في الوقت الذي غاب فيه التأطير الحزبي والجمعوي الجاد، كانت غرف الدردشة كفيلة بتأطير جيل كامل على منطق “الكلاش”.

في الوقت الذي غاب فيه التأطير الحزبي والجمعوي الجاد، كانت غرف الدردشة كفيلة بتأطير جيل كامل على منطق “الكلاش”.

كتبها: فيصل العراقي 

المشكل ليس في شاب بعينه، بل في نموذج كامل يتشكل أمامنا.

ما حدث في الحوار مع نبيل بنعبد الله لا يمكن اختزاله في قلة لياقة، بل يكشف تحولًا أعمق: من منطق النقاش إلى منطق المواجهة.

لم تعد الأسئلة تُطرح للفهم، بل للاتهام، ولم تعد المقاطعة استثناء تكتيكيًا، بل أصبحت أسلوبًا دائمًا يعكس غياب القدرة على الاستماع والتحليل.

المشهد أصبح أقرب إلى غرف الدردشة: أصوات تتقاطع، الحضور يُقاس بعلو النبرة، وانتصار وهمي يُبنى على المقاطعة لا على الحجة. الأخطر أن هذه اللحظات يتم الترويج لها لاحقًا كأنها إنجاز سياسي، بينما هي في الحقيقة مجرد انتصارات صوتية فارغة من أي عمق.

نحن أمام جيل يتشكل وعيه السياسي خارج فضاءات التأطير التقليدية، جيل تأطر في Paltalk وBigo وCamfrog، واحترف التعبير في TikTok وDiscord، حيث تُكافأ السرعة على حساب العمق، والصوت العالي على حساب الفكرة، ولا يعود الهدف فهم الواقع أو تفكيك الخطاب، بل تحقيق لحظة حضور سريعة قابلة للتداول.

وفي هذا السياق، ينبغي أن نكون منصفين: فالكثير من الشباب القادمين من مناطق تعاني هشاشة اجتماعية أو نقصًا في فرص التأطير، يجدون أنفسهم أسرع اندماجًا في هذه الأنماط، ليس لضعف فيهم، بل لأنهم لم يُمنحوا بدائل حقيقية تُنمّي لديهم أدوات التحليل والتفكير النقدي.

وفي ظل غياب تأطير سياسي وفكري جاد، لم يعد الفراغ محايدًا، بل امتلأ بنماذج تُدرّب على الضجيج لا على التفكير.

والواقع أن جزءًا من المسؤولية يقع علينا أيضًا، حين تم تهميشنا داخل الأحزاب أو انسحبنا من أدوار التأطير، فتركنا المساحة فارغة لمنطق آخر كي يتشكل ويملأ الساحة.

النتيجة أننا لا نُكوّن جيلًا قادرًا على إدارة الاختلاف وبناء الحلول، بل جيلًا يعيد إنتاج نفس الضجيج، فقط بوجوه جديدة.

السؤال الحقيقي اليوم:

هل نريد شبابًا ينتصر في النقاش…

أم شبابًا يقفز على المايك ليصنع انتصارًا بالصوت لا بالفكرة؟

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*