أمن الحدود في مواجهة “درون” التهريب: ضربة وجدة النوعية وتكريس السيادة الأمنية
سياسي: رشيد لمسلم
في الوقت الذي تراهن فيه شبكات الجريمة العابرة للحدود على التكنولوجيا لتمويه نشاطاتها المحظورة، أثبتت الأجهزة الأمنية المغربية مرة أخرى أنها تمتلك “الترياق الرقمي” والميداني لإجهاض أكثر المخططات تعقيدا.
العملية النوعية التي شهدتها مدينة وجدة مؤخرا، بتنسيق وثيق بين المصلحة الولائية للشرطة القضائية والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DST)، لم تكن مجرد حجز للمخدرات، بل كانت إعلاناً صريحاً عن “تحديث القوة” في مواجهة “تحديث الجريمة”.
التكنولوجيا في قبضة اليقظة
لقد كشفت تفاصيل العملية عن تحول جذري في عقيدة التهريب الدولي؛ حيث انتقلت الشبكات من الاعتماد على المسالك الجبلية والوسائل التقليدية إلى استغلال الطائرات المسيرة (الدرون). حجز 25 طائرة مسيرة و155 بطارية يشير إلى أننا أمام “أسطول جوي إجرامي” كان يهدف إلى اختراق الحدود بطريقة ذكية، لكن اليقظة الاستخباراتية الاستباقية للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني كانت أسرع من محركات هذه الطائرات.
تفكيك البنية المالية واللوجستية
لم تتوقف الضربة الأمنية عند حدود الاعتقالات التي طالت 8 أشخاص (بينهم أجنبي)، بل امتدت لتضرب “عصب الحياة” للشبكة.
إن حجز مبلغ مالي يفوق 465 مليون سنتيم، إلى جانب 8 سيارات وممتلكات ثمينة، يعكس استراتيجية “تجفيف المنابع” التي تنهجها السلطات المغربية.
فمحاربة الجريمة المنظمة لا تكتمل إلا بمصادرة أصولها المالية لضمان عدم قدرتها على إعادة التشكل.
دلالات العملية: رسائل في كل الاتجاهات
تحمل هذه العملية في طياتها رسائل استراتيجية هامة:
أولا: التأكيد على التناغم التام بين مختلف الأجهزة الأمنية (DGSN-DGST)، وهو التناغم الذي أصبح نموذجا يُحتذى به دوليا في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة.
ثانيا: إظهار القدرة على التأقلم مع الجرائم “عالية التقنية”، مما يثبت أن الأمن المغربي يواكب الثورة التكنولوجية بآليات رصد وتتبع أكثر تطوراً
ثالثا: حماية الأمن القومي بمعناه الشامل؛ فالتهريب ليس نشاطا تجاريا غير مشروع فحسب، بل هو تهديد للصحة العامة وتلاعب بالاستقرار الاقتصادي والحدودي للمملكة.
العيون التي لا تنام
تحت إشراف النيابة العامة المختصة، تستمر الأبحاث للكشف عن الامتدادات الدولية لهذه الشبكة.
وهي جهود تذكرنا بأن استقرار المغرب ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة استراتيجية أمنية استباقية، يقودها رجال ونساء نذروا أنفسهم لحماية الوطن.
إن عملية وجدة هي برهان ساطع على أن حدود المملكة ليست مجرد خطوط جغرافية، بل هي “حصن تكنولوجي وبشري” منيع، تتحطم عليه أوهام المهربين مهما بلغت درجة ذكائهم الإجرامي.
تحية إجلال لرجال الأمن الوطني، حراس الحاضر وبناة الثقة في المستقبل.
