أبجدية مغرب الغد… كيف يمكن تحويل السياسة بالمغرب من صراع المواقع إلى هندسة المستقبل؟

*أبجدية مغرب الغد… كيف يمكن تحويل السياسة بالمغرب من صراع المواقع إلى هندسة المستقبل؟*

بقلم: *نادية واكرار*

 

ان الأزمة الحقيقية التي تواجه جزءا من الممارسة السياسية المغربية ليست أزمة موارد أو مؤسسات أو قوانين، بقدر ما هي في جوهرها العميق أزمة تمثلات ذهنية ما زالت عاجزة عن استيعاب المغرب كما هو والمغرب كما يريد أن يكون. 

فبين التحولات الكبرى التي تقودها الدولة وبين بعض النخب التي ما تزال أسيرة منطق التدبير اليومي والانتخابي الضيق… تتشكل فجوة صامتة بين الرؤية الاستراتيجية للمستقبل وبين أدوات قراءته.

لقد دخل المغرب منذ سنوات مرحلة تاريخية جديدة عنوانها إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمجال وبين التنمية والهوية وبين الوحدة والتعدد.

غير أن جزءا من الفاعلين السياسيين ما زال يتعامل مع هذه التحولات بمنطق الأمس… وكأن الزمن السياسي لم يتغير… وكأن المجتمع المغربي ما زال ينتظر الخطابات نفسها والوعود نفسها والوجوه نفسها.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب الفاعل السياسي ليس فقدان الشعبية أو خسارة الانتخابات، بل فقدان القدرة على رؤية الواقع خارج حدود ذاته.

هنا يولد ما يمكن تسميته بـ”السياسي المتوحد سياسيا”…

هو الذي يتحاور مع صورته أكثر مما يتحاور مع المجتمع ويصغي إلى صدى صوته أكثر مما يصغي إلى نبض الناس… إنه ذلك الفاعل الذي يعتقد أن امتلاك المنصب يعني امتلاك الحقيقة، وأن السلطة تمنحه حق تفسير المجتمع بدل فهمه.

وفي هذه اللحظة تحديدا تبدأ السياسة في إنتاج أوهامها الخاصة… تختلط الحقائق بالرغبات وتتحول المؤشرات إلى انطباعات ثم يصبح النجاح خطابا يقال أكثر مما يكون واقعاً يُعاش.

إنها حالة لا يمكن فهمها فقط من زاوية السياسة، بل من زاوية فلسفة السلطة نفسها، حين تنفصل عن النقد، وحين تفقد القدرة على مراجعة ذاتها.

ولعل أحد أبرز مظاهر هذا الانفصال يتمثل في سوء فهم معنى الجهوية المتقدمة…

هذه الأخيرة لم تكن مجرد إصلاح إداري أو إعادة توزيع للاختصاصات بل كانت مشروعا حضاريا يهدف إلى تحرير الطاقات المحلية وإطلاق ديناميات تنموية جديدة والاعتراف بالغنى الترابي والثقافي الذي يميز المغرب.

غير أن كثيرا من الممارسات السياسية اختزلتها في خرائط انتخابية جديدة أو في توزيع آخر للمناصب والمسؤوليات.

والحال أن المغرب لم يكن يوما قويا رغم تعدده بل كان قويا بفضل تعدده….

فتنوع روافده الأمازيغية والعربية والحسانية والإفريقية والأندلسية والعبرية والمتوسطية ليس عبئا على الدولة و أحد أهم مصادر قوتها الرمزية والاستراتيجية.

إنها ثروة حضارية لا تنضب ورأسمال معنوي لا يمكن استيراده ولا تعويضه ولا إعادة إنتاجه خارج التجربة المغربية.

… من هنا يبدو السؤال أكثر إلحاحا: لماذا ما زال بعض الفاعلين يخافون من الكفاءة كما يخافون من المنافسة؟ ولماذا ينظر أحيانا إلى الخبرة والعلم والاستقلالية الفكرية باعتبارها عناصر إزعاج بدل اعتبارها أدوات دعم وإسناد؟

إن الدولة الحديثة لا تبنى بالخوف من العقول بل بالاستثمار فيها…. والمسؤول الواثق من مشروعه لا يرى في الكفاءة تهديدا لموقعه بل فرصة لتوسيع أفق إنجازه.

أما الذين يربطون وجودهم السياسي بالموقع الذي يشغلونه فإنهم يتحولون تدريجيا إلى حراس للمناصب بدل أن يكونوا صناعاً للمستقبل.

إن المغرب اليوم في حاجة إلى ثورة هادئة في طريقة التفكير السياسي…. ثورة لا تقوم على إسقاط الأشخاص أو استبدال الوجوه فقط بل على إعادة برمجة العقل السياسي نفسه….إعادة برمجة تجعل من الكفاءة قيمة، ومن الاختلاف فرصة، ومن النقد آلية للتصحيح لا سببا للإقصاء ومن التنوع قوة استراتيجية لا ملفاً ثانويا.

فمع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، لا يبدو الرهان الحقيقي في عدد المقاعد التي ستفوز بها الأحزاب ….انما في نوعية الثقافة السياسية التي ستنتصر. 

هل ستنتصر ثقافة الخوف من الكفاءات أم ثقافة الاستثمار فيها؟ وهل ستنتصر عقلية تدبير المصالح الآنية أم عقلية بناء المشاريع الكبرى؟ 

هل ستظل السياسة مجالا لإعادة إنتاج النخب نفسها… أم ستتحول إلى فضاء مفتوح لاستيعاب الطاقات والخبرات والأفكار الجديدة؟

إن مغرب الغد لن يبنى فقط بالموازنات والاستثمارات والبنيات التحتية، مهما كانت أهميتها، بل سيبنى كذلك بنوعية العقل الذي يدير هذه المشاريع وبالقدرة على تحويل الثروة البشرية إلى قوة اقتراح وإبداع وإنتاج.

فالتاريخ يعلمنا دائما أن الأمم لا تتراجع حين تفتقر إلى الموارد بل حين تخاف من عقول أبنائها.

كما يعلمنا أن المستقبل لا تصنعه النخب التي تكتفي بحماية مواقعها بل النخب التي تملك الشجاعة الكافية لفتح الأبواب أمام أجيال وأفكار وكفاءات جديدة.

ولعل أعظم برمجة سياسية يحتاجها المغرب في هذه المرحلة ليست برمجة انتخابية، بل برمجة حضارية جديدة، تؤمن بأن المنصب وسيلة لا غاية، وأن الكفاءة شريك لا خصم، وأن التعدد ثروة لا تهديد، وأن الوطن أكبر من الحسابات الضيقة وأبقى من جميع المواقع والمصالح العابرة.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*