هل عادت السياسة إلى البرلمان؟ دفاعا عن الحكومة الوطنية وعن أفق ديمقراطي جديد

هل عادت السياسة إلى البرلمان؟ دفاعا عن الحكومة الوطنية وعن أفق ديمقراطي جديد

المصطفى المريزق: مؤسس الطريق الرابع

أحيانا، لا تكمن أهمية اللحظة السياسية في تفاصيل ما يجري داخل المؤسسات، ولا في من ربح جولة كلامية أو خسر أخرى، بل في الدلالات التي تكشف عنها، والأسئلة التي تفتحها أمام مستقبل الحياة السياسية.

والمواجهة الأخيرة بين رئيسة الحكومة والمعارضة داخل البرلمان تستحق أن تقرأ من هذه الزاوية.

فهي ليست مجرد سجال عابر بين أغلبية تدافع عن موقعها ومعارضة تسعى إلى إرباكها، بل لحظة سياسية تتيح إعادة النظر في طبيعة الممارسة الديمقراطية، وفي حق الحكومة في الدفاع عن اختياراتها، وفي مسؤولية المعارضة عن الارتقاء بالنقاش العمومي من مستوى التنابز السياسي إلى مستوى التنافس على المشاريع والبدائل.

ولعل أول ما ينبغي التأكيد عليه هو أن الدفاع عن الحكومة الوطنية ليس موقفا معاديا للديمقراطية، كما أن الاعتراف بقدرتها على إدارة المواجهة لا يعني التخلي عن حق المواطنين في محاسبتها.

بل إن الديمقراطية الحقيقية تقتضي أن نكون قادرين على التمييز بين الاختلاف مع السياسات الحكومية والرغبة في إضعاف الحكومة سياسيا، وبين ممارسة المعارضة لحقها المشروع في المساءلة وتحويل هذه المساءلة إلى غاية في حد ذاتها.

إن الحكومة التي تدخل البرلمان للدفاع عن برنامجها واختياراتها تمارس حقا أصيلا من حقوق المسؤولية السياسية، تماما كما تمارس المعارضة حقها في النقد والمراقبة.

وليس من المنصف أن نطالب الحكومة بالدفاع عن نفسها، ثم نعتبر قدرتها على المواجهة دليلا ضدها، أو أن ننتظر منها أن تقف في موقع المتهم الدائم، بينما تحتكر المعارضة موقع القاضي الذي لا يخضع بدوره لأي تقييم.

إن قوة الديمقراطية لا تكمن في إضعاف الحكومة، بل في قدرتها على جعل الحكومة مسؤولة، والمعارضة مقنعة، والبرلمان منتجا، والمواطن شريكا في الحكم على التجربة السياسية.

أولا: رئيسة الحكومة… حين تصبح القدرة على المواجهة جزءا من شرعية المسؤولية

لقد أظهرت المواجهة الأخيرة أن رئيسة الحكومة قادرة على الدخول في سجال سياسي مباشر، والدفاع عن موقعها، والتفاعل مع خصومها بثقة لا يمكن تجاهلها.

وهذه ليست مسألة شكلية أو تفصيلا عابرا في الحياة السياسية، بل عنصر من عناصر ممارسة المسؤولية الحكومية في نظام ديمقراطي يفترض أن تكون فيه الحكومة مستعدة للمساءلة، وقادرة في الوقت نفسه على شرح اختياراتها والدفاع عنها.

فليس مطلوبا من رئيسة الحكومة أن تدخل البرلمان في موقع الضعف، أو أن تتعامل مع المعارضة باعتبارها قوة تملك حق إحراجها دون أن يكون لها الحق في الرد. وليس مطلوبا منها أيضا أن تتخلى عن الدفاع عن تجربتها حتى تثبت احترامها للديمقراطية.

على العكس من ذلك، فإن الحكومة الواثقة من موقعها السياسي مطالبة بأن تواجه النقد بالحجة، وأن تشرح اختياراتها، وأن تدافع عن حصيلتها، وأن تضع أمام المواطنين ما تعتبره مبررات استمرارها في تحمل المسؤولية.

