الأستاذ مصطفى الرميد استيقظ متأخرا
كتبها: الإعلامي أحمد الدافري
عندما التحقت بالسنة الأولى في المدرسة المحمدية للمهندسين بشارع ابن سينا بحي أكدال في الرباط، في سبتمبر 1982، كانت تلك هي أول سنة يتم فيها تطبيق النظام شبه العسكري داخل هذه المدرسة التي كانت واحدة من أكبر معاقل الطلبة اليساريين في المغرب.
عندما التحقنا بالمدرسة في ذلك التاريخ، تلقفنا أفراد من المكونين العسكريين، ضباطا وضباط صف، من القوات البرية والقوات الجوية الملكية والبحرية الملكية والدرك الملكي، وأعطونا كيس المتاع العسكري، الأخضر الزيتي، والبرودكان Brodequin وهو الحذاء الجلدي الأسود السميك، والتريي Treillis وهي البدلات العسكرية الخضراء الزيتية، كما أعطونا “السيرفيت” وهي البدلة الرياضية البلومارين وذات السروال ذي الخط الأبيض في الجانب من الأعلى إلى الأسقل، ومرفوقة بحذاء رياضي أبيض من نوع الأحذية الرياضية البسيطة الهشة والخفيفة.
كنا ننتظر أن يقوم الطلبة القدامى بإخضاعنا للبيزوطاج Le bizutage ، أي أن يتعسفوا علينا تحن الطلبة الجدد ويجبرونا على القيام بأعمال فيها إهانة لنا كما كان عليه الحال في بداية كل سنة ضمن تقليد تعود عليه الجميع في المدرسة، وهذا النشاط الافتتاحي الذي كان يقال بأن الهدف منه هو كسر خجل الطلبة الجدد، والتعرف على زملائهم القدامى، وخلق أجواء تواصلية مرحة داخل الحرم الجامعي من خلال مسابقات وألعاب أو أنشطة ثقافية وفنية، كان يتجاوز فيه بعض الطلبة القدامى هذه الحدود، وتتحول الأنشطة إلى سلوكيات قسرية تحط من كرامة الطالب الجديد وتسبب له أذى جسديا أو نفسيا، مثل إجباره على القيام بحركات شاقة وقسرية أو الإذلال اللفظي والمظهري كالتلفظ بعبارات خادشة، والحلق القسري للشعر وهو ما كان يسمى بالتقراع الجماعي، أو إجبارهم على ارتداء ملابس غريبة وغير لائقة، والحرمان من الراحة كنوع من العقاب أو فرض الترهيب..
لكن لا شيء من هذا حدث.
المؤطرون العسكريون عوضوا البيزوطاج يالتدريب العسكري.
وكانت بالفعل تداريب رياضية شاقة مع ضرورة حلق الشعر، وضرورة الاستيقاظ في الفجر والخضوع للديكرريساج، أي لحصص الجري لمدة طويلة في الساحة وتسلق الحبال ورفع كرات ثقيلة الوزن.
كلنا في السنة الأولى، وكان من بيننا الرئيس المدير العام الحالي للمكتب الوطني للسكك الحديدية السيد ربيع الخليع، خضعنا في ذاك التاريخ للديكريساج، وفُرض علينا منذ البداية أن نتعلم استخدام سلاح الماص 36 (MAS-36) وهي بندقية فرنسية الصنع تقذف الرصاص على التوالي رصاصة بعد رصاصة، لكننا كنا نتدرب عليها وهي فارغة وليس فيها رصاص، وكنا نتعلم L’ordre serré وهو نظام الحركات المشتركة للجنود (راحة – بالكم- ارشم خطوة- خلّف- واحد اتنين واحد اتنين واحد اتنين) ونتعلم ايضا القتال بالمواجهة Le combat ، وكان Lieutenant Colonel بناني المدير الذي تم تعيينه مكلفا بالنظام العسكري في المدرسة يتعمد أن يتم إخراجنا من المدرسة في صفوف منظمة وأن نقطع المسافة مشيا على الأقدام في اتجاه مساحة خضراء في طريق الدار البيضاء غير بعيد عن تمارة، حيث نتدرب على القتال، وفي الوقت نفسه كي يتفرج المارة علينا ونحن نسير منضبطين في الشوارع. .
لم يعد هناك بيزوطاج في المدرسة المحمدية للمهندسين منذ 1982.
واليوم يقول الأستاذ مصطفى الرميد أن هناك مؤسسات جامعية مازال فيها البيزوطاج، وينتقد هذا الطقس المهين.
الأستاذ مصطفى الرميد كان وزير العدل والحريات في عهد حكومة عبد الإله بن كيران من 2012 إلى 2017.
وفي عهد رئيس الحكومة سعد الدين العثماني من 2017 إلى 2021 كان وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان ثم وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان والعلاقات مع البرلمان.
وطوال تسع سنوات وهو وزير مسؤول، لم ينتبه إلى أن هناك مؤسسات فيها بيزوطاج،
نعم لم ينتبه الأستاذ مصطفى الرميد لذلك رغم أن زميله في الحزب لحسن الداودي كان وزيرا لللتعليم العالي والبحث العلمي وتكوين الأطر من 2012 إلى 2016، ورغم أن الراحلة سمية بن خلدون رحمها الله التي كانت زميلته في الحزب تقلدت منصب وزيرة منتدبة لدى وزير التعليم العالي والبحث العلمي وتكوين الأطر بين عامي 2013 و2015، ورغم أن زميله في الحزب خالد الصمدي شغل منصب كاتب دولة مكلف بالتعليم العالي والبحث العلمي بين عامي 2017 و2019.
تسع سنوات من الاستوزار لم ينتبه فيها الأستاذ مصطفى الرميد إلى أن هناك طقسا مهينا مازال قائما ضمن أنشطة الطلبة في عدد من مؤسسات للتعليم العالي التي كانت تحت وصاية زملائه في الحزب.
واليوم انتبه لهذا الطقس الطلابي.
ويشجبه.
الأستاذ مصطفى الرميد شخصية محترمة.
ندعو الله له بالصحة وطول العمر.
ونتمنى أن يحافظ على حالته الصحية خصوصا أنه كان قد مر بوعكة في ديسمبر 2021.
ولعل من الأفضل له اليوم، أن ينتبه لنفسه ويزيل من رأسه صداع البيزوطاج وغيره من القضايا التي ربما إن حاول أن يعطي رأيه فيها سيجد نفسه في ورطة، لأنها قضايا ليست وليدة اللحظة بل هي امتداد لفترات كان فيها هو وحزبه يمسكون بالسلطة.
لا نطلب منه أن “يلزم بيته”.
بل نطلب منه أن يعتني بصحته.
فالصحة تاج فوق رؤوس الأصحاء لا يراه إلا المرضى.
وهذا ما كان
