عرشان في المهرجان، “الريمونتادا” !

عرشان في المهرجان، “الريمونتادا” !

بعد “التبوريدة” التي أقامها في مجلس المستشارين، على خلفية رفض عبد اللطيف وهبي وأحمد خشيشن الظهور معه في الصور أثناء مشاورات تشكيل الحكومة، هاهو محمود عرشان ينظم “تبوريدة” أخرى في مدينة تيفلت -التي يسيطر مع عائلته على مجلسها البلدي منذ ظهور الانتخابات في صيغتها المزورة- بمناسبة الدورة السادسة لمهرجان المدينة الثقافي، والثقافة “العرشانية” تعني طبعا “التبوريدة” والفروسية والبندير والشيخات وقولو العام زين… تماما كما كان عليه الحال في “العصر الزاهر” على عهد عرابه الراحل إدريس البصري.

في مهرجان “التبوريدة”، بدا الكوميسير المثير للجدل، كأنه “يردّ الصرف” لمن نبذوه خلال مشاورات تشكيل الحكومة، من خلال استقبال عدد من السياسيين والفنانين، الذين ظهر معهم وهو يرتدي الجلابة والطربوش، كما في “ايامات العز”، ويمازحهم مكشرا عن أضراسه، كأنه يقول لمن استعرّوا من الظهور معه: “اللي لحق ودنيه يعضها”…

معظم الفنانين الذين تصوروا جنب جلاد سنوات الرصاص، ينتمون إلى تلك الفئة التي تجمع بين الفن والأمية، ببراعة قل نظيرها، وقد تعودوا على الذهاب إلى أي مهرجان يوفر لهم النقل والأكل والسكن، حتى لو نظمه الشيطان وليس عرشان، شعارهم في الحياة: “الزردة فبغداد، عطيني سباطي”…

المحيّر في الأمر هو حضور بعض الأسماء المحترمة، التي لم تكن محتاجة لهذه “التبهديلة”، مثل الفنانة سميرة بنسعيد، مثلا. ماذا كانت تفعل “الديفا” في تيفلت؟ من غرر بها وجعلها تسيء لصورتها لدى فئة واسعة من الجمهور؟
الفنانة المخضرمة جاءت للمغرب كي تزوج ابنها و”ضربت دورة” عند محمود عرشان، ومن الصعب أن نجد مبررا لذلك، إلا إذا كانت “تناسبات مع الكوميسير”، دون علم صحافة “التبركيك”، أو كانت تعتقد أن عرشان مازال رجل سلطة نافذ كما في السبعينيات، ولا تعرف أنه متهم بتعذيب المعتقلين في سنوات الرصاص… لنقل إنها تعيش في القاهرة وتفهم في الشأن المصري أكثر مما تفهم في الشأن المغربي !

شر البلية ما يضحك. ويبقى أطرف تعليق قرأته عن “ريمونتادا” عرشان، هو ما خطته الزميلة فدوى مسك على حسابها في فيسبوك:
“شفت ففيديو فركوس كيسلم على عرشان وما عرفتش علاش تفكرت فيلم “احنا بتوع الأوتوبيس”… ما عرفتش بالصراحة!”

فعلا، الموقف لا يقل سخرية عن فيلم عادل الإمام وعبد المنعم مدبولي الشهير، الذي يحكي عن سنوات الرصاص في نسختها المصرية، وكيف كان زملاء عرشان المصريين ينكلون بالمعتقلين الأبرياء. ما يجمع بين شخصيات الفيلم والفنانين الذين حضروا مهرجان عرشان هو الجهل والسذاجة… ماذا تنتظر من فركوس ومشتقاته؟

قبل مهرجان “التبوريدة”، شاهدنا كيف تجرأ مصطفى بومهدي، نائب عبد الصمد عرشان وعضو المكتب السياسي لحزب والده، على وصف المقاوم والزعيم الوطني الكبير محمد بنسعيد أيت إيدر ب”العميل”، في جلسة علنية لمجلس المدينة، بمنتهى الوقاحة، أمام عدسات المصورين !