ومن هنا، فإن محاولة اختزال المواجهة الأخيرة في سؤال من أحرج من، أو من تفوق في الأداء الكلامي، تظل قراءة محدودة للحظة السياسية.

فالأهم أن رئيسة الحكومة لم تكن مطالبة بأن تتنازل عن حقها في المبادرة والدفاع، كما لم تكن مطالبة بأن تمنح المعارضة انتصارا سياسيا لمجرد أنها واجهتها داخل البرلمان.

إن الاعتراف بقدرتها على إدارة المواجهة هو الحد الأدنى من الإنصاف السياسي، حتى بالنسبة إلى من يختلفون معها في التوجهات أو السياسات.

فالاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى إنكار للمؤهلات، والنقد لا ينبغي أن يتحول إلى حكم مسبق على العجز، والمحاسبة لا تستقيم عندما تصبح نتيجتها مقررة سلفا، مهما كان أداء الطرف الذي يخضع لها.

لكن الدفاع عن رئيسة الحكومة لا يعني منحها شيكا على بياض، ولا اعتبار النجاح في مواجهة برلمانية دليلا كافيا على نجاح التجربة الحكومية كلها.

إنه يعني، ببساطة، أن نحاكم الأداء بمعايير متعددة: القدرة على التواصل، والقدرة على اتخاذ القرار، والقدرة على التنفيذ، والاستعداد لتحمل المسؤولية عن النتائج.

فالحكومة الوطنية لا تتدافع عن نفسها بالصمت، ولا تكتسب شرعيتها بالتنازل عن حقها في المواجهة، وإنما بقوة حجتها، ووضوح اختياراتها، وقدرتها على الإنجاز، واستعدادها للمحاسبة.د وهذا ما جسدته رئيسة الحكومة. 

 

ثانيا: لماذا يستحق الدفاع عن هذه الحكومة أن يؤخذ بجدية؟

إن الدفاع عن الحكومة الوطنية ينبغي ألا ينطلق من الولاء الحزبي أو من الرغبة في الانتصار للأغلبية على حساب المعارضة، بل من مبدأ سياسي أكثر عمقا: لا يمكن بناء حياة ديمقراطية سليمة إذا تحول إضعاف الحكومة إلى هدف مستقل عن تقييم أدائها، وإذا أصبح كل نجاح تحققه، أو كل قدرة تظهرها على تدبير المواجهة، مناسبة للتقليل من شأنها بدل إخضاع تجربتها لنقاش موضوعي.

إن الحكومة، أيا كانت مكوناتها الحزبية، ليست مجرد مجموعة من الأشخاص الذين يشغلون مواقع في السلطة. إنها مؤسسة سياسية تتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام، وتواجه انتظارات اجتماعية واقتصادية متزايدة، وتطالب بتحويل الاختيارات والالتزامات إلى سياسات ونتائج. ولذلك فإن الدفاع عنها، حين يستند إلى الحجة والإنصاف، هو دفاع عن حق المؤسسات التنفيذية في العمل، وعن ضرورة منح المسؤولية السياسية معناها الحقيقي.

ولا يمكن أن نطالب الحكومة بالاستقرار اللازم لتنفيذ سياساتها، ثم نجعل من التشكيك الدائم في أهليتها بديلا عن النقاش حول مضمون تلك السياسات.

كما لا يمكن أن نطالبها بالجرأة في اتخاذ القرار، ثم نتعامل مع كل قرار باعتباره دليلا على الخطأ قبل تقييم نتائجه.

إن الإنصاف يقتضي أن نمنح الحكومة حقها في عرض ما تعتبره برنامجا، وأن نطالبها في المقابل بتقديم المعطيات التي تثبت ذلك.

ويقتضي أن نسمع دفاعها عن اختياراتها، وأن نختبر حججها، وأن نناقش نتائجها، دون أن نخلط بين المعارضة المشروعة وبين بناء موقف سياسي يقوم على رفض مسبق لكل ما يصدر عن الأغلبية.

