USFP bann

الذكاء الاصطناعي يدخل غرف الأخبار… هل يهدد الصحفي أم ينقذه؟

الذكاء الاصطناعي يدخل غرف الأخبار… هل يهدد الصحفي أم ينقذه؟

بقلمي: عافية صابر

لم يعد الذكاء الاصطناعي موضوعا من مواضيع المستقبل البعيد، ولا تكنولوجيا نتحدث عنها وكأنها ستصل إلينا بعد سنوات.

لقد دخل حياتنا اليومية، ووصل إلى المدارس والشركات والإدارات، ووجد طريقه أيضا إلى الصحافة والإعلام.

اليوم يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يكتب نصا، ويلخص تقريرا، ويقترح عنوانا، ويترجم مقالا، ويحلل كمية كبيرة من المعلومات في وقت قصير جدا.

وهنا بدأ السؤال الذي يخيف كثيرا من الصحفيين:

إذا أصبح بإمكان الآلة أن تكتب… فما الذي سيبقى للصحفي؟

السؤال يبدو بسيطا، لكنه في الحقيقة يفتح نقاشا كبيرا حول مستقبل المهنة.

هل أصبح الذكاء الاصطناعي صحفيا؟

الجواب، في رأيي، هو: لا.

قد يستطيع أن ينتج نصا يبدو صحفيا، وقد يكون النص منظما وسلسا، وقد يقترح عناوين جذابة، لكنه لا يعيش الحدث.

الصحفي الحقيقي يذهب إلى المكان، يرى، يسمع، يسأل، يتحقق، يقابل الناس، يلاحظ التفاصيل التي لا توجد في البيانات، ثم يتحمل مسؤولية ما ينشره.

الآلة تستطيع أن تعالج المعلومات.

لكن الصحفي هو الذي يبحث عن الحقيقة.

وهنا يكمن الفرق.

قد تستطيع التكنولوجيا أن تخبرك بأن حادثة وقعت، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تنقل إليك إحساس أم فقدت ابنها، أو خوف مواطن عاش لحظة صعبة، أو ارتباك مسؤول أمام سؤال لم يكن يتوقعه.

هذه التفاصيل هي روح الصحافة.

الخطر ليس في الذكاء الاصطناعي وحده

المشكلة ليست في وجود الذكاء الاصطناعي.

المشكلة تبدأ عندما يتحول الصحفي إلى شخص ينسخ ما تنتجه الآلة ثم ينشره دون تحقق.

وهنا يمكن أن تتحول السرعة إلى خطر.

فالذكاء الاصطناعي قد يخطئ، وقد يخلط بين المعلومات، وقد يقدم معلومة غير صحيحة بصياغة تبدو واثقة.

ولهذا فإن الصحفي الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى أن يكون أكثر يقظة، لا أقل.

كل معلومة يجب أن تتحقق.

كل اسم يجب أن يراجع.

كل رقم يجب أن يعود إلى مصدره.

وكل اتهام يجب أن يخضع للقواعد المهنية والأخلاقية.

هل سيختفي الصحفي؟

لا أعتقد أن الصحفي سيختفي.

لكنني أعتقد أن الصحفي الذي يرفض التطور قد يجد نفسه خارج المنافسة.

وهذه نقطة مهمة.

التاريخ عرف تحولات كثيرة في الإعلام.

عندما ظهرت الصحافة الإلكترونية، خاف البعض على الصحافة الورقية.

وعندما ظهرت وسائل التواصل الاجتماعي، اعتقد البعض أن الصحافة التقليدية انتهت.

لكن الصحافة لم تختف.

تغيرت أدواتها.

واليوم يتغير جزء آخر من أدواتها مع الذكاء الاصطناعي.

الصحفي الذي يعرف كيف يستخدم هذه الأدوات يمكن أن يصبح أسرع وأكثر قدرة على البحث والتحليل.

أما الصحفي الذي يترك الآلة تفكر بدلا منه، فهو لا يستخدم التكنولوجيا، بل يسمح لها بأن تحل محله.

الصحافة ليست مجرد كتابة

وهنا يجب أن نعيد تعريف الصحافة.

الصحافة ليست أن تكتب فقرة جميلة.

وليست أن تعرف كيف تصنع عنوانا مثيرا.

وليست أن تجمع المعلومات من مواقع مختلفة وتضعها في نص واحد.

الصحافة مسؤولية.

هي القدرة على طرح السؤال الصحيح في الوقت الصحيح.

هي القدرة على الوصول إلى المعلومة.

هي التحقق من الروايات المختلفة.

هي احترام حق المواطن في المعرفة.

وهي أيضا الشجاعة في قول ما يجب أن يقال، عندما تكون المعلومة موثقة ويكون النشر في إطار القانون وأخلاقيات المهنة.

وهذه الأشياء لا يمكن اختزالها في برنامج.

وماذا عن الصحفي الذي لا يجيد الكتابة؟

هنا تظهر مفارقة أخرى.

الذكاء الاصطناعي أصبح قادرا على تحسين لغة النص، وترتيب الأفكار، وتصحيح الأخطاء، وحتى إنتاج أسلوب يبدو احترافيا.

وهذا مفيد للصحفي الذي يعرف ماذا يريد أن يقول.

لكن الخطورة تظهر عندما تصبح جودة اللغة غطاء لضعف الفكرة.

يمكن للآلة أن تمنح شخصا نصا جميلا، لكنها لا تستطيع أن تمنحه تجربة صحفية حقيقية.

قد تستطيع أن تساعده في صياغة السؤال، لكنها لا تستطيع أن تمنحه شجاعة طرحه.

قد تساعده في ترتيب المعلومات، لكنها لا تستطيع أن تعطيه حاسة صحفية تلتقط تفصيلا صغيرا وسط عشرات التفاصيل.

ولهذا فإن المستقبل لن يكون بالضرورة للأكثر قدرة على الكتابة فقط، بل للأكثر قدرة على التفكير والتحقق والتحليل وطرح الأسئلة.

الذكاء الاصطناعي فرصة أيضا

بدلا من النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره عدوا، يمكن للصحافة أن تستخدمه كأداة.

يمكن أن يساعد الصحفي في البحث الأولي، وتحليل الوثائق، وتلخيص المعلومات الطويلة، وترجمة بعض المواد، وتنظيم البيانات، واقتراح الأفكار والعناوين.

لكن القرار النهائي يجب أن يبقى للإنسان.

الصحفي هو الذي يقرر ماذا ينشر، ولماذا ينشره، وكيف ينشره، وما مدى أهمية المعلومة بالنسبة إلى الجمهور.

وهذا هو الخط الفاصل بين صحفي يستخدم الذكاء الاصطناعي وشخص يستخدم الذكاء الاصطناعي ليبدو صحفيا.

أخطر شيء: الأخبار المزيفة

ربما يكون أكبر تحد أمام الإعلام في عصر الذكاء الاصطناعي هو التضليل.

اليوم يمكن إنتاج صور ومقاطع صوتية وفيديوهات يصعب على الشخص العادي أحيانا معرفة حقيقتها.

ويمكن تركيب تصريحات لم يقلها أصحابها، أو إنشاء صور لأحداث لم تقع، أو نشر معلومات كاذبة بسرعة كبيرة.

وهنا تصبح مهمة الصحفي أكثر أهمية.

في الماضي كان الصحفي يساعد المواطن على معرفة الخبر.

أما في عصر الذكاء الاصطناعي، فقد يصبح الصحفي مطالبا أيضا بمساعدة المواطن على معرفة هل الخبر نفسه حقيقي أم مزيف؟

وهذا تطور كبير في وظيفة الصحافة.

لا أخاف من الآلة… أخاف من صحفي يتخلى عن عقله

أنا لا أخاف من الذكاء الاصطناعي.

ما أخشاه هو أن يتخلى الإنسان عن عقله لصالحه.

إذا استخدم الصحفي الذكاء الاصطناعي كأداة، فسيكون أمامه مجال واسع للتطور.

أما إذا جعله يفكر ويبحث ويكتب ويتحقق نيابة عنه، فإن المشكلة لن تكون في الآلة.

ستكون في الإنسان.

فالصحافة في جوهرها ليست حروفا مرتبة على شاشة.

الصحافة موقف.

والصحفي الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الكلمات التي يكتبها، وإنما بعدد الأسئلة التي يطرحها، وكمية الحقيقة التي يبحث عنها، ومدى احترامه لعقل القارئ.

المستقبل لن ينتظر أحدا

الذكاء الاصطناعي موجود، وسيزداد حضوره في السنوات المقبلة.

ولذلك لا معنى لمحاولة إيقافه.

المطلوب هو أن نتعلم كيف نستخدمه دون أن نفقد إنسانيتنا، وكيف نستفيد من سرعته دون أن نتنازل عن التحقق، وكيف نستخدم قدرته دون أن نتنازل عن مسؤوليتنا.

قد يكتب الذكاء الاصطناعي مقالا في ثوان.

لكن الصحفي يحتاج إلى سنوات حتى يصنع اسمه وثقة قرائه.

وهذه الثقة لا تنتجها الخوارزميات.

يصنعها الصدق.

يصنعها الموقف.

يصنعها التحقق.

وتصنعها المصداقية.

لذلك، ربما يكون السؤال الحقيقي ليس:

هل سيقضي الذكاء الاصطناعي على الصحفي؟

بل:

أي صحفي سيبقى في عصر الذكاء الاصطناعي؟

والجواب واضح:

سيبقى الصحفي الذي يعرف أن التكنولوجيا تستطيع أن تساعده في الوصول إلى المعلومة، لكنها لا تستطيع أن تمنحه شرف البحث عن الحقيقة.

الذكاء الاصطناعي قد يغير طريقة كتابة الصحافة… لكنه لن يلغي الحاجة إلى صحفي يفكر، يتحقق، يسأل، ويملك الشجاعة ليقول الحقيقة.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*