الثلاثية الجديدة في أخبار التراب الوطني ومديريته الديستي، عندما يجعل الأمن صوت المغرب مسموعا في دفاعه عن ترابه الوطني

عبد الحميد جماهري

هي المرة الأولى التي يزور فيها ملك المغرب منطقة ظلت معزولة، رمزيا، عن الفضاء العمومي، نظرا لطبيعة العمل الذي ظلت تقوم به تاريخيا.
بالرغم من أن الديستي، بالتلخيص الأبجدي للاسم الفرنسي لمديرية حماية التراب الوطني، ظلت تاريخيا جزءا من خيال جغرافي يثير الفزع، إن لم نقل أنه مر عليها حين من الدهر كانت هي الفضاء الجغرافي الرمزي المهيمن على كل ماعداه..

يمكن القول إنها كانت نقطة «تخفيها» الدولة، حتى أن مقراتها كانت تعتبر جزءا من «بنية السر» في العمل الخاص بالمرفق الأمني..
كان ذلك تاريخا مشفوعا بلحظة ميلاده: فحقيقة التاريخ تكشف لنا ارتباط انشائها بمرحلة شرسة من تاريخ المغرب (يناير 1973) وما ميزها من حالة استثناء في السياسة وفي المجتمع، تميزت باستثناء في الدور والممارسة.. وقد كان دوراها محصورين في : صيانة وحماية أمن الدولة ومؤسساتها، على اعتبار أن الدولة تعني هنا الجهاز والمؤسسات أكثر مما تعني الكيان، حتى أن القانون الذي نظم الحاقها بالإدارة العامة للأمن الوطني-لعله 1974- يتحدث عن الجرائم الكبرى والتعذيب والاختفاء القسري… …إلخ.

الآن، الدولة اتسع مفهوم أمنها ..ورفعته الى درجة الأرضية الاستراتيجية المشتركة، داخليا وإقليميا وقاريا ودوليا..
وهذه الزيارة تندرج في دورة تحول كبير وتاريخي، وليس جغرافيا- سياسيا فقط، تعرفه عملية تحويل صورة هذا الجهاز، ضمن صورة أكبر هي الحكامة الأمنية..كما تداولت بشأنها الأمة واتفقت، على إثر توصيات المصالحة والإنصاف..
فقد زار ملك البلاد المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، يوم الثلاثاء 24 أبريل 2018، بعد أن كان قد أشاد في خطاب له بأدوارها، وتحديد مهامها كضامن للأمن في لحظات غير يسيرة. ولا سهلة يمكن نعتها بلحظات الشك الكبرى، كما حدث عندما زلزلت أحداث الحسيمة الحقل السياسي الوطني..
ولكن للزيارة معنى أعمق ربما في ترسيم صورة جديدة تربط الجهاز المعني بالأفق الوطني الجديد، وبالمهام المطروحة على الأجندة الوطنية، مع التحرر من تاريخ صورة مخلة، مقلقة وصعبة تكونت كجزء من تاريخ البلاد الصعبة، كما تساير الخطوة الملكية أفقا جديدا يتعلق بمغرب المصالحات الكبرى وعودة المؤسسات إلى وظائفها التاريخية والعقلانية ..بنجاعة وتجرد مهنيين لا يقبلان التردد.
لنقل أولا:
إن زيارة الملك، حملت الضوء الخارجي إلى جهاز، يشكل في الوعي واللاوعي السياسي الوطني جزءا من .. العتمة، ويمثل كذلك جزءا من القبو في الخارطة الوطنية.
والحقيقة أن دخول الضوء إلى مناطق العتمة، بدون العودة إلى تفاصيل ذلك، سواء المشروعة منها أو غير المشروعة، يندرج بدوره في تاريخ الدولة المغربية في عهد المصالحات الكبرى، شكل مرحلة مصالحة صميمية كبرى..
فنحن نعيش في العهد الكبير، تحولات مؤسساتية وسياسية كبيرة، تشبه الثورة بدون أن تتسمى باسمها..فيه استنطق العهد الجديد جزءا كبيرا من إدارته وإرثه الأمني وهو اليوم ينتقل إلى ما هو أهم :تغيير المخيال الجماعي حول الشكل الجديد للأمن الترابي..وربطه بأحد أقدس مقدسات البلاد، وأهمها الصحراء المغربية..
ومما لا شك فيه أن أدوار الناس المعنيين، أي جنود حماية التراب، كبيرة، باستعدادهم للتجربة الجديدة للدولة المغربية وتماشيا مع تطلعات العهد الجديد..
( يبرز ذلك من خلال بصمات أمنية كثيرة تشكل مرافعات في هذا الإطار، منها تمرير التقارير الدورية للمدير العام عبد اللطيف الحموشي، خروج مدير «البسيج» الخيام إلى منطقة الضوء وتقديم تصريحات غير مألوفة لدينا …)..أضف إلى ذلك، عناصر أخرى لا بد من ذكرها، فهذا التحول العملي، ليس مرده فقط الأجواء العامة للبلاد، بل يضاف إليها:
– التحول الحاصل في الوعي الذاتي أو وعي الجهاز بذاته….
– الوعي بضرورة التفاعل مع محيط البلد وتطلعاته السياسية، ومن ضمن هذه التغيرات أن قطاعات الرأي العام والصحافة بدأت ترى منه ما كانت السياسة تحجبه من تحولات وما كان تاريخ المؤسسة بذاته يحجبه عنها..
– دوره في العالم وتفاعله مع غيره في الميدان المتعلق به

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*