ومن هذا المنطلق، فإن الدفاع عن الحكومة الوطنية هو دفاع عن معيار سياسي ضروري: أن يكون الحكم على التجارب الحكومية قائما على ما أنجزته، وما أخفقت فيه، وما تستطيع تصحيحه، لا على هوية الأحزاب التي تقودها وحدها.

إننا لا ندافع عن الحكومة لأنها معصومة من الخطأ، بل لأن الديمقراطية لا تمنح المعارضة احتكار الحقيقة، ولا تجعل الأغلبية مذنبة بحكم موقعها.

فلكل طرف حق الدفاع عن تصوره، ولكل طرف واجب تقديم الحجج، وفي النهاية يبقى المواطن هو صاحب الحق في تقييم النتائج ومحاسبة المسؤولين.

ثالثا: المعارضة حق أصيل، لكنها ليست بديلا عن المشروع السياسي

لا يحتاج الدفاع عن الحكومة إلى التقليل من أهمية المعارضة.

بل إن الحكومة القوية تحتاج إلى معارضة قوية، لأن النقد الجاد يكشف الاختلالات، ويختبر السياسات، ويدفع إلى تحسين الأداء.

لكن قوة المعارضة لا تُقاس فقط بقدرتها على إحراج رئيسة الحكومة، أو بإحكام صياغة الأسئلة، أو بتحقيق مكاسب إعلامية من لحظات السجال.

إن المعارضة التي تريد أن تقنع المغاربة بأنها بديل حقيقي لا يكفيها أن تثبت أن الحكومة ليست مثالية؛ فهذا أمر لا تحتاج الحياة الديمقراطية إلى إثباته أصلا.

المطلوب منها أن تثبت أنها قادرة على تقديم ما هو أفضل، وأن تشرح كيف ستدبر الملفات نفسها، وبأي أدوات، وضمن أي أولويات، وبأي إمكانات، وما النتائج التي يمكن أن تلتزم بتحقيقها.

وهنا يكمن الفرق بين معارضة تريد إسقاط الحكومة سياسيا قبل أن تبدأ، ومعارضة تريد إقناع المجتمع بأنها مستعدة لتحمل المسؤولية.

الأولى قد تكتفي بتضخيم الإخفاقات واستثمار التوترات، أما الثانية فتدرك أن إسقاط الحكومة، إن تحقق، لا يشكل في حد ذاته برنامجا سياسيا، وأن الوصول إلى السلطة لا يعوض غياب المشروع.

فالمواطن لا يريد فقط أن يسمع أن الحكومة أخطأت؛ إنه يريد أن يعرف ماذا ستفعل المعارضة لو أصبحت في موقع المسؤولية.

ولا يكفي أن تقدم خطابا مختلفا، بل ينبغي أن تقدم تصورا مختلفا وقابلا للنقاش والاختبار والمحاسبة، ولنا في التجارب الماضية ما يكفي….

ومن هذا المنظور، فإن نجاح رئيسة الحكومة في إدارة مواجهة برلمانية لا ينبغي أن يقرأ باعتباره هزيمة للديمقراطية، كما أن إخفاق المعارضة في إرباكها لا يعني سقوط حق المعارضة في المراقبة.

إنما يضعنا ذلك أمام سؤال أكثر جدية: هل نحن بصدد تنافس بين مشاريع سياسية، أم أمام صراع تختزل فيه السياسة في تسجيل النقاط؟

إن الحكومة الوطنية تستحق أن تناقش اختياراتها على أساس ما تقدمه من أجوبة، مثلما تستحق المعارضة أن تختبر على أساس ما تقترحه من بدائل.

أما تحويل البرلمان إلى امتحان دائم لشخصية رئيسة الحكومة، مع إهمال الأسئلة المتعلقة بالبرامج والسياسات، فلا يخدم الحكومة ولا المعارضة ولا المجتمع.

