اللقاءات التشاورية لرسم ملامح الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية….لكي لا تتحول الى فلكلور واعادة نفس البرامج والكلام

اللقاءات التشاورية لرسم ملامح الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية….لكي لا تتحول الى فلكلور واعادة نفس البرامج والكلام

رشيد لمسلم

في الوقت الذي يشهد فيه المغرب تحولات استراتيجية على مستوى السياسات التنموية، تتزايد الحاجة إلى إعادة رسم برامج التنمية الترابية بما يتلاءم مع متطلبات المرحلة الوطنية والرؤية الملكية الطموحة للجهوية المتقدمة.

ومن بين الأدوات المعتمدة لتحقيق هذا الهدف، تأتي اللقاءات التشاورية التي نظمتها، وتنظمها الجهات والأقاليم على نطاق واسع، كمنصات يُفترض أن تجمع بين المواطن والمؤسسات في حوار صريح وفعال حول أولويات التنمية المحلية.

لكن، الواقع يكشف عن خطر قائم: فهذه اللقاءات، مهما اتسعت وتعددت، قد تتحول إلى طقوس شكلية وفلكلور إداري، إذا غاب عنها الانضباط والوضوح في الأهداف، أو إذا اقتصر دورها على إصدار بلاغات وتصوير المناسبات الرسمية، دون أن تؤسس لبرامج تنموية فعلية تخدم مصالح المواطن والوطن.

الجهوية المتقدمة: توجيه ملكي ومسؤولية وطنية

منذ دستور 2011، يمثل الفصل 136 خطوة نوعية نحو الجهوية المتقدمة، إذ يؤكد على ضرورة تمكين الجهات من ممارسة اختصاصاتها بشكل فعلي، مع إشراك المواطن في اتخاذ القرار المحلي.

وهذا الإطار الدستوري، الذي ترعاه الرؤية الملكية، يضع على عاتق الفاعلين الترابيين مسؤولية كبرى: تحويل اللقاءات التشاورية من شعارات إلى أداة حقيقية للتخطيط والتنمية، تعكس روح المسؤولية الوطنية.

إن نجاح الجهوية المتقدمة لا يقتصر على تنظيم لقاءات موسمية، بل يتطلب بناء مؤسسات قوية، وتوزيع الموارد بفعالية، وتنسيق حقيقي بين الدولة والجهات والمجتمع المدني، بما يضمن الاستفادة القصوى من الإمكانيات المحلية، ويرسخ ثقافة المشاركة والمساءلة.

التحديات الكبرى أمام اللقاءات التشاورية

تجارب السنوات الماضية أظهرت أن العديد من اللقاءات التشاورية تعاني من عدة إكراهات:

• ضعف التنسيق بين القطاعات: تتكرر المشاريع منفصلة عن بعضها، ويغيب الانسجام بين الخطط القطاعية والجهوية.

• غياب المتابعة المستمرة: كثير من المبادرات تُعلن وتُنجز على الورق، دون مراقبة فعالة لضمان استدامتها ونجاعتها.

• الركون إلى الطقوس الشكلية: صور وبلاغات إعلامية تحجب الفعل الحقيقي، وتكرس الروتين بدل الابتكار.

هذه التحديات تجعل من الضروري إعادة النظر في منهجية اللقاءات التشاورية، بحيث تصبح أداة للتغيير وليس مجرد عرض شكلي.

شروط النجاح الوطني للقاءات التشاورية

لكي تثمر اللقاءات التشاورية عن برامج تنموية ناجحة، تعكس روح الجهوية المتقدمة والرؤية الملكية للتنمية الشاملة، يجب أن ترتكز على خمسة محاور أساسية:

1. التشخيص الصريح والشامل

الجرأة في تقييم التجارب السابقة أمر لا غنى عنه.

لا يمكن بناء برامج جديدة على أساس التعتيم أو المبالغة في النجاحات.

الاعتراف بالإخفاقات هو أول خطوة نحو إصلاح حقيقي يخدم المواطن والوطن.

2. إشراك المواطن بفاعلية

المشاركة الفعلية تعني تمكين السكان من التأثير في أولويات البرامج، وآليات التنفيذ، ومؤشرات النجاح، مع ضمان متابعة مستمرة وحق مساءلة المؤسسات.

المواطن ليس متفرجًا، بل شريكًا في بناء وطنه.

3. تنسيق مؤسسي واضح وصارم

البرامج التنموية لا يمكن أن تنجح إذا ظل القرار مشتتًا بين الجماعات الترابية والقطاعات الوزارية والفاعلين المحليين. يجب تحديد الأدوار والمسؤوليات بوضوح، وإرساء آليات تنسيق فعالة، لضمان انسجام الجهود وتحقيق الأهداف الوطنية.

4. التمويل والإمكانات البشرية الكافية

إن الجهوية المتقدمة تتطلب موارد مالية وإدارية كافية تمكن الجهات من تنفيذ برامجها بحرية وفاعلية، بعيدًا عن الاعتماد المفرط على المركزية.

5. استدامة البرامج وتقييم النتائج

النجاح ليس في إطلاق المشاريع، بل في ضمان استمراريتها وتقييم أثرها على حياة المواطنين، لضمان أن تتحول اللقاءات التشاورية من حوار شكلي إلى خارطة طريق للتنمية الوطنية المستدامة.

6. من الطقوس إلى خارطة طريق وطنية

إن الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية لا يمكن أن ينجح إلا إذا أصبحت اللقاءات التشاورية مسارًا دائمًا للحوار والإصلاح، تتجاوز الصور الرسمية والبلاغات الإعلامية، لتصبح ثقافة فعلية في تدبير الشأن المحلي، تعكس المسؤولية الوطنية والروح الملكية للإنجاز والتنمية.

اللقاءات التشاورية، إذا أحسن تفعيلها، يمكن أن تصبح أداة تحويل حقيقية، ترفع جودة الحياة، تحسن البنية التحتية، وتفتح آفاق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

إنها ليست مجرد أوراق إدارية، بل خارطة طريق حقيقية نحو مغرب أكثر عدالة، ازدهارًا وتقدمًا، وفق رؤية ملكية واضحة تجعل المواطن شريكًا أساسيًا في بناء وطنه.

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*