الخيانة الرقمية… حين يتحول النصب والتشهير إلى سلاح ضد الوطن، هشام جيراندو نموذجا

الخيانة الرقمية… حين يتحول النصب والتشهير إلى سلاح ضد الوطن، هشام جيراندو نموذجا

 سياسي: الرباط 

لم تكن الأحكام التي أصدرتها الغرفة الجنحية بالمحكمة الابتدائية بمدينة سلا يوم 6 مارس 2026 مجرد نهاية لملف جنحي عابر، بل كانت حلقة من حلقات تفكيك شبكة أوسع من الممارسات الإجرامية التي امتدت خيوطها خارج الحدود، وتقاطعت فيها جرائم النصب والاحتيال مع حملات التشهير والتحريض التي يقودها المدعو هشام جيراندو المقيم في كندا.

فالقرار القضائي الذي أدان ثلاثة أشخاص من عائلة ومقربين من المدعو مهدي حيجاوي، بعد ثبوت تورطهم في انتحال صفة ينظمها القانون، والنصب والاحتيال والمشاركة فيه، إضافة إلى تقديم المساعدة لشخص مبحوث عنه من أجل الإفلات من العدالة والتهديد، كشف مرة أخرى أن بعض الشبكات لا تكتفي باستهداف المواطنين بالنصب، بل تعمل أيضا على حماية المتورطين في جرائم أخطر، في محاولة لضرب ثقة المجتمع في مؤسساته.

الأحكام جاءت واضحة وقاطعة: أربع سنوات حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها 50 ألف درهم في حق المتهم “أ.ب”، وثلاث سنوات حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها 30 ألف درهم في حق المتهمة “ز.ع”، ثم سنتان حبسا نافذا وغرامة قدرها 30 ألف درهم في حق المتهم “ي.ح”. وهي عقوبات تعكس صرامة القضاء في مواجهة كل من يعتقد أن حماية الفارين من العدالة أو التستر عليهم يمكن أن تمر دون حساب.

غير أن ما يثير الانتباه في هذا الملف هو تقاطعه مع النشاط الإعلامي المسموم الذي يديره المدعو هشام جيراندو من خارج الوطن. 

فهذا الأخير، الذي يتخذ من كندا مقرا له، لم يكتف بتحويل منصات التواصل الاجتماعي إلى فضاء لنشر الادعاءات والتشهير بالمؤسسات والأشخاص، بل تحولت هذه المنصات – وفق ما تؤكده عدة معطيات متداولة – إلى أداة لابتزاز الضحايا وبث الإشاعات والتلاعب بالرأي العام.

إن جرائم التشهير الرقمي ليست مجرد كلمات عابرة على شاشة هاتف.

إنها سلاح خطير يستخدم لضرب سمعة الأفراد، وتقويض الثقة في المؤسسات، وخلق مناخ من الشك والفوضى. وعندما يقترن هذا السلوك بحالات نصب واحتيال، أو بمحاولات حماية أشخاص مبحوث عنهم من العدالة، فإن الأمر يتجاوز حدود حرية التعبير ليصبح منظومة كاملة من الجرائم المنظمة العابرة للحدود.

لقد حاول هشام جيراندو، عبر خطاباته ومقاطع الفيديو التي يبثها من الخارج، أن يقدم نفسه في صورة “المدافع عن الحقيقة”، بينما تكشف الوقائع أن ما يجري في الواقع ليس سوى حملة ممنهجة من التشهير والتضليل، تستهدف الأفراد والمؤسسات على حد سواء، وتخلق بيئة خصبة للابتزاز والنصب.

والأخطر من ذلك أن بعض المقربين أو المتعاطفين مع هذه الشبكات يسقطون في فخ التورط، سواء عبر التستر على المتورطين في جرائم النصب، أو عبر تقديم المساعدة لهم للإفلات من قبضة العدالة، كما أظهرته بوضوح الأحكام الصادرة عن عدة محاكم المملكة.

إن الدول الحديثة لا تواجه فقط الجريمة التقليدية، بل تواجه أيضا الجريمة الرقمية التي تختبئ خلف الشاشات والحدود الجغرافية. 

فالهارب خارج الوطن قد يعتقد أن المسافة تحميه، وأن بث الفيديوهات والاتهامات من وراء البحار يمنحه حصانة وهمية.

لكن التجارب أثبتت أن العدالة قد تتأخر، لكنها لا تسقط بالتقادم، ولا تعترف بالحدود حين يتعلق الأمر بجرائم التشهير والابتزاز والنصب.

القضية إذن أكبر من مجرد أحكام حبسية صدرت في حق أشخاص.

إنها رسالة واضحة مفادها أن كل من يشارك في حماية المجرمين أو يساهم في نشر التشهير والتضليل، إنما يضع نفسه في مواجهة القانون.

فخيانة الوطن، لم تعد اليوم دائما في شكل مؤامرات كبرى، بل قد تظهر في صورة حساب رقمي يبث الأكاذيب، أو شبكة احتيال تستغل ثقة الناس، أو أشخاص يفتحون الأبواب للفارين من العدالة.

وفي النهاية تبقى الحقيقة واحدة: الأوطان لا يسقطها الأعداء في الخارج بقدر ما يهددها أولئك الذين يخدمونهم من الداخل… بالاحتيال والتشهير وتزييف الحقائق.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*