رابعا: لماذا دافعت عن حكومة الكتلة والبام؟

هذا النقاش يعيدني إلى موقف سبق أن عبرت عنه كتابة وتناولته في البودكاست وعلى منصات بعض المواقع، عندما طرحت سؤال: لماذا أدافع عن حكومة الكتلة والبام؟

 

لم يكن السؤال، في جوهره، مجرد مفاضلة بين أحزاب أو دفاع عن تركيبة حكومية بعينها.

كان تعبيرا عن انشغال أوسع بإمكان فتح أفق سياسي جديد، وإعادة التفكير في التوازنات التي تحكم الحياة الحزبية المغربية، وفي ضرورة الانتقال من منطق التحالفات المحكومة بالحسابات الظرفية إلى منطق المشاريع التي تمنح المواطنين خيارات سياسية واضحة.

إن استحضار ذلك الموقف اليوم لا يعني التمسك بصيغة حكومية محددة، ولا الدفاع عن التحالفات باعتبارها غاية في ذاتها.

بل يعني التمسك بمبدأ سياسي أساسي: لا ينبغي أن يقاس مستقبل الحياة الديمقراطية المغربية فقط بمن يحكم اليوم ومن يعارضه، بل بمدى قدرة النظام الحزبي على إنتاج بدائل حقيقية، وتجديد النخب، وتوسيع مجال الاختيار أمام المواطنين.

ومن هذا المنطلق، فإن الدفاع عن الحكومة الوطنية الحالية لا يتناقض مع التفكير في إمكانات حكومية أخرى، ولا مع الدعوة إلى تجديد التحالفات أو تطوير العرض الحزبي. فالسياسة ليست زواجا أبديا بين الفاعل وموقعه، وليست خصومة أبدية بين الأحزاب، وإنما هي مجال للاجتهاد والتنافس وتحمل المسؤولية.

قد نختلف مع الحكومة في بعض اختياراتها، وقد نرى أن بعض التوجهات الحكومية تحتاج إلى مراجعة، وقد ندعو إلى تصحيح اختلالات في الأداء. لكن ذلك كله لا يمنع من الاعتراف بحقها في الدفاع عن برنامجها، ولا من تقييم ما قدمته بمعايير موضوعية، ولا من رفض تحويل النقد إلى حملة دائمة لنزع الشرعية السياسية عنها.

 

إن الدفاع عن حكومة وطنية ينبغي أن يكون دفاعا عن قدرتها على خدمة المجتمع، لا عن مصالح مكوناتها الحزبية وحدها. ويكون قويا بقدر ما يطالبها بالإنجاز، ويشجعها على التصحيح، ويدفعها إلى الانفتاح على النقد، ويذكرها بأن المسؤولية لا تختزل في امتلاك الأغلبية، بل في حسن استعمال السلطة لتحقيق المصلحة العامة.

 

خامسا: الطريق الرابع… دفاع عن الحكومة من دون تقديسها، ونقد للمعارضة من دون إقصائها

في هذا السياق، يكتسب مفهوم الطريق الرابع أهميته باعتباره محاولة لتجاوز الاصطفاف التقليدي بين مؤيد للحكومة مهما فعلت، ومعارض لها مهما قدمت.

 

فالطريق الرابع ليس موقعا وسطا بلا ملامح، ولا محاولة لإرضاء الجميع، ولا اصطفافا جديدا يبحث عن مكان بين الأغلبية والمعارضة. إنه، بالأحرى، دعوة إلى تأسيس موقف سياسي مستقل يحتكم إلى معايير واضحة في تقييم الفاعلين والمؤسسات والسياسات.

 

ومن هذه الزاوية، يمكن الدفاع عن الحكومة عندما تقدم ما يستحق الدفاع، ونقدها عندما تخفق أو تتردد أو تتخذ قرارات تحتاج إلى المراجعة.

ويمكن الاعتراف للمعارضة بدورها الدستوري والسياسي، مع مساءلتها عن قدرتها على إنتاج البدائل، وتطوير خطابها، والاقتراب من انتظارات المجتمع، والقطع مع الشعبوية والتخوين والتشكيك والتنابز. 

