الفساد من الفراقشية إلى المتاجرة في الشواهد العليا ثم الدقيق الممزوج بالورق وزيت الزيتون المسرطن .. المغرب إلى أين؟
الفساد من الفراقشية إلى المتاجرة في الشواهد العليا ثم الدقيق الممزوج بالورق وزيت الزيتون المسرطن .. المغرب إلى أين؟
سياسي: رشيد لمسلم
لم يعد الفساد في المغرب مجرد سلوك شاذ أو انحراف فردي يمكن محاصرته بقرارات أو لجان.
لقد تحول إلى منظومة قائمة بذاتها، تمتد جذورها في مفاصل الدولة والمجتمع على حد سواء، وتتكيف مع الزمن والظروف، حتى صار الفساد «ثقافةً» و«أسلوب حياة» عند بعض المسؤولين.
من «الفراقشية» الذين نهبوا المال العام بلا حياء في استيراد أضاحي العيد، إلى المتاجرين في الشواهد العليا الذين حولوا العلم إلى بضاعة رخيصة تباع وتشترى في الخفاء، يتجلى المشهد المأساوي لبلد يُفترض أنه يسير في طريق التنمية والعدالة.
لكن، أي عدالة تُرجى حين يصبح الكفء مهمشا والفاسد مكرما؟ وأي إصلاحٍ يُنتظر من إدارة يسيرها من باع ضميره منذ أول توقيع على محضر مزور أو صفقة مشبوهة؟
لم يتوقف النزيف هنا. فحين تمتد يد الفساد إلى لقمة العيش، يصبح الصمت جريمة.
الدقيق الفاسد الذي يُوزع على الفقراء، وزيت الزيتون الممزوج بمواد مسرطنة تُباع على أنها «منتوج بلدي».. كلها شواهد على مستوى الانحطاط الأخلاقي الذي وصلنا إليه.
المغرب، في لحظة كهذه، يقف على مفترق طرق.
إما أن يختار المواجهة الصريحة مع الفساد – بكل رموزه وأشكاله – أو أن يواصل سياسة «الترقيع» التي لم تنتج سوى مزيد من الإحباط، واللامبالاة، وانعدام الثقة في الدولة ومؤسساتها.
لقد أصبح المواطن البسيط يرى الفاسدين يزدادون غنى ونفوذاً، بينما يزداد هو فقراً وتهميشاً.
فكيف يُطلب منه أن يؤمن بخطاب الإصلاح وهو يشاهد بأم عينيه كيف تُطوى الملفات في غياهب المكاتب، وكيف تُكافأ الرؤوس الفاسدة بالمناصب بدل المحاسبة؟
إن الفساد اليوم ليس مجرّد «أخطاء فردية» بل مشروع منظم ينهش الوطن من الداخل.
وما لم تتحرك الإرادة السياسية الحقيقية، لا الشعاراتية، لاستئصاله، فإننا نسير بخطى ثابتة نحو الهاوية.
المغرب لا يستحق هذا المصير.
فبين ثنايا هذا الوطن رجال ونساء شرفاء، نزهاء، قادرون على إعادة بناء الثقة، لو فقط أُعطيت لهم الفرصة، ولو توقّف الفاسدون عن احتكار القرار والمنافع.
لقد حان الوقت لنقولها بصوتٍ عالٍ:
كفى من التواطؤ، كفى من الصمت، كفى من تبرير الفساد باسم “الاستقرار”.
فالاستقرار الحقيقي لا يقوم على الخوف، بل على العدالة والنزاهة والكرامة.
