هل يثير الخطاب السياسي لرئيسة الحكومة الإعجاب فعلا؟
بقلم: محسن بنتاج
لم يسمح الزمن السياسي بما يكفي اكتشاف الشخصية التواصلية لفاطمة المنصوري، ولعل لحظة الحسم الأكيدة في التعرف على عقيدتها الخطابية انطلقت فعلا لحظة تقديمها البرنامج الحكومي الذي امتد لمدة خمسين دقيقة كاملة، فالمحطة لم تكن فقط مجرد لحظة دستورية اعتيادية، بل تحولت بالنسبة للكثيرين للحظة مركزية لاكتشاف القدرات التواصلية لفاعلة سياسية، لم تكن حاضرة بالوضوح التواصلي الكافي في الصورة الذهنية الجماعية لدى المغاربة.
لقد اعتمدت فاطمة المنصوري منذ بداية تقديم التصريح الحكومي، على محاولات بناء المعنى السياسي، من خلال صناعة صورة القيادة القادرة على الجمع بين وضوح الرؤية والقدرة على التنفيذ والتناغم الحكومي من خلال وحدة البرامج السياسية للأحزاب المشكلة للحكومة، وفي هذا الإطار سعت رئيسة السلطة التنفيذية، على تقديم الحكومة باعتبارها صاحبة مشروع مجتمعي واعد، من خلال التركيز على محاولة التنزيل الفعلي لأركان الدولة الاجتماعية باستهداف الطبقة المتوسطة والأرامل والمتقاعدين، وتطوير أساليب التدبير بما في ذلك تعزيز النزاهة واللا تمركز الإداري والجهوي.
من أبرز العناصر التواصلية التي تستحق تحليل الأداء التواصلي لرئيسة الحكومة، هو الاعتماد على لغة مباشرة صارمة حازمة أحيانا، ساهمت في ارتدائها لباس الإقناع في العديد من المطبات السياسية التي تضرب صورة الحزب المتصدر للانتخابات، وشكل وبنية التحالف السياسي الحالي المشكل للحكومة، ومن جانب تقييمي آخر يمكن التركيز على الكفاءات اللغوية لرئيسة الحكومة، فقد واجهت فاطمة المنصوري في بعض من لحظات إلقاء الخطاب، تعثرات وصعوبات في النطق في بعض العبارات المكتوبة باللغة العربية الفصحى، وأمام عناد التحرر من الورقة والتحدي اللغوي، وقدرة الارتجال وإعادة بناء السؤال بأجوبة فرعية خارج المرتكز الأساسي لمضامين البرنامج الحكومي، حيث لم تختزل المنصوري الارتباك في لحظة ضعف، بل لجأت إلى سلاح العفوية مكسرة بذلك الصرامة اللغوية في مثل هاته الجلسات الدستورية، هذا الهروب الذكي والذكاء التواصلي، حول التعثر إلى آلية لتقريب مضامين البرنامج الحكومي من المواطن معيدة بذلك للغة المتداولة يوميا إلى مكانتها الطبيعية داخل مؤسسة حاضنة للتشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية.
لقد كانت الجينات التواصلية لرئيسة الحكومة حاضرة في طريقتها الخاصة في النطق ومخارج الحروف متأثرة بذلك باللكنة المراكشية، وأمام ارتفاع موجة الهمس واللمز من المنافسين السياسيين، اختارت فاطمة المنصوري بكثير من الثقة معلنة باعتزازها بالترعرع في العاصمة النخيلية، مؤكدة أن لغة المؤسسات لا يجب أن تنحصر في لكنة معيارية وحيدة، وأن تقديم اللهجة المحلية امتداد طبيعي للهوية الوطنية الشاملة.
إن إدارة المواجهة مع المعارضة وإعادة تأطير النقاش لحظة مهمة في اكتشاف الشخصية المدافعة عن المشروع الحكومي، حيث انتقدت رئيسة الحكومة ما اعتبرته تشكيكا وخطابا يقوم على التحكم والمظلومية، مع الدعوة إلى تجاوز الشخصنة والتخوين والانتقال إلى مناقشة البرامج والبدائل، وتكشف هذه المقاربة عن استراتيجية قد تمنح الحكومة فرصة لإعادة تأطير النقاش، خصوصا عندما تصبح المواجهة السياسية محكومة بمنطق السجال أكثر من منطق مناقشة البرامج، كما تمنح صورة لاحقة أن الحكومة لن تكون فريسة تواصلية سهلة اللدغ السياسي، خاصة أن فاطمة المنصوري أبانت عن قدرة مقبولة في ضبط الأرقام، والقدرة المعرفية على الانتقال بين القطاعات، والسعي الفعلي للدفاع عن المخططات القطاعية، في صورة تبرز الرغبة الفعلية في تحقيق تضامن تواصلي يؤسس لعلاقة مستقبلية حمائية لمكونات الحكومة.
من العناصر المهمة في الخطاب التواصلي لفاطمة المنصوري التأكيد على الصراحة مع المواطنين وعدم الاكتفاء بتلميع الصورة مع التشديد على مراعاة الإمكانيات المتاحة، ومن الناحية الاتصالية يمثل هدا التصور محاولة لتأسيس علاقة مع الناخب تقوم على الاعتراف بحدود الإمكانيات، وتقديرا لعلاقة تقوم على الاعتراف بدل تقديم وعود مطلقة قد يصعب تنفيذها.
إن التقييم الموضوعي للأداء التواصلي لرئيسة الحكومة، يتطلب تفكيك المشهد التواصلي خارج زمن التصريح الحكومي، خاصة أن نسبة المتابعة الرقمية المرتفعة كانت في سياق سياسي يتطلب الكثير من الفهم، في مقدمته محاولة المغاربة معرفة “شخصية الأنثى” في تدبير مهام رئاسة الحكومة، ومعرفة مخرجات البرنامج الحكومي الذي سيضع مستقبل المغاربة في الأفق، وبالتالي فإن التقييم الأداء التواصلي لرئاسة الحكومة، يقتضي تقييمه وفق مطبات المستقبل السياسي القريب، إما داخل البرلمان خاصة أن المعارضة أبانت عن شراسة مواقفها منذ بداية الدورة التشريعية، أو خلال الأزمات المتوقعة والطوارئ الاقتصادية المستقبلية والقرارات المالية الصعبة، وإما أمام الاحتكاك الفعلي والتفاعل مع وسائل الإعلام خاصة أمام التصريحات العفوية القابلة للتأويل والأسئلة الغير المنتظرة، وأخيرا أمام الرأي العام في محاولات لإقناعه بمخرجات سياسات اقتصادية واجتماعية مرهقة في مقدمتها مخرجات ملف التقاعد المنتظرة، والملفات الاجتماعية المتراكمة.
تأسيسا على ذلك، فإن السؤال حول مدى نجاعة خطاب رئيسة الحكومة في إثارة الإعجاب، يبقى مؤجلا لمزيد من احتكاكات الزمن السياسي ومحك الواقع، فالخطابة السياسية لا تقاس ببلاغة اللسان العابرة، بل بقوة مضامينها وصمودها أمام الأزمات، ومع دوران عجلة التدبير ستتلاشى المطبات التواصلية في الذاكرة السياسية، ليكون المحدد الفعلي للنجاح هو الأثر الملموس والنتائج الواقعية التي ستمس المعيش اليومي للمواطن.