إن الطريق الرابع يرفض أن تتحول السياسة إلى مباراة لا بد فيها من منتصر ومهزوم، ويرفض أن يكون نجاح الحكومة خسارة للمجتمع، أو أن يكون إخفاقها مكسبا تلقائيا للمعارضة. فالمعيار الحقيقي هو ما إذا كانت المؤسسات تعمل بصورة أفضل، وما إذا كانت السياسات العمومية تستجيب للحاجات، وما إذا كان المواطن يجد أمامه خيارات أكثر وضوحا ومصداقية.

 

ولذلك فإن الدفاع عن الحكومة الوطنية، في إطار هذا التصور، ليس تناقضا مع استقلالية الموقف السياسي، بل اختبار لها. فمن السهل أن يتبنى المرء موقفا جاهزا من الأغلبية أو المعارضة، لكن الأصعب هو أن يحافظ على استقلاليته، وأن يميز بين ما يستحق الاعتراف وما يستحق النقد، وأن يضع المصلحة العامة فوق الولاءات والخصومات.

 

إننا بحاجة إلى سياسة لا تخشى الاعتراف بنجاح الخصم، ولا تتردد في نقد الحليف، ولا تجعل من الاختلاف سببا للإقصاء.

سياسة يكون فيها الدفاع عن المؤسسات دفاعا عن فعاليتها، والدفاع عن الحكومة دفاعا عن مسؤوليتها، والدفاع عن المعارضة دفاعا عن حق المجتمع في الرقابة والاختيار.

 

سادسا: هل نحن أمام الشوط الثاني من الانتقال الديمقراطي؟

لعل هذا هو السؤال الأهم الذي تفتحه المواجهة الأخيرة.

هل نحن أمام مجرد تجدد في حرارة النقاش البرلماني، أم أن هذه اللحظة يمكن أن تشكل مدخلا إلى مرحلة أكثر حيوية في تطور الحياة السياسية المغربية؟

 

لا تكفي مواجهة واحدة للإجابة عن هذا السؤال، كما لا يجوز اعتبار نجاح رئيسة الحكومة في إدارة السجال دليلا حاسما على حدوث تحول ديمقراطي شامل.

لكن من المشروع أن ننظر إلى هذه اللحظة باعتبارها فرصة لإعادة الاعتبار إلى السياسة بوصفها ممارسة تقوم على الاختلاف والمساءلة والدفاع عن الاختيارات.

 

إن الشوط الثاني من الانتقال الديمقراطي لا ينبغي أن يختزل في تغيير الحكومات أو إعادة توزيع المواقع بين الأحزاب.

إنه يقتضي الانتقال من مجرد وجود المؤسسات إلى تعزيز قدرتها على إنتاج الثقة، ومن تعدد الأحزاب إلى تنافس حقيقي بين المشاريع، ومن الانتخابات باعتبارها لحظة دورية للاختيار إلى مشاركة سياسية مستمرة تسمح للمواطنين بالتأثير في السياسات ومراقبة نتائجها.

 

وفي هذا الأفق، فإن الحكومة الوطنية ليست عقبة أمام التطور الديمقراطي لمجرد أنها تمارس صلاحياتها وتدافع عن حصيلتها.

بل يمكن أن تكون طرفا أساسيا في هذا التطور متى جعلت من المساءلة فرصة لتصحيح الأداء، ومن البرلمان فضاء لتوضيح الاختيارات، ومن النقد مدخلا إلى تحسين السياسات.

كما أن المعارضة ليست قوة ديمقراطية لمجرد أنها ترفض اختيارات الحكومة؛ إنها تصبح قوة مؤثرة عندما تقدم البدائل، وتطور أدوات الرقابة، وتقنع المواطنين بأن التغيير الذي تدعو إليه قادر على إنتاج نتائج أفضل.