وإذا كانت استفزازات عرشان وحوارييه غريبة، وتطرح سؤالا حول توقيتها وخلفياتها وهدفها، ومن يقف وراءها، فليس غريبا أن يعود الجدل حول طي صفحة الماضي بعد وصول “الأصالة والمعاصرة” إلى رئاسة الحكومة. الحزب خرج من رحم “الإنصاف والمصالحة”، بل هناك من يقول إن إدريس بنزكري هو صاحب فكرة تأسيس الحزب، كي يستثمر الزخم السياسي الذي أحدثته الهيئة التي ترأسها لتطييب جراح الذاكرة.
لكن بنزكري رحل في 20 ماي 2007 ، قبل أن تأخذ فكرته شكلا تنظيميا، وفي 8 غشت 2008 أسس المستشار الملكي فؤاد عالي الهمة حزب “الأصالة والمعاصرة”، اعتمادا على “حركة لكل الديمقراطيين”، جامعا حوله طيفا واسعا من البروفيلات، الوافدة من مشارب مختلفة ومتناقضة أحيانا.

ويمكن أن نقول، بقليل من التعسف، إن “البام” تأسس اعتمادا على ثلاثة مكونات: نخبة من اليسار الراديكالي، الذي انخرط بنشاط في توطيد أسس ما سمي ب “العهد الجديد”، وفي دينامية الإنصاف والمصالحة.
كتلة من المخزنيين المخضرمين، الذين اشتغلوا تحت إمرة إدريس البصري، واستمرت حياتهم السياسية من بعده، لا ننسى أن “البام” ابتلع خمسة أحزاب كانت توصف ب”الإدارية”، من بينها الحزب الوطني الديمقراطي وحزب العهد وحزب رابطة الحريات… هذه الكتلة تضم أعيانا تحوم الشبهات حول ثرواتهم وتلاحقهم تهمة الاتجار في المخدرات.
أما الفئة الثالثة، فتتكون من تقنوقراطيين لم يسبق لهم ممارسة السياسية، جاؤوا يفتشون عن “كاريير” في حزب “صديق الملك”.

بعد 18 سنة، غادر الثوريون التائبون صفوف الحزب أو همشوا عن سابق إصرار وترصد، فيما دخل عدد من الأعيان إلى السجن، أو أصبحوا ملاحقين أمام القضاء، ليخلو المجال لفئة “الكارييريست”، الذين سيطروا على مفاصل الحزب ووصلوا به إلى قيادة الحكومة، برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري.

عندما نشاهد الأحداث عبر “الريتروفيزور”، نكتشف أن الخطة نجحت 100%، واستطاع “البام” في النهاية أن يؤدي الوظيفة التي صنع من أجلها، بعد جهد جهيد، وثلاث نكسات. الأولى في فبراير 2011 حين هتفت بسقوطه الحشود، واضطر مؤسسه إلى الاستقالة والعودة إلى القصر، والثانية عام 2016 حين فشل أمينه العام، إلياس العماري، في التخلص من “الإسلاميين” والظفر برئاسة الحكومة، والثالثة عام 2021 عندما تفوق عليه حزب “التجمع الوطني للأحرار” في الانتخابات، وكان عليه انتظار 2026 كي يأتي الفرج أخيرا على يد “بنت الصالحين”…

قصة “البام” وملابسات تأسيسه مفهومة، غير المفهوم هو عودة محمود عرشان إلى الواجهة بمجرد وصول الحزب إلى رئاسة الحكومة. الكوميسير الذي يتهمه كثير من ضحايا سنوات الرصاص بالتعذيب في درب مولاي الشريف وعدد من المعتقلات السرية والعلنية، طأطأ رأسه وظل صامتا طوال سنوات، وبمجرد ما وصل “الأصالة والمعاصرة” لرئاسة الحكومة، طلع ب”وجه أحمر” يتحدى الضحايا وعائلاتهم. غريب !

الجلاد الذي رفض صلاح الوديع، أحد مؤسسي “البام”، مصافحته ووجه له رسالة تاريخيّة تحت عنوان : “تلك اليد التي أرفض مصافحتها” في أبريل 2000، ورفض وهبي واخشيشن أن يتقاسموا معه الصورة في أكتوبر 2026… فجأة “ولى كيتبورد علينا”، تحت قبة البرلمان وفي مهرجاناته الرديئة، ويستعين ببعض الفنانين والسياسيين كي “يقلي السم” لمن يرفضون تلطيخ أيديهم بمصافحته، حتى اسم بنسعيد لم يوقره، شتم المقاوم الكبير وبهدل المغنية الشهيرة… فقط كي يعود إلى الواجهة !

كتبها ….جمال بودومة

موقع “نيشان”/ الاثنين 2 نوفمبر 2026

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*