المدرسة العمومية.. المبتدأ والخبر

المدرسة العمومية.. المبتدأ والخبر

توطيد المؤسسة التعليمية ليس مجرد خيار قطاعي، بل هو صمام الأمان الحقيقي لتحقيق المساواة المجالية والاجتماعية وضمان تكافؤ الحظوظ لأبناء الشعب المغربي.

بقلم: عبدالهادي بريويك 

رهان المستقبل في زمن التحولات

لا يجادل اثنان في أن قضية التعليم تشكل العصب الحقيقي لأي مشروع مجتمعي طموح.

وإذا كانت السياسات العمومية تتناسل وتتعدد باختلاف الأولويات، فإن رهان بناء مجتمع الكرامة والعدالة الاجتماعية يبقى رهينا، قبل كل شيء، بمدى قدرة الدولة والمجتمع على رد الاعتبار للمؤسسة التي طالما كانت المصعد الاجتماعي الأبرز في تاريخ المغرب الحديث: المدرسة العمومية.

وفي هذا السياق، يكتسي التصريح الأخير للأمين العام حزب التقدم والاشتراكية، نبيل بنعبد الله، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولية والتكوين والتأهيل، أهمية بالغة ورمزية خاصة، حين أكد أن أي انطلاقة حقيقية يجب أن تبدأ من «توطيد المدرسة العمومية لأنها مدرسة المساواة وتساوي الحظوظ، والتي تمكن أبناء الشعب من أن يولجوا لأوضاع أحسن وأمتن في حياتهم». هذا التصريح لا يقرأ كرأي عابر، بل هو تشخيص دقيق لعمق الأزمة والحل، ووضع للمبتدأ والخبر في مكانهما الصحيح.

المدرسة العمومية: الرافعة الأساسية لتكافؤ الحظوظ

تاريخيا، شكلت المدرسة العمومية الحاضنة الكبرى لمختلف الطبقات الاجتماعية، حيث التقى فيها ابن البسيط وابن الميسور على سواسية مقاعد الدراسة، لتنفتح أمامهم أبواب الترقي الاجتماعي والعلمي.

غير أن التراجعات التي عرفها القطاع خلال العقود الأخيرة، وما رافقها من توسع للتعليم الخصوصي، أدى إلى تصدع هذا الجسر، وتهديد مبدأ تكافؤ الفرص الذي يعتبر الركيزة الأساسية للاستقرار والنماء.

عندما يربط نبيل بنعبد الله توطيد المدرسة العمومية بـ “تساوي الحظوظ”، فإنه يلامس الجرح الحقوقي العميق؛ إذ لا يمكن الحديث عن عدالة مجالية أو اجتماعية في ظل تفكك المنظومة العمومية للتعليم.

فالمساواة الحقة تبدأ من النقطة الصفر، أي لحظة الجلوس على نفس المقعد المدرسي، والتزود بنفس الحد الأدنى من المعارف والمهارات، بغض النظر عن المستوى المادي أو الجغرافي للأسرة.

ضمان الحق في “أوضاع أحسن وأمتن”

إن البعد الإنساني والتنموي الذي حمله تصريح بنعبد الله يكمن في ربط التعليم بتحسين شروط الحياة الفردية والجماعية.

التعليم العمومي الجيد ليس مجرد أرقام في التقارير الرسمية أو نسب نجاح موسمية، بل هو رافعة حقيقية تمنح أبناء الطبقات الشعبية والمتوسطة القدرة على:

ولوج سوق الشغل بكفاءة وثقة: مسايرة التحولات الرقمية والاقتصادية العالمية المتسارعة.

الارتقاء السوسيو-مهني: كسر حلقات الفقر والتهميش المتوارث عبر الأجيال.

المواطنة الفاعلة: بناء جيل واع بحقوقه وواجباته، وقادر على المساهمة الإيجابية في تنمية وطنه.

وبالتالي، فإن الاستثمار في المدرسة العمومية هو في الأعم الأغلب استثمار في السلم الاجتماعي وفي مناعة الوطن ضد كل أشكال الإقصاء والتهميش.

نحو تعاقد وطني جديد حول التعليم

إن تشخيص الوضع يتطلب اليوم أكثر من أي وقت مضى إرادة سياسية حقيقية وجريئة، تضع التعليم فوق كل الاعتبارات الظرفية أو الحسابات السياسوية الضيقة. فتوطيد المدرسة العمومية يستوجب:

 الرفع الملموس من جودة البنيات التحتية بالروافد القروية والمهمشة لردم الهوة المجالية.

 الاستثمار في العنصر البشري (هيئة التدريس والإدارة التربوية) تكوينا وتحفيزا ورد الاعتبار للمهنة.

 تحديث المناهج البيداغوجية لتلبي متطلبات العصر وترسخ قيم التفكير النقدي والإبداع.

المبتدأ الذي لا محيد عنه

إن المدرسة العمومية ستبقى دائما في نظر محمد نبيل بنعبد الله، هي المبتدأ في أي معادلة تنموية ناجحة، والخبر الأقوى والأصدق في بناء مغرب الغد. 

فتصريح نبيل بنعبد الله يذكرنا بأن رهان النهوض بالوطن يبدأ من الفصل الدراسي، وحين تستعيد المدرسة العمومية ألقها ومكانتها الطبيعية، فإن ذلك لن يكون إلا إيذانا بولادة مجتمع أقوى، أكثر عدالة، وأكثر قدرة على كسب رهان المستقبل.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*