 

أما المؤسسات، فلا تكتسب قوتها من غياب الصراع السياسي، بل من قدرتها على تنظيمه وتأطيره وتحويله إلى تنافس مشروع، لا يهدد الاستقرار ولا يعطل المسؤولية، ولا يجعل من الأغلبية خصما للمجتمع أو من المعارضة خصما للمؤسسات.

إن المغرب يحتاج إلى انتقال استكمال مساره الديمقراطي ليرفع من جودة الممارسة السياسية، ويعزز الثقة بين المواطنين والمؤسسات، ويجعل التنافس الحزبي أكثر اتصالا بالأسئلة الاجتماعية والاقتصادية التي تشغل الناس. وهذا المسار لا يتحقق بإضعاف الحكومة، كما لا يتحقق بإعفائها من النقد، بل بتطوير شروط المنافسة والمحاسبة معا.

 

سابعا: ما بعد المواجهة… لماذا يستحق الدفاع عن الحكومة أن يكون دفاعا عن الإنجاز؟

 

قد تكون المواجهة الأخيرة قد أظهرت أن رئيسة الحكومة ليست طرفا يسهل إحراجه، وأنها قادرة على الدفاع عن موقعها السياسي بثقة.

وقد تكون قد كشفت أيضا أن المعارضة تحتاج إلى مراجعة بعض أدواتها، وإلى تطوير قدرتها على الانتقال من السجال إلى بناء البدائل.

 

لكن القيمة الحقيقية لهذه اللحظة ستتحدد بما سيأتي بعدها.

فالحكومة مطالبة بأن تحول قدرتها على المواجهة إلى قدرة على الإنجاز، وأن تجعل من الثقة التي أظهرتها داخل البرلمان حافزا لمزيد من الوضوح والفعالية والاستعداد للمحاسبة.

وهي مطالبة بأن تدرك أن الدفاع عن حصيلتها لا يكتمل بالخطب والردود، وإنما بتقديم نتائج ملموسة يستطيع المواطن تقييمها في حياته اليومية.

 

وفي المقابل، فإن المعارضة مطالبة بأن تدرك أن إرباك الحكومة ليس بديلا عن تقديم مشروع بديل، وأن نقد السياسات لا يكتسب قيمته الكاملة إلا عندما يقترن باقتراح حلول قابلة للنقاش والتنفيذ.

 

أما البرلمان، فمطالب بأن يظل فضاء للمساءلة الجادة، حيث لا تمنح الحكومة حصانة من النقد، ولا تمنح المعارضة حصانة من تقييم أدائها، ولا يتحول الاختلاف السياسي إلى ذريعة لتعطيل النقاش أو إفراغ المؤسسات من وظائفها.

 

ومن هنا، فإن الدفاع عن الحكومة الوطنية لا ينبغي أن يكون دفاعا انفعاليا أو مناسباتيا.

إنه موقف سياسي يستمد قوته من الإيمان بأن الاستقرار المؤسسي لا يتعارض مع الإصلاح، وأن قدرة الحكومة على العمل لا تتعارض مع محاسبتها، وأن المعارضة الفعالة لا تحتاج إلى حكومة ضعيفة بقدر ما تحتاج إلى حكومة مسؤولة تواجهها بحججها وبرامجها ونتائجها.

إن الحكومة القوية ليست الحكومة التي لا تنتقد، بل التي تستطيع أن تواجه النقد دون أن تتخلى عن مسؤوليتها، وأن تصحح أخطاءها دون أن تعتبر التصحيح هزيمة، وأن تدافع عن اختياراتها دون أن تحول الدفاع إلى إنكار للاختلالات.

 

وهذا هو الدفاع الذي يستحق أن نخوضه: دفاع عن حكومة تتحمل المسؤولية، وعن مؤسسات تمارس وظائفها، وعن منافسة سياسية تتيح للمواطنين التمييز بين البرامج والنتائج، وعن حياة حزبية لا تجعل من الخصومة بديلا عن المشروع.

 

خاتمة: ليست القضية من انتصر في الجولة، بل من يستطيع أن يخدم المغرب

قد تكون الجولة الأخيرة قد انتهت بتفوق رئيسة الحكومة في إدارة المواجهة مع المعارضة.

لكن الأهم من تسجيل هذا التفوق هو فهم دلالته السياسية: الحكومة ليست مطالبة بأن تتراجع أمام كل نقد، والمعارضة ليست مطالبة بالتنازل عن دورها، والمجتمع ليس مطالبا بالاختيار بين حكومة لا تُنتقد ومعارضة لا تُحاسب.

 

إن الرهان الحقيقي هو أن يتحول هذا التنافس إلى فرصة لتجديد الممارسة السياسية، وإعادة الاعتبار للمشروع الديمقراطي، وتوسيع مساحة النقاش العمومي، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

 

ومن موقعي الذي سبق أن دافع عن إمكان حكومة الكتلة والبام، أجد أن الدفاع عن الحكومة الوطنية اليوم ينبغي أن يفهم في هذا الأفق الأوسع: أفق البحث عن حياة سياسية أكثر نضجا، لا تقاس فيها المواقف بمدى قربها من الأغلبية أو المعارضة، وإنما بقدرتها على خدمة المجتمع وتجديد العرض السياسي المغربي.

 

لسنا مطالبين بالاتفاق مع الحكومة في كل شيء حتى ندافع عن حقها في ممارسة مسؤوليتها، ولسنا مطالبين بالاتفاق مع المعارضة في كل شيء حتى ندافع عن حقها في المساءلة.

إنما نحن مطالبون بأن نحتكم إلى معيار واحد: ما الذي يخدم المغرب، وما الذي يقوي مؤسساته، وما الذي يجعل السياسة أكثر قدرة على الاستجابة لانتظارات المواطنين؟

 

إن الدفاع عن الحكومة الوطنية لا يعني أن نقول إنها على صواب دائما، بل أن نرفض الحكم عليها بأنها مخطئة دائما. ولا يعني إعفاءها من المحاسبة، بل المطالبة بمحاسبتها على أساس الحصيلة والنتائج. ولا يعني إضعاف المعارضة، بل دعوتها إلى أن تكون بديلا مقنعا لا مجرد خصم صاخب.

 

فهل عادت السياسة إلى البرلمان؟

ربما بدأت تستعيد بعضا من حضورها. وإذا كانت المواجهة الأخيرة قد أعادت شيئا من الحيوية إلى النقاش البرلماني، فإن مسؤوليتنا اليوم هي ألا نبدد هذه اللحظة في حسابات الانتصار والهزيمة، بل أن نجعل منها مدخلا إلى مرحلة جديدة من التنافس السياسي المسؤول.

 

مرحلة تدافع فيها الحكومة عن اختياراتها وتثبت جدارتها بالإنجاز، وتراقب فيها المعارضة الأداء وتقدم البدائل، ويجد فيها المواطن نفسه أمام مؤسسات أكثر فعالية ومشاريع أكثر وضوحا.

 

ذلك هو المعنى الذي أريده للدفاع عن الحكومة الوطنية، وذلك هو الرهان الذي يمكن أن يمنح الطريق الرابع مضمونه السياسي: أن ندافع عن الحكومة حين تستحق الدفاع، وننتقدها حين يستوجب الأمر النقد، ونضع مصلحة المغرب فوق منطق الاصطفاف، حتى لا تبقى السياسة مجرد مباراة بين الفرقاء، بل تصبح وسيلة لبناء المستقبل.

 

فليس المطلوب أن تنتصر الحكومة على المعارضة، ولا أن تنتصر المعارضة على الحكومة، بل أن ينتصر المغرب من خلال تنافسهما، وأن يصبح الشوط الثاني من الانتقال الديمقراطي انتقالا من سياسة المواقع إلى سياسة المشاريع، ومن صراع الأشخاص إلى مسؤولية الإنجاز، ومن تبادل الاتهامات إلى استعادة الثقة بين المجتمع ومؤسساته.

 

المصطفى المريزق

مؤسس الطريق الرابع

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*