“الذي أنقذ ساكنة الدار البيضاء من العطش ليس هو الدولة ولا التوجيهات الملكية… بل رئيس حكومة استثنائي اسمه عزيز أخنوش”: عندما يتحوّل الخطاب السياسي إلى مسرحية بلا منطق

الذي أنقذ ساكنة الدار البيضاء من العطش ليس هو الدولة ولا التوجيهات الملكية… بل رئيس حكومة استثنائي اسمه عزيز أخنوش”: عندما يتحوّل الخطاب السياسي إلى مسرحية بلا منطق

بقلم : رشيد لمسلم 

ما قيل في ذلك اللقاء الحزبي لم يكن مجرد زلة لسان، ولا انفعال لحظة، بل كان إعلاناً صارخاً عن انفصال كامل عن الواقع.

فالحديث عن الماء في المغرب ليس لعباً سياسياً، ولا مادة للمجاملات الحزبية، بل ملف سيادي يقوده رأس الدولة منذ سنوات بثقل استراتيجي غير مسبوق وهذه حقيقة يعرفها كل مغربي، من أبسط مواطن إلى أعلى مسؤول.

لكن عمدة الدار البيضاء قررت فجأة أن تكتب رواية جديدة:

رواية بطلها “رئيس حكومة استثنائي اسمه عزيز أخنوش”، هو – حسب قولها – من أنقذ المدينة من العطش، وليس الدولة بمؤسساتها، ولا التوجيهات الملكية، ولا المشاريع الوطنية الكبرى.

هكذا، بكل بساطة، وبجرة لسان، تم شطب مجهودات دولة بكاملها، ومسح سنوات من العمل والتخطيط والاعتمادات الضخمة… ليصبح الفضل كله لشخص واحد.

أي جرأة هذه؟

وأي قراءة للواقع تُسقط المؤسسات وتُبجّل الأشخاص بهذا الشكل الفج؟

ولكي تكتمل المسرحية، دعت العمدة الحضور إلى شكر رئيس الحكومة، وكأننا أمام منقذ خارق، لا أمام مسؤول يؤدي واجبه.

أما القاعة فصفقت بحرارة، في تصفيق لم يكن علامة تأييد بقدر ما كان علامة إفلاس في الحسّ السياسي، وهروبا من مواجهة الحقيقة.

والحقيقة مُرة:

أن الخطاب السياسي في بعض لحظاته أصبح مبتذلاً إلى درجة الإساءة لصاحبه قبل أن يسيء للمؤسسات.

وأن بعض المسؤولين فقدوا البوصلة لدرجة تجعلهم يخلطون بين المنبر المؤسساتي ومنصة الترويج الحزبي.

ولو كان هناك قدر من الصدق، لقالت العمدة كلاماً آخر تماماً:

لقالت إن السنوات الأخيرة كانت الأصعب على المواطن، وإن الاحتفال بالمنجزات لا يليق حين يشعر الناس بثقل الأسعار والإنهاك اليومي، وإن الانجاز الحقيقي ليس في الخطاب بل في الأثر.

لكن يبدو أن منطق “التصفية السياسية” حلّ محل منطق العمل المؤسساتي.

وأن البعض يبحث عن بطولات سريعة داخل قاعة مغلقة، بدل أن ينظر إلى المدينة خارج الجدران: مدينة تكافح اختناق البنية التحتية، وغلاء المعيشة، سكن عشوائي ، فوضى ..وملفات معلّقة أكبر بكثير من خطابات التشجيع الجماعية.

إن ما قيل في ذلك اللقاء ليس مجرّد مبالغة، بل إعلان صريح عن أزمة في فهم معنى الدولة، ومعنى المسؤولية، ومعنى الحدود التي لا ينبغي تجاوزها حين يتعلق الأمر بملف وطني يعلو فوق كل الحسابات.

وفي النهاية، سيعود كل طرف إلى حجمه الحقيقي، مهما طال الزمن.

فالأمن المائي لم يكن يوماً منجزاً فردياً، ولن يكون. والمؤسسات أكبر من الأشخاص، والحقائق أثقل من التصفيق.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*