصل 17 من الدستور بشكل صريح على أن “المغاربة المقيمين بالخارج يتمتعون بحقوق المواطنة كاملة، بما فيها حق التصويت والترشح في الانتخابات.” ومع ذلك، لم يتم تفعيل هذا النص بشكل جاد، بل شهدنا مماطلة وتسويفاً من قبل الحكومات التي اختارت التهرب من هذا الملف.

هذا الوضع يعكس تناقضاً قانونياً ودستورياً صارخاً. فعدم تفعيل هذا الحق لا يضر فقط بمغاربة العالم، بل يهدد مصداقية المؤسسات الدستورية ويضعف الالتزام بمبدأ دولة القانون.

استمرار تغييب هذه الفئة عن التمثيل السياسي يُعد انتهاكاً واضحاً للروح الديمقراطية للدستور، ويطرح تساؤلات حول جدية الدولة في احترام تعهداتها القانونية والتزاماتها الدولية في مجال حقوق الإنسان.

الآثار السياسية والاجتماعية لتجاهل مغاربة العالم:

تجاهل تفعيل تمثيلية مغاربة العالم في المؤسسات الدستورية لا يخلو من تداعيات خطيرة:

1. ضعف الشعور بالانتماء: 

يؤدي الإقصاء المستمر للجالية من المشاركة السياسية إلى تآكل الشعور بالانتماء للوطن، خصوصاً لدى الأجيال الصاعدة التي تنشأ في بيئات بعيدة عن المغرب

2. تراجع الثقة في الدولة: 

يعمق هذا التجاهل فجوة الثقة بين مغاربة العالم والمؤسسات الوطنية، مما ينعكس سلباً على ارتباطهم بالدولة وعلى استعدادهم لدعم قضاياها الوطنية.

3. إهدار الطاقات والكفاءات: مغاربة العالم يزخرون بكفاءات علمية ومهنية متميزة، يمكن أن تساهم في صنع القرار الوطني إذا أتيحت لهم الفرصة. ولكن تغييبهم عن التمثيل يعني إهدار هذه الطاقات التي يمكن أن تكون رافعة حقيقية للتنمية.

إذا كانت الحكومات المغربية جادة في تعزيز المشاركة الديمقراطية وبناء دولة المؤسسات، فإن تمثيل مغاربة العالم يجب أن يكون أولوية وليس ملفاً مؤجلاً أو مستبعداً. التجارب الدولية تثبت أن إشراك الجاليات المقيمة بالخارج في صنع القرار ليس فقط ممكناً، بل هو حق أساسي يعزز الديمقراطية والوحدة الوطنية.

إن تجاهل هذه القضية لا يمثل فقط خيانة لروح الدستور والخطابات الملكية، بل يهدد أيضاً وحدة المغاربة في الداخل والخارج، ويضعف الشعور بالانتماء لدى فئة كبيرة من المواطنين الذين يساهمون في بناء الوطن من مواقعهم المختلفة.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*