بين ثقافة الصمت وثقافة القانون التبليغ عن الفساد في الذهنية المغربية داخل أمريكا

بين ثقافة الصمت وثقافة القانون التبليغ عن الفساد في الذهنية المغربية داخل أمريكا.

فيصل العراقي: خبير في الأثر و الابتكار الاجتماعي

الإطار المفاهيمي لثقافة التبليغ واختلاف النماذج الحضارية..

    يُعدّ التبليغ عن الفساد آلية مركزية في تعزيز الشفافية وضمان نزاهة المؤسسات.

ورغم أن هذا المفهوم يُقدَّم اليوم في الأدبيات الغربية بوصفه سلوكًا مدنيًا متقدمًا، فإن تمثلاته تختلف جذريًا بين المجتمعات.

ففي النموذج الأمريكي، ينتمي التبليغ إلى فضاء “المواطنة الفاعلة”، بينما يُحمَّل في السياق المغربي بشحنة تاريخية واجتماعية معقّدة تُحدِّد دلالاته، وتؤثر في مدى استعداد الأفراد للجوء إليه.

يمنح هذا الاختلاف في النماذج الحضارية نقطة انطلاق لفهم المفارقة السوسيولوجية التي تعيشها الجالية المغربية في الولايات المتحدة، حيث تتجاور منظومة قانونية متقدمة مع ذهنية ثقافية موروثة تعيد تشكيل السلوك داخل فضاء جديد ومختلف.

– التمثلات الاجتماعية المغربية: من وصمة “الشكامة” إلى الخوف من القانون

ترتبط ممارسة التبليغ في الثقافة المغربية بتمثلات اجتماعية سلبية تراكمت داخل الذاكرة الجماعية، وترسّخت نتيجة سياقات سياسية واجتماعية سابقة جعلت من التبليغ فعلًا مثقلًا بمعاني الخيانة ونقض “العشرة” والولاء.

ويُعَدُّ مصطلح “الشكامة” أحد أكثر المفاهيم حضورًا في هذا السياق، إذ يحوّل المبلّغ إلى شخص يتجاوز حدود الجماعة ويخرق ميثاق التضامن غير المكتوب.

هذا الإرث يجعل من التبليغ، مهما كانت دوافعه، فعلًا محفوفًا بمخاطر اجتماعية، فيُفضّل الكثيرون الصمت أو تسوية الأمور داخليًا، بدل اللجوء إلى القانون الذي لا يحظى دائمًا بثقة المواطنين، سواء بسبب تجارب سابقة أو بسبب تصور عام حول محدودية مؤسسات الدولة في التدخل الفعّال.

– النموذج الأمريكي: التبليغ كقيمة مواطنة وآلية للحكامة

على خلاف ذلك، يتأسس الفهم الأمريكي للتبليغ على مرتكزات مؤسساتية وأخلاقية تجعل منه جزءًا من أخلاقيات العمل ومنظومة الحكم الجيد.

وتلعب قوانين مثل “قانون حماية المبلّغين” و“قانون الدعاوى الزائفة” و“قانون دود–فرانك” دورًا جوهريًا في حماية المبلّغ من الانتقام، وضمان سرية الهوية، وإعطاء التبليغ مكانة رسمية داخل بنية الرقابة.

ونتيجة لذلك، يتعامل الأمريكيون مع التبليغ بوصفه واجبًا مدنيًا يهدف إلى حماية المجتمع والمؤسسة معًا، لا كفعل يهدّد العلاقات الاجتماعية.

ويعكس هذا النموذج مستوى عالٍ من الثقة بين الفرد والمؤسسة، وهي ثقة تشكل حجر الأساس في تحويل التبليغ من فعل استثنائي إلى ثقافة يومية في العمل والإدارة.

– انتقال الذهنية إلى المهجر: كيف يُعاد إنتاج الثقافة داخل الجالية؟

عندما يهاجر المغربي إلى الولايات المتحدة، فإنه لا يترك ذهنيته وثقافته عند الحدود.

بل على العكس، يحمل معه نموذجًا ذهنيًا عميقًا يُعاد إنتاجه داخل الجالية بطرق مختلفة، حتى وإن تغيّر الإطار المؤسساتي.

وبذلك تتعايش منظومتان متناقضتان: نظام قانوني أمريكي يشجع على التبليغ، وذهنيات مغربية تفضّل التسويات الداخلية وتخشى التبليغ المؤسسي.

ويُلاحظ أن أعضاء الجالية يمارسون “التبليغ الداخلي” بكثافة عبر الإشاعة، أو مجموعات التواصل الاجتماعي، أو المحادثات الخاصة لكنهم يتجنبون اللجوء إلى القنوات القانونية التي تضمن حماية فعلية.

هذا يوضح أن الثقافة الأصلية لا تُستبدَل تلقائيًا بمجرد الانتقال الجغرافي، وأن التحول الذهني يحتاج إلى شروط اجتماعية وتربوية أعمق من مجرد تغير المكان.

– التبليغ الداخلي مقابل التبليغ القانوني: حدود السلوك وأثر الإرث الثقافي

يعتمد كثير من أفراد الجالية على التبليغ الداخلي لأنه ينسجم مع نظام العلاقات الاجتماعية الذي يمنح الأولوية للروابط الشخصية.

إلا أن هذا النوع من التبليغ يظل محدودًا في تأثيره، وغير قادر على إحداث تغيير مؤسسي أو حماية المستفيدين.

فهو تبليغ موجّه للجماعة، لا للمؤسسة، وغالبًا ما ينتهي إلى تفاقم الخلافات بدل حلها.

بالمقابل، يتطلب التبليغ القانوني شجاعة مدنية، وثقة في النظام، واستعدادًا لتحمّل تبعات أخلاقية واجتماعية.

غير أن الإرث الثقافي المغربي يضع الفرد أمام مفارقة: إما حماية العلاقات أو حماية المبدأ، وغالبًا ما يتم اختيار الخيار الأول.

– سوء النية وحسن النية: التبليغ بين الإصلاح والصراع الاجتماعي

تتداخل داخل الجالية دوافع متباينة للتبليغ، بعضها مبني على الحرص على الصالح العام وبعضها الآخر مرتبط بصراعات داخلية أو تنافس على المواقع.

هذا التداخل يخلق ضبابية تجعل التبليغ سلوكًا محفوفًا بسوء التأويل.

فالتبليغ بحسن نية يتطلب وضوحًا في المساطر وآليات مستقلة قادرة على فرز الدوافع، بينما التبليغ بسوء نية يؤدي إلى إضعاف ثقة الناس في عملية التبليغ نفسها، ويحوّله إلى أداة للصراع بدل الإصلاح.

هذا الخلط يعمّق التردد، ويجعل الجالية تتجنب التبليغ الرسمي خشية فقدان السمعة أو التعرض للإيذاء المعنوي.

دور الثقة في المؤسسات في تشكيل سلوك المبلّغ

الثقة في المؤسسات عامل حاسم في تبنّي سلوك التبليغ. فالمغربي الذي يدخل فضاء قانونيًا متقدمًا قد يجد نفسه عاجزًا عن الاستفادة منه إذا كان يحمل معه تصورًا بأن المؤسسة قد لا توفّر الحماية الكافية أو أن العملية القانونية معقدة وغير مضمونة النتائج.

ويفسّر هذا لماذا لا تُستغل الأدوات القانونية الأمريكية من طرف أفراد الجالية رغم وجودها.

فبدون ثقة داخلية في قيمة القانون وقدرته، تبقى الإجراءات بلا أثر.

هذه الثنائية بين قوة النظام القانوني وضعف النظام الذهني تجعل الممارسة غير متّسقة مع الإمكانيات المتاحة.

– آليات الحماية القانونية الأمريكية وحدود الاستفادة منها داخل الجالية

تتيح التشريعات الأمريكية آليات متعددة للتبليغ الآمن، سواء داخل المؤسسات أو عبر جهات رقابية مستقلة، وهي آليات تُشجع على الانخراط في حماية الصالح العام دون خوف من الانتقام. ومع ذلك، لا تزال هذه الإمكانيات غير مستثمرة بالشكل الكافي داخل الجالية المغربية.

يعود ذلك إلى ضعف الوعي القانوني، وغياب ثقافة الحكامة، وعدم وجود هياكل داخل الجمعيات تسهّل عملية التبليغ. كما أن خلط التبليغ بالمشاكل الشخصية أو الخلافات الإدارية يضعف قدرته على التحول إلى ممارسة مؤسساتية منتظمة.

– الفساد في المنظمات الصغيرة: لماذا يعجز العمل الجمعوي عن ضبطه؟

تتسم الجمعيات داخل الجالية بأنها منظمات صغيرة تعتمد غالبًا على علاقات شخصية أكثر من اعتمادها على قواعد الحوكمة.

وهذا يجعل من الصعب ضبط التجاوزات أو محاسبة المسؤولين عنها.

في غياب بنية تنظيمية واضحة، يصبح التبليغ الداخلي وسيلة بديلة لكنها غير فعالة، بينما تتطلب محاربة الفساد آليات أكثر نضجًا، مثل لجان الأخلاقيات، ومساطر التدقيق، وقنوات تبليغ مستقلة.

إلا أن هذه الأدوات غالبًا ما تكون غائبة، مما يعزز استمرار ممارسات تتعارض مع قيم الشفافية.

نحو ثقافة مساءلة جديدة: ضرورة التحول الذهني داخل الجالية المغربية

إن تجاوز هذا الوضع يتطلب تحولًا ذهنيًا يُعيد تعريف العلاقة بين الفرد والمؤسسة داخل الجالية.

ينبغي غرس ثقافة ترى في التبليغ ممارسة إصلاحية لا خيانة، وفي القانون حماية لا تهديدًا، وفي الشفافية قيمة لا فضيحة.

كما يحتاج العمل الجمعوي إلى إعادة بناء آلياته الداخلية بما يسمح بخلق قنوات آمنة للتبليغ، ويمنح الأفراد الثقة في أن صوتهم يمكن أن يحدث فرقًا دون أن يهدد مكانتهم الاجتماعية.

إن الجالية التي تحمي المبلّغين تعزز قدرتها على التطور، بينما الجالية التي تُخرس الأصوات تفتح الباب أمام الفساد ليتمدّد بصمت داخل الفراغ الأخلاقي والإداري.

 

 

Get real time updates directly on you device, subscribe now.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*