أولى القراءات بعد إعلان نتائج الانتخابات التشريعية

أولى القراءات بعد إعلان نتائج الانتخابات التشريعية

أول ما يمكن قوله بعد إعلان النتائج هو أن ما وقع لا يعكس، بالضرورة، تحولاً عميقاً ونهائياً في الخريطة السياسية، بقدر ما يكشف عن تغيّر واضح في مزاج جزء من الناخبين خلال الأيام الأخيرة من الحملة.

 

صحيح أن نسبة المشاركة تعكس حجم الهوّة المتسعة بين المواطن والطبقة السياسية، وصحيح أيضاً أن الأحزاب ما يزال أمامها عمل كبير وشاق حتى تعيد للسياسة معناها ومكانتها داخل المجتمع، وتسترجع ثقة مواطن لم يعد يقتنع بالشعارات، ولا يقبل أن تتذكره الأحزاب فقط عند حلول موعد الانتخابات.

فالنتائج تخبرنا بمن فاز داخل صناديق الاقتراع، لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال الأهم: لماذا اختار جزء واسع من المواطنين البقاء خارجها؟ ولماذا لم يجد هؤلاء، وسط كل الأحزاب والبرامج والمرشحين، ما يستحق أن يمنحوه أصواتهم؟

في المقابل، أثبتت هذه الانتخابات أن الحملة ليست مجرد إجراء شكلي، وأن مزاج الناخب المغربي قابل للتحول بسرعة.

ويبدو أن الأيام العشرة الأخيرة ساهمت في تحريك شريحة من الناخبين المترددين، بعدما تحولت بعض الخرجات غير المحسوبة والهفوات التواصلية والأرقام المثيرة للجدل إلى عناصر مؤثرة في النقاش العام وفي قرار التصويت.

وقد استفاد حزب العدالة والتنمية من هذا التحول، إذ استطاع، بحنكة قيادته وخبرتها التواصلية، أن يستثمر أخطاء منافسيه وتصريحاتهم وأرقامهم، وأن يحولها إلى مادة سياسية مؤثرة. لقد عرف الحزب كيف يلتقط جانباً من الغضب الشعبي ويؤطره، وكيف يعيد تقديم نفسه باعتباره قوة معارضة قادرة على إحراج خصومها واستثمار هفواتهم.

وفي اتجاه آخر، استطاع تكتل اليسار أن يستقطب شريحة من الناخبين ذوي الحساسية التقدمية، وبعض الفئات الباحثة عن بديل سياسي مختلف وأكثر انسجاماً مع قناعاتها، وأقل ارتباطاً بمنطق الأعيان والولاءات والمصالح الانتخابية الضيقة.

غير أن الخطأ سيكون هو اعتبار هذا التحول تفويضاً مطلقاً أو ولاءً سياسياً جديداً وثابتاً.

فما وقع يبدو، في جانب مهم منه، تصويتاً عقابياً وإعادة توزيع للأصوات داخل الكتلة التي قررت المشاركة، وليس بعدُ مصالحة شاملة بين المغاربة والعمل السياسي.

أما تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة للانتخابات، فهو إنجاز انتخابي واضح لا يمكن التقليل من أهميته.

فقد أثبت الحزب امتلاكه تنظيماً واسعاً، وماكينة انتخابية قوية، وشبكة كبيرة من المنتخبين، وقدرة على التعبئة وتدبير المعارك الانتخابية، في وقت أخفق فيه منافسوه في منعه من اعتلاء الصدارة.

لكن الفوز في الانتخابات شيء، والتحول إلى قوة سياسية حقيقية شيء آخر تماماً.

فما يزال أمام «البام» عمل كبير لبناء هوية سياسية أكثر وضوحاً، وإنتاج خطاب يقنع المجتمع خارج موسم الانتخابات، وتكوين نخب ترتبط بمشروع سياسي لا بمجرد المصالح والولاءات المحلية.

لقد أثبت الحزب أنه قادر على جمع الأصوات والفوز بالمقاعد؛ أما التحدي الآن فهو أن يثبت أنه قادر أيضاً على إنتاج الأفكار، وتأطير المواطنين، وقيادة مرحلة سياسية، لا أن يبقى مجرد ماكينة انتخابية ناجحة تشتغل بكامل قوتها يوم الاقتراع، ثم يخفت حضورها بعده.

لقد عرفنا، إذن، من ربح المقاعد، لكننا لم نربح بعد ثقة المواطن. والناخب لم يمنح أحداً شيكاً على بياض؛ لقد وجّه رسائل، وعاقب أطرافاً، ومنح فرصة لأطراف أخرى. ومن استفاد اليوم من تغير مزاجه، قد يكون أول من يعاقبه المزاج نفسه غداً، إذا لم تتحول الأصوات والمقاعد إلى مواقف وأداء ونتائج ملموسة.

والأهم من هذا وذاك هو أن يفوز الوطن…

وأياً كانت الصيغة التي ستفرزها مشاورات تشكيل الأغلبية، فإن الحكومة المقبلة ستجد أمامها تحديات داخلية وخارجية كبيرة، بل كبيرة جداً. تحديات لا تكفي لمواجهتها الحسابات الحزبية، ولا هندسة التحالفات، ولا منطق تقاسم الحقائب، وإنما تحتاج إلى حكومة قوية ومنسجمة وجريئة، تمتلك رؤية واضحة، وتكون قادرة على اتخاذ القرارات الصعبة وتحمل مسؤوليتها أمام المغاربة.

نأمل خيراً، لأن نجاح الحكومة المقبلة لن يكون انتصاراً لحزب على آخر، بل انتصاراً للمغرب. كما أن فشلها، لا قدّر الله، لن تدفع ثمنه الأحزاب وحدها، بل سيدفعه الوطن والمواطنون.

 

لقد انتهى زمن طلب الأصوات، وبدأ زمن تقديم الحساب. فالوطن لا يعنيه فقط من انتصر ليلة إعلان النتائج، بل من سينجح خلال السنوات المقبلة في تحويل ذلك الانتصار إلى أثر ملموس في حياة المواطنين.

 

أما السياسة في بلادنا، فما تزال في حاجة إلى كثير من السياسة… وقليل من الانتخابوية.

د. وصفي بوعزاتي